ماذا يعني تحول المشروع الصهيوني الى نظام ابارتهايد وتمييز عنصري جديد؟!

2016-01-28 09:32:47


      

* مع اقتراب الذكرى الخمسين للاحتلال الاسرائيلي والذكرى السبعين للنكبة، وفي ظل احتدام النضال الوطني الفلسطيني، يغدو ضروريا تطوير مجموعة من الموضوعات الاستراتيجية لتحديد الملامح البرنامجية للكفاح الفلسطيني في المرحلة المقبلة من اجل الحرية والعودة وتقرير المصير.

كيف تحول المشروع الصهيوني الى نظام ابارتهايد وتمييز عنصري جديد؟

يمثل الاستعمار الاستيطاني الاحتلالي جوهرة الفكرة الصهيونية، وقد مر هذا المشروع بثلاث مراحل.

المرحلة الاولى امتدت بعد تبلور الفكرة الصهيونية من اواخر القرن التاسع عشر وحتى عام 1947، حيث عمدت الحركة الصهيونية الى توسيع التواجد والاستيطان اليهودي في فلسطين تدريجيا، ثم استغلت الهولوكوست للدفع باعداد كبيرة من المهاجرين اليهود الى فلسطين.

اما المرحلة الثانية فامتدت من عام 1947 حتى عام 1967 وحققت اكبر انجازاتها عام 1948 بتهجير 70% من الشعب الفلسطيني من قراه ومدنه، وبذلك استكملت الاستيطان والاستعمار بالطرد القسري والنفي بهدف الاحلال في 78% من ارض فلسطين التاريخية.

اما من تبقى من الفلسطينيين وعددهم كان حوالي 250 الفا فقد اخضعوا للحكم العسكري القاسي حتى عام 1966.

وحيث ان الفكرة الصهيونية بطبيعتها عنصرية، فقد أرست اولا عبر الحكم العسكري، ولاحقا بسلسلة من القوانين وانظمة التمييز آلية عنصرية ضد الفلسطينيين العرب، رغم اعطائهم الجنسية الاسرائيلية، واهم اهداف ذلك التمييز كان الاستيلاء على اراضيهم وتحويلهم الى تجمعات سكانية معزولة تقدم قوه عاملة رخيصة للاقتصاد الاسرائيلي.

اما المرحلة الثالثة فبدأت عام 1967 باحتلال ما تبقى من فلسطين والمفارقة هنا ان الانجاز العسكري الذي قدم للعالم كمعجزة بانتصار اسرائيل على ثلاث جيوش عربية ترافق مع بداية الازمة الحقيقية العميقة للمشروع الصهيوني، بسبب اصرار معظم ابناء وبنات الشعب الفلسطيني على البقاء في ارضهم المحتلة، بعد ان تعلموا الدرس كشعب وليس كقيادة من تجربة عام 1948 .

وحيث ان الاستعمار الاستيطاني الصهيوني مبني على ثلاثة عناصر، هي الاستعمار والاستيطان ثم الاحتلال ونفي الاخر وتصفية وجوده ولا تكتمل المعادلة الا بالعناصر الثلاث، فان هذا المشروع واجه ازمة عميقة بعدم قدرته رغم كل المحاولات على نفي الاخر واخراجه من ارض وطنه.

ولم يؤد فرض الحكم العسكري الشرس الى حل المشكلة الى بل الى تعميقها مع انطلاق المقاومة الفلسطينية باشكالها المتنوعة، والتي وصلت ذروتها الى انتفاضات ثلاث، نعيش اليوم بداية الثالثة منها.

وفي حين واصلت الحركة الصهيونية عملية الاستعمار الاستيطاني فقد عجزت عن طرد الشعب الفلسطيني الذي صمد واستبسل وقاوم محاولات جعل وجوده مجرد تجمع بشري سلبي عاجز عن الفعل و المقاومة كما ارادت اسرائيل.

