مجلة "ملتقى المرأة العربية" تختار الشيف ديما "السيدة الملهمة" لعددها

2016-02-05 09:33:00

رام الله- رايــة:

اختارت مجلة (ملتقى المرأةِ العربيّة)  الشيف الفلسطينية ديمة الشريف سَيِّدَةً مُلْهِمَةً لهذا العدد.

“لقد عانى المطبخ الفِلَسطينيّ بسبب الاحتلال والشتات منذ عشرات السّنين، فضلًا عن اقتلاع أشجار الزيتون، والتدمير الشامل للمزارع، ومع ذلك سيبقى المطبخ الفلسطينيُّ والثقافة الوطنيّة دائمًا في قلوب شعبنا أينما كانوا، ميراثًا تتناقَلُه الأجيال”. بهذه الكلمات تُعَبِّرُ ديمة عن رُؤيتها للمطبخ الفلسطينيِّ كانعكاسٍ للثقافة والتاريخ، وتقديرٍ للأرض وكرمِ عطائها، أرادَتْ ديمة أنْ تُوَثِّقَ هذا التراثَ لنتناقَلَه جيلًا بعد جيل، حفظًا له وتكريمًا للأجيال السابقة التي ابتكرَتْ وأبدعَتْ.

-هل بَدَأَ شغفُكِ بالمطبخ منذ الطفولة؟

في الواقع لا، لم تكُنْ تلك الموهبةُ موجودةً منذ الطفولة، على العكسِ تمامًا، في طُفُولتي المطبخ لم يكُنْ مِن أوْلَويّاتي، حاوَلَتْ والِدَتي جاهِدَةً أنْ تُعَلِّمَنِي ولكنِّي كُنْتُ دائِمًا مُهْتَمَّةً بالتعليم والعمل، ما أَذْكُرُهُ جيِّدًا أنَّني كُنْتُ دائِمًا مُحِبَّةً للأكل، خُصوصًا أنَّني مِن عائلةٍ تُجِيدُ عَمَلَ الأَكْلاتِ لا سيّما الفلسطينيّة منها، فوالدتي وَجَدَّتاي لِأَبي وِلِأُمِّي كُلُّهُنَّ يُجِدْنَ الطبخ، خُصوصًا وأنَّ جدي كانَ يَمْلِكُ واحِدةً مِن أكبرِ المَزارع في الأردن، ما جَعَلَ الأَكْلاتِ في عائِلَتِنا شَهيَّةً لِجَودة المُكَوِّنات وإبداعِ السّيِّدات.

-إذن فكيفَ بَدَأَ هذا الشَّغَفُ؟

هُنا سَأُخبرُكم قصّةً شَيِّقَةً…

بعدَ زواجي وإنجابي لابني الأوِّلِ اضطررْتُ للجلوس فترةً في المَنزل للاعتناء بابني، لم أَكُنْ مُعتادَةً على البقاء في المَنزل بِلا عَمَلٍ، كُنْتُ أَشْعُرُ بِمَلَلٍ شَديد، حَضَرَتْ والِدَتي لِزِيارتي ومُساعَدتي، وعندَما حانَ مَوعِدُ سَفَرِها أَخْبَرَتْنِي بأنّها أَحْضَرَتْ لي مَلَفّاتٍ كَتَبَتْ عَلَيْها كُلَّ الأَكْلات التي أُحِبُّها، كانَتْ لَدَيْها رَغبةٌ كبيرةٌ بأنْ أَتَعَلَّمَ ما تَعَلَّمَتْهُ هي مِن والِدَتِها، كانَتْ تَشعُرُ بِضَرورةِ أنْ تَصِلَنِي الأمانَةُ وأنْ أُمَرِّرَها بدوري لابنتي، أَخْبَرَتْني بِمَكانِها وسافَرَتْ.

