منظمة التحرير برسم الانتفاضة والاستعداد المستقبلي
بما ان التجربة الى جانب منطق الاشياء وعجلة التاريخ،تضعنا امام حقيقة تكاد تكون ثابتة،بحيث يمكن القياس عليها بعيداً مفادها ان الاحزاب والقوى السياسية شأنها شأن الدول والامبراطوريات،لها عمراً افتراضياً،طال أم قصر،سواءً في صعودها او هبوطها البياني.
ولتقريب الأمر ذهنياً نعرض السؤال التالي...أليس كل يوم عزيزي القارئ هو يوم آخر؟ ولأناس آخرين..؟؟..فما هو كائن اليوم حتماً ليس ما كان عليه بالأمس،ولا هو بذات الشيء المقروء مستقبلاً،فالثابت الوحيد على امتداد العارض هو المتغير الدائم...!. وبعيداً عن الاسقاط السلبي للأشياء،لنبحر معاً عبر هذه السطور،نحو إعادة اكتشاف جديد للتاريخ،وتنظيم دقيق للحظة ارتباطاً بالمستقبل،بمعنى الذهاب برحلة استقرائية في الزمن بابعاده الثلاث،عبر بوابة المشهد الفلسطيني ارتباطاً بالعقود الاربعة الماضية...وبما أن الهاجس الوطني التحرري،ما زال هو الهاجس الاساس والمسيطر،فالشعب الفلسطيني إذن شأنه في ذلك شأن باقي الشعوب الأخرى،يبقى ملازماً له في ظل استمرار الاحتلال الشعور الدائم والمتصاعد بالظلم والقهروالحرمان،بالاضافة الى غياب التوازن النفسي،الامر الذي يدفع بالفلسطيني أينما تواجد ليستحيل إلى إنسان شديد الحساسية تجاه الكرامة الوطنية،والتي سيأخذ التعبير عنها تجلياته المختلفة، عبر أكثر من منحنى،لصالح من يعزز لديه الشعور بهذه الكرامة والعكس صحيح أيضاً ..وذلك:=إما بتبني حالة من الحيادية السلبية،لأن الحيادية تجاه القضايا الوطنية و الاخلاقية أمر سلبي بمعنى غياب الثقة بالفصائل القائمة،وبالتالي إمكانية البحث عن حاضنات ومظلات جديدة ،خاصة وأن الأشياء بطبيعتها تأبى الفراغ مثلما تأبى السكون. =او بالذهاب نحو التطرف والتشدد وليس ادل على ذلك مما يجتاح المنطقة عموماً وقطاع غزة خصوصاً.
وبالعودة الى العقود الأربعة الماضية ارتباطاً بما سبق نجد بأن منظمة التحرير باعتبارها الإنجاز النضالي الأكبر للشعب الفلسطيني والتي شكلت بدايةً بقرار عربي "جمال عبد الناصر" بما يمثل انذاك، لم يكن بالإمكان استحالتها الى منظمة بالمعنى الفلسطيني بميثاقها الوطني،لولا أن سال الدم الفلسطيني وبغزارة في معركة الكرامة، وما ترتب على ذلك ليؤسس إلى ما بعده بشكل عميق وشامل،على صعيد المنظمة وحركة فتح وقيادتها للمشروع الوطني ودورها في عموم المنطقة العربية.