وتحول الوضع الذي تبلور الى أسوأ كوابيس مؤسسي الحركة الصهيونية الذين باعوا للعالم فكرة ان اسرائيل دولة ديمقراطية في بحر من التخلف والديكتاتورية.

ومع مرور كل عام من الاعوام التسعة والاربعين منذ وقع الاحتلال كانت اسرائيل تخطوا خطوة جديدة في اتجاه بلورة نظام تمييز وفصل عنصري اسوأ مما كان قائما في نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا والذي اصبح اسمه مقرونا بالعار في العرف الانساني والاخلاقي وحقوق الانسان.

وبعد ثمانية وستين عاما منذ قيام اسرائيل فانها تكرست فعليا وعلى عكس ما اراد مؤسسوها كدولة الابارتهايد الاسوأ في التاريخ البشري .

ومع ذلك يناقش العديد من الاكاديميين فكرة الفروقات بين منظومة اسرائيل الصهيونية ومنظومة الابارتهايد في جنوب افريقيا

وهناك فروقات بالفعل. فنظام جنوب افريقيا كان استعماريا واستيطانيا ولكنه لم يكن احلاليا ولا سعى لنفي الوجود البشري للاخر بل الى استغلاله كقوه عاملة وكسوق بعد سلبه ارضه ومصادر ثروته.

اما في حالة الحركة الصهيونية فان مشروعها كان استعماريا واستيطانيا ولكنه احلالي كذلك بمعنى السعي لطرد الاخر ونفي وجوده (Elimination ) وكان هدف الاحلال اهم من هدف الاستغلال البشري للقوة العاملة التي استعيض عنها من خلال العمالة الاجنبية.

غير ان صمود الشعب الفلسطيني و مقاومته، وان لم تستطع حتى الان وقف الاستعمار والاستيطان ، فانها أفشلت منظومة الاحلال، وجعل ذلك اسرائيل تتورط بعمق في منظومة الابارتهايد والتمييز العنصري.

ان الطابع الاحلالي وان كان يجعل النظام الصهيوني العنصري مختلفا عن نظام الابارتهايد، فانه يجعله كذلك اسوأ وأخس وأشد عنصرية.

اما الفرق الثاني فيتعلق بطبيعة نضال الشعب الفلسطيني ضد منظومة التمييز والابارتهايد.

ان هذا النضال الذي يسعى الى الغاء التمييز وتحقيق المساواة في الحقوق لا يستطيع ان يهمل العنصر الوطني وحق تقرير المصير. ويتجسد ذلك في امرين :

اولا- حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، الذين هجروا قسرا من وطنهم، الى ديارهم التي هجروا منها.

وثانيا- ان المساواه لا تعني فقط مساواة الافراد في الحقوق، كيهود وفلسطينيين، بل ايضا تعني المساواة في حق تقرير المصير للشعوب، ولذلك لا يمكن لاحد ان يقبل فكرة يهودية الدولة لانها قائمة اساسا على قاعدة نفي الشعب الاخر وتزوير تاريخه وسلبه حق تقرير المصير ولو طبق هذا المبدأ كما يريد قادة اسرائيل في جنوب افريقيا لأعلن عنها دولة للبيض فقط.

وبالتالي فان النضال الوطني الفلسطيني الذي ياخذ اليوم طابع الانتفاضة الشعبية يجب ان يجمع ويوحد كل الفلسطينيين سواء من يعيشوا في الداخل او في الاراضي المحتله او في المهاجر حول اهداف الحرية وتقرير المصير والمساواة الكاملة في كل ارض فلسطين دون انتقاص من اي من هذه العناصر.

ولعل تبني هذا الفهم يمثل خطوة اولى في اتجاه بلورة رؤية جامعة وموحدة لاهداف النضال الفلسطيني بعد انهيار خيار المفاوضات وفشل اوسلو، وتعاظم احتمالات تلاشي حل الدولتين.