بعدَ فَترةٍ مِن سَفَرِها وفي أثناءِ توضيبي للمنزل عَثَرْتُ على الوَصْفات، كَتَبَتْهُم أُمِّي بِخَطِّ يَدِها، لم تَكْتَفِ أُمِّي بكتابة الوَصْفات بل أَضافَتْ لَمساتِها وتعليقاتِها على الأَكْلات لِتُذَكِّرَني بأحداثٍ مُعيَّنةٍ تَرتَبِطُ بِكُلِّ وَصفَةٍ وَكُلِّ أَكْلَةٍ، وَجَدْتُ الساعاتِ تَمْضِي وأنا أُقَلِّبُ الصّفحاتِ، وأَسْتَذْكِرُ اللحظاتِ الرائعةَ، فهذهِ الوَصْفةُ تَرتَبطُ بأكلَةٍ أَكَلْتُها عندَ قريبةٍ لنا، اسْتَذْكَرْتُ الحاضِرينَ وَقْتَها، وضَحْكاتِهم وانْفعالاتِهم، لمْ أَنْتَبِهْ لنفسي إلّا بعدَ ساعاتٍ على صَوْتِ بُكاءِ ابني.

هُنا شَعَرْتُ بِسِحْرِ هذهِ الوَصْفات، وَأَدْرَكْتُ سَبَبَ رَغْبَةِ أُمِّي في أنْ أَتَعَلَّمَها، تلكَ الوَصْفاتُ لَيْسَتْ مُجرَّدَ كَلِماتٍ، بلْ هي ذِكْرياتٌ، هناكَ ارتباطٌ وَثيقٌ بينَ مطبخ كُلِّ بَلَدٍ وثقافَتِهِ وتارِيخِهِ.

مِن هُنا بَدَأَ شَغَفي بالأَكْلاتِ، وَبَدَأْتُ أُعِدُّ الوَصْفاتِ وأَكْتُبُ عنها في المُدَوَّنِةِ الخاصَّةِ بي، بل بَدَأْتُ بِعَملِ بَحْثٍ لِمَعرفة أَصْلِ كُلِّ وَصْفة، مِن أَينَ أَتَتْ؟ ولماذا؟

وَمِنْ هُنا بَدَأَتِ الرِّحلة… رِحْلَتي مَعَ هذا العالَمِ الرائع.

انْتَقَلْتُ بعدَها للعَيْشِ في دُبَي، وَتَعَرَّفْتُ على أصدقاءَ يَعمَلُونَ في هذا المَجال، أَجَدْتُ الوَصْفاتِ والأَكْلات، وكُنْتُ أَحْظى بِكُلِّ الدَّعْمِ مِن الطّبّاخينَ المُحتَرِفينَ الذينَ أَعْجَبَهُم إصْراري على إجادةِ الطبْخِ بِجُهْدٍ شخصيٍّ وبَحْثٍ مُسْتَمِرٍّ وَبِدُونِ دِراسة.

-مَتى بَدَأَتْ فِكرَةُ الكِتاب؟

أَرَدْتُ أنْ أُوَثِّقَ المطبخَ الفلسطينيَّ وارتباطَه بالتراث والتاريخ، الأكلُ انعكاسٌ لِثَقافة الشعوب وعاداتها، في الكِتاب شَرْحٌ لِكُلِّ وَصْفَةٍ وَكَيْفِيَّةِ ظُهُورها ومُسَبِّباتِها، وفي هذا حِفْظٌ لِتُراثنا وتارِيخنا.

الكِتابُ مَزِيجٌ مِن التاريخِ والثقافةِ والسِّيرَةِ الذاتيّةِ لي ولأفرادِ عائِلَتي وخُصُوصًا جدّاتي، حصيلةٌ لِثَلاثِ سنواتٍ مِن البَحْثِ الذاتيِّ ومُساعَدَةِ الأهْلِ والعائلةِ وفريقٍ كامِلٍ لِعَمَلِ الاسْتِبْياناتِ في داخِلِ فلسطينَ وخارجِها.

سَمِعْتِ عنْ حالاتِ سَرقة التُّراثِ وَنِسْبَتِهِ للآخرين، هل في كِتابِكِ دَحْضٌ لِمَزاعم الاحتلال التي تُرَوِّجُ للأَكْلاتِ الفلسطينيّة على أنّها لَهم؟