ليس هذا فحسب فقد جاءت الانتفاضة الأولى في هذا السياق لتؤكد على ما سبق،بحيث مثلت طوق نجاة ونقطة تحول في لحظة مصيرية،فكان لها ما بعدها غير الذي قبلهاعلى مختلف الصعد والمستويات،بالمقابل باعتقادي الشخصي لم يكن بالامكان اتساع القاعدة الجماهيرية لحركة حماس،لولا ادراك قيادتها انذاك بأن استمرار تأخرها وترددها طويلاً في الانخراط في فعلها النضالي من شأنه أن يلفظها خارج حدود الشطآن الفلسطينية ولا يخفى هنا أيضاً مدى استثمار حماس لعودة أكثر من أربعمائة من مبعديها من مرج الزهور تزامناً مع اتفاق اعلان المبادئ،علماً بأنها المرة الأولى التي تعيد فيها اسرائيل أياً من المبعدين بعيداً عن أي اتفاق سياسي معها. ومنذ ذلك الحين أخذت تظهر حركة حماس-ترجمة لما أشرنا إليه سابقاً- كبديل لمنظمة التحرير أو كحركة ترغب في أفضل الأحوال بالسيطرة عليها باعتبار ذلك جذر وجوهر الصراع القائم حتى اللحظ.
....إذ لم يقف الأمر عند هذا الحد،هذا إذا ما اعتبرنا دخول حركة فتح بالاساس مربع التسوية شكلا من أشكال الإشتباك السياسي مع المحتل،بل استمر الوضع طردياً لصالح حركة حماس واتساع جماهيريتها،خاصة مع بدء سريان اتفاق أوسلو وقيام السلطة،تحديداً في ظل عدم قدرتها جراء الموقف الإسرائيلي بالأساس على الوصول إلى حقيقة الدولة والإستقلال من جهة،وتصاعد المشروع الإستشهادي لحركة حماس من جهة ثانية،.
وقد استمر الحال على هذا المنوال،فجاءت الانتفاضة الثانية،لتسهم مجدداً وبشكل كبير في تعاظم حركة حماس وقدراتها،بحيث أصبحت قادرة على التأثير في مسار الفعل الوطني مستفيدة في هذا السياق من محاولاتها المتكررة،إظهار الآخر الفلسطيني بمظهر المتآمر والمتواطئ واختزال المقاومة بها دون غيرها وكأنها براءة اختراع لها دون الاخرين،وهذا ما يجافي الحقيقة والصواب في آنٍ معاً. الأمر الذي مكن حركة حماس من جني ثمار ما سبق عبر فوزها غير المتوقع في الإنتخابات التشريعية الأخيرة ومن ثم الاغترار بإمكاناتها وقدراتها في ظل تهلهل حركة فتح بالمقابل،وصولاً إلى لحظة الانقلاب العسكري في القطاع...بناءً عليه نخلص للقول،بأن لكل محطة من محطات الاشتباك مع هذا المحتل تداعيات وآثار متعددة الأمر الذي يلقي بظلاله في كل مرة على مجمل القضية الوطنية وطبيعة المشهد ومعادلة الصراع القائم...وأمام ما تحياه الضفة الغربية حالياً،ارتباطاً بهذه القراءة المتواضعة،أرى من الضرورة بمكان استقراء المستقبل من منظور تاريخي ارتكازاً على اللحظة،بمعنى محاولة التفكير بشكل استراتيجي،عبر ربط الوسائل والأدوات بالأهداف،لذا اعتقد شخصياً بأنه في ظل الفراغ الفصائلي الحاصل وتهلهل حركة فتح وضعف المنظمة،فضلاً عن انسداد الآفاق،حتماً ستجري مع الأيام مياه جديدة في النهر الفلسطيني،وأخالها في هيئة رؤى وأجسام ومظلات جديدة،تختلف في جوهرها ومضمونها عما هو قائم خاصة في ظل استمرار الانقسام و ضيق الفلسطينيين بالقائمين عليه من جهة،وما تسعى لتحقيقه حركة حماس في هذه الانتفاضة من جهة ثانية،وهو المراكمة للأسف على ما تعتبره انجازاً غير مسبوق،والمتمثل بشرعنة سيطرتها وتعزيز تفردها بحكم القطاع إلى جانب سعيها الدؤوب والمختبئ خلف شعارات شعبوية لتغيير الواقع في الضفة لصالح مشروعها الحزبي على حساب المشروع الوطني وذلك من خلال العمل والرهان على مسارين بحيث يخدم كل منهما الآخر. الأول:- الدفع بكل قوة بأبناء المؤسسة الامنية في الضفة الغربية،مقابل حرصها الشديد على المحافظة على حالة الهدوء في القطاع،لدخولهم في حالة اشتباك مسلح مع الاحتلال،بعيداً عن أية حسابات أو تكتيكات،يتشدقون بها صبحاً مساءً إذا ما تعلق الأمر بالقطاع،لإدراك حركة حماس وقيادتها لطبيعة وآثار النتائج المترتبة على ذلك.
