كلمتان في اضراب المعلمين

2016-02-18 11:23:00

 

كلمة حب ووفاء

الحديث في أي موضوع يخص المعلمين ذو حساسية عالية، فدور هذه الفئة في صياغة معالم البناء القيمي والفكري والمجتمعي يستوجب منا احتراما كبيرا لهذه القامات العالية، فكل فلسطيني في عنقه دين لمربي الأجيال، من يشكلّون هامات وطنية وقامات تواصل حضورها من منطلق دورهم الذي لا يختلف عليه اثنان، ومن  منطلق أن أبناءنا أمانة لدى صنّاع الرجال ومدرسة الأخلاق.

ورغم صعوبة ظروف السلطة الوطنية والحكومة في أعتى المراحل السياسية التي تمر على قضيتنا، من حصار مالي إسرائيلي، وتراجع الدعم الدولي والعربي، ورغم ذلك فالكل مع حقوق المعلمين، وكل الأرقام المطروحة حق لهم وتعد دون مهمتهم السامية، وعلى الحكومة التفكير بطرق ابداعية وبشكل مسؤول لتحسين وتطوير دخل المعلم ليكون الدخل المتناسب مع الذي يقوم به معلمونا، بالتوازي مع تطوير العملية التعليمية برمتها في عهد التكنولوجيا الدقيقة، والعلوم المتطورة في كل ثانية للارتقاء بمستوى المعلم والطالب في أخطر معادلة وطنية، وما سبق يجب أن يكون مبدأ ونهجا في الأوقات كلها وفي الظروف المختلفة.

كلمة مودة

إننا لا نفصل بين المعلم الفرد والرسالة، والمجموعة تتكتل في اطار مطلبي وبشكل ذكي يوازن بين قضايا ثلاثة هامة:

1-  مصلحة الأجيال، وذويهم، وحقهم التعليمي كأمانة كبرى وضعها الشعب الفلسطيني في يد المعلمين والمعلمات.

2-  مصلحة المعلم ليعيش بكرامة، وحقه في الدخل الكريم، والتطوير والتدريب ورفع الكفاءة، وتوفير بيئة تعليمية مساعدة، ووسائل متطورة تساعده في أداء رسالته وتكوين قادة المستقبل بما يليق بتحدياته.

3-  مصلحة الوطن كقضية تعيش حصار، وانحسار واستفراد من اسرائيل واستغلال من كل الأعداء، وظرف وطني بالغ التعقيد ونحن نعيش هبة شعبية تغول فيها الاحتلال على شبابنا وأطفالنا وفتياتنا وأرضنا ومقدساتنا وهذا بعد طالما وضعه المعلم في عين الاعتبار، وهو يقوم بدوره النضالي على جبهة مواجهة الجهل ومخططات التجهيل، ولا أعتقد أنه تنازل عن هذا الدور.

وبموضوعية يمكن القول إن التوازن بين المصالح السابقة صمام أمان للجميع لحماية مشروعنا الوطني، والحصن الأخير للدفاع عنه وهو التعليم، باعتباره قلعة لصمودنا، والصخرة التي تتكسر عليها محاولات الاحتلال، ومما لا شك فيه أن الإضراب حق مشروع، لكن ونظرا لخصوصية الحالة والظروف الموضوعية سلالفة الذكر، يجب التذكير بمجموعة مخاطر كامنة يجدر ألا نتعامل معها بمنطق وضع الرأس في الرمال، خاصة وأن اللجوؤء الفوري للإضرابات دون استنفاذ وسائل المطالبة الأخرى موضع تساؤل.

وبمزيد من التحديد، فإن المخاطر الكامنة تتمثل أولا في حالة الانفلات التي يسببها الاضراب فلا نعرف أين يذهب أطفالنا وبناتنا في هذه المساحة الزمنية خارج الرقابة بين دخول المدرسة والعودة للبيت، وهذا مساس بالمهمة الأولى للمعلم كمربّ وصاحب دور في تأسيس الأخلاق العامة والفردية.