بالتّأكيد سَمِعْتُ، وفي الكتابِ ما يُؤَكِّدُ أنَّ كُلَّ أَكْلَةٍ فلسطينيّةٍ أَتَتْ مِن ثقافَةٍ مُعَيَّنةٍ، وهذا ما يُكَذِّبُ ادِّعاءاتِ الاحتلالِ الباطِلَة، لا تَستَطِيعُ بِبَساطةٍ أنْ تَسْرِقَ أَكلاتِ الآخرينَ وَتَنْسبَها لِنفسك، فَكُلُّ أَكْلَةٍ أَتَتْ نتيجةً لِظُروفٍ مُعيّنة، كلُّ أَكْلَةٍ لَها قِصَّةٌ، أُعْطِيكِ مثلًا أَكْلَةْ “الْقَلّاية”، كانَتْ مُنْتَشِرَةً عِند الفلّاحينَ في الحَقل؛ لِبَساطتها، ففي أثناءِ عَمَلِهم في الحَقْلِ يَقْطَعُونَ حبّاتِ الطَماطم وَيَضَعُونَ عَلَيها بعضَ الزيتونِ والثَّومِ، ثُمَّ يُباشِرُونَ عَمَلَهم.

أهميَّة الزّعْتَرِ والزَّيْتِ مَثلًا بَدَأَتْ مُنذُ عُقودٍ وَبِسبَبِ حَظْرِ التَّجَوُّلِ، كانَ يَجِبُ أنْ يَجِدَ المُواطِنونَ ما يَسُدُّ رَمَقَهم وَيَسْهُلُ تَخْزِينُه… وكذلكَ الوَصْفاتُ الأُخْرى… كلُّ وَصْفَةٍ لها سَبَبٌ وظُرُوفٌ، وهذا ما أُوَثِّقُهُ في كِتابي؛ حِفْظًا لِتُراثنا الغَنِيِّ وأَمَلًا في أنْ يَنْتَقِلَ جيلًا بعدَ جيل.

-لقد اعْتَدْنا في مُجتَمَعِنا على وظائِفَ مُعَيّنة، هل تُشَجِّعينَ القُرّاءَ على التفكير خارِجَ الصُّنْدُوق؟

لدينا أعدادٌ كبيرةٌ مِن المَوْهُوبينَ، ما نَحتاجُهُ فِعْلًا أنْ يُؤْمِنَ كُلُّ مَوهُوبٍ بِنَفْسِهِ وألّا يَسْمَعَ للمُثَبِّطينَ، لدينا تاريخٌ عظيمٌ، وَتُراثٌ رائِعٌ، ويجبُ أنْ نَصْنَعَ حاضِرًا ومُستَقْبلًا يَلِيقُ بِنا.

-لِمَنْ أَهْدَيْتِ كِتابَكِ؟

أَهْدَيْتُهُ لِفِلَسطينَ… مِن الجَدّاتِ إلى الأَبْناء.

-كيفَ تَرَيْنَ حالَ المرأةِ العَربيَّةِ اليَوْمَ؟

الجَميعُ اسْتَوْعَبَ أهميّةَ المرأةِ وعِظَمَ دَوْرِها، هناكَ نماذِجُ كبيرةٌ لِسَيِّداتٍ مُلْهِماتٍ، ولكنِّي أُؤْمِنُ أنَّ أكبْرَ إِلهامٍ أُقَدِّمُهُ لابْنَتي أنْ أكونَ أنا النموذَجَ والقُدوةَ لها. يَجِبُ أنْ نُطَوِّرَ أَنْفُسَنا لِنَكُونَ حافِزًا لهم لِيُبْدِعُوا أَيْضًا.

أَنْصَحُ كُلَّ فتاةٍ بأنْ تُؤْمِنَ بِنَفسها بِقُوّة، فإنْ آمَنَتْ بنفسها لا يَستطِيعُ أحدٌ أنْ يَمْنَعَها مِن الإبداع. وَلِرَبَّةِ البَيت أَقُولُ: حافِظِي على التوازُنِ في حياتِكِ، لا مانِعَ مِن الاستمتاع بِوَقتك ولكنْ يجبُ أنْ تُفكِّري بالإنجاز أيضًا، بعَمَلِ شيءٍ بنّاء. ابْدَئي بالمُتابَعَةِ، تابِعي كُلَّ شيءٍ يَجْرِي حَوْلَكِ، المُتابِعُ الجَيِّدُ حَتْمًا سَيَسْتَهْوِيهِ أمرٌ ما لِيَتَمَيَّزَ فيهِ وَيُبْدِعَ.