الثاني:-العمل بالمقابل،بشكل ممنهج ومدروس لإظهار المؤسسة الأمنية بمظهر الخائن والمتعاون والمتآمر على شعبها وانتفاضته،بهدف تأليب الرأي العام ضدها،لحرف مسار الحراك الحاصل من أجل التهيئة والتمكين لخلق واقع جديد يسمح لحركة حماس باكمال سيطرتها على الضفة وتجاوز عصر منظمة التحرير ما أمكن،تمهيداً لايجاد مرجعية جديدة بصبغة حمساوية خالصة. . عليه أمام توقع استمرار الهبة الحالية في ظل تراجع الدور المألوف للفصائل، أو بالأحرى غياب المشروع والهدف والقيادة من جهة،وتجلي قدرة الشباب عموماً على المبادرة والتغيير إرتباطاً بما يجري في المنطقة من جهة ثانية،أرى من الضرورة بمكان خاصة في ظل المعرفة المسبقة،لطبيعة ومضمون التركيبة السياسية في إسرائيل وقرب انتهاء الولاية الرئاسية الأمريكية،الانتباه والاستعداد لما هو قادم،إذ لا أرى فيه مجرد حدثاً طارئاً إنما بداية مرحلة جديدة ، يترقبها ويعمل عليها أكثر من طرف محلياً وإقليمياً ودولياً،وأكثر ما يميزها وفقاً لقراءتي المتواضعة بأنها مرحلة ما بعد منظمة التحرير،خاصة بعد إضعافها وتراجع دورها جراء التعاطي معها من قبل أصحابها للأسف بمنطق الاستخدام،إلى جانب البعض العربي أيضا الذي يضيق بدورها الثوري التقدمي في الواقع العربي عبر محاولاته لحرف وإسكات هذا الدور بالمال التمويلي .
ختاماً إذا ما صحت هذه القراءة،في ظل وقوفنا مدفوعين على أعتاب نكبة جديدة،أخالها من نوع اخر،... إذن لا بد من وحدة المشروع والهدف والقيادة خاصة وأن الشعب العربي الفلسطيني بالتجربة لا ينقصه الوعي ولا الإرادة ولا الأدوات إنما وحدة الهدف،إذن فلنباشر سريعاً في عملية مراجعة وتقييم جدية،على أن تشكل الهبة الحالية أيضاً والمطلوب المحافظة عليها والإبقاء على إيقاعها مضبوطاً بما يخدم الهدف في سياق عملية تراكمية لتحقيق الانجاز ،رافعة مهمة يمكن البناء عليها بدرجات متفاوتة استعداداً لما هو قادم وذلك قبل فوات الأوان ،حيث لا ينفع ندم أو ترقيع في إطار ردات الفعل.
باختصار لا بد من الاستمرار في صناعة التاريخ ،بدلا من العيش والتغذي عليه ،فهناك فرق كبير ما بين صناعة الأحداث وما بين التفاعل معها أو مجرد مراقبتها...فمتى فقدت التنظيمات قدرتها على الفعل والمبادرة وتحقيق الانجاز،حتماً حينها ستتجاوزها الأيام والأحداث بتطوراتها المتسارعة وهذا ما يجب التنبه والاستعداد له فعليا في القادمات من الأيام ،بعيداً عن الشكليات المألوفة ،من خلال برامج و رؤى،بنى وهياكل ،تناسب اللحظة و تؤسس للمستقبل.