أما الخطر الثاني: فهو أننا نرى مساحة التعليم تتضاءل بعد الإجازات الموسعة أسبوعا وراء آخر لأسباب مختلفة،؛ إضراب، ورمضان ومناخ، فنجد نفسنا أمام تكدّس المنهج وضغط على المدرس والطالب والأسرة.

وكل ما سبق، يفرض علينا وقفة تأمل للإبداع في وسائل النضال النقابي بعيدا عن ثقافة التسيب التي يصنعها الاضراب، واعتماد مبدأ التدرج في النضال الكفيل بالحفاظ سلامة الموقف 100% لإحراج المسؤولين وتقديم نموذج نقابي جماعي وطني، يليق بأنبل شرائح شعبنا حتى لا يفقدوا خلال الأزمة تعاطف المجتمع ولضمان مواصلة بقاء أولياء الامور في صفهم مساندين لهم لتحصيل حقوقهم العادلة والمشروعة.

كما أن المعلمين بحاجة للضغط العاقل والمتوازن القائم على الحجة والإقناع والتدرج وتقديم حلول وأفكار تساهم في تأمين حقوقهم بمعنى الضغط الايجابي، وإشراك فئات المجتمع وشرائحه كافة  في فهم مطالبهم وتبنيها بعيدا عن إغلاق الفصول وتسريح الطلاب، وفي النهاية ستتحمل الأسرة التعليمية معلمين وطلاب أعباء مستقبل الأزمة، بدلا من سياسة حرق المراحل والذهاب للضغط عبر التهديد بمستقبل أبنا ئنا وعقولهم وتربيتهم، ما قد يشير إلى أصابع سياسية تعبث بهذا القطاع الحساس والهام، لمآرب  متباينة خسر فيها الوطن والمواطن كثيرا نتيجة التجريب والتخريب السياسي والمغامرات الفصائلية داخليا وخارجيا ما وضعنا في فك انقسام  لا زالت تداعياته تقوّض آمالنا بمستقبل مستقر وآمن.

في ضوء ما سبق، يغدو من نافلة القول التذكير إن المؤسسة التعليمية مقدسة بسلوكها الحضاري وكوادرها الأذكياء والأخلاقيين كرجال وطن وأبطال طالما قدموا مصلحة أجيالنا على حساب جزء من مصالحهم فنالوا شرف المهنة.

ولذا؛ نقول إن على الحكومة التعامل مع حقوق المعلمين باهتمام بالغ ولا مانع من انعقاد الحكومة بشكل طارئ لأيام لتدارس كل الحلول مع اتحاد المعلمين للتفكير في مخارج وطنية ترضي المعلمين أولا وثانيا وثالثا، ضمن حوار وطني مسؤول وواع متسّم بالصراحة وبالشفافية يكون فيه المعلم بين طلابه واثقا بهذا الحوار الذي يسعى لتحقيق مطالبه دون وضع المؤسسة برمتها في مهب الأزمة، الأمر الذي في مجمله لا يخدم إلا الاحتلال.

نقطة أخرى، يجب ألا تغيب عن البال، وهي وجود أجندة ثابتة لمواعيد العام الدراسي، وامتحان الثانوية العامة، وهو ما يحتم علينا أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار.

في النهاية، مع مصالح المعلمين ومع مصلحة الوطن في الوقت ذاته، خطان يمكن الدمج بينهما وتحقيق التناغم المطلوب، فمثلا لماذا لا تكون الاحتجاجات أيام السبت؟ وفي العطلة الصيفية؟ تساؤل نجد أنفسنا مضطرين لطرحه ونحن ندرك أن ثمة من يتعاطى مع الإضراب باعتباره هدفا في حدّ ذاته، وهي وإذ نسلّم بأنها أقلية محدودة إلا أنها موجودة، وواهم من يظنّ غير ذلك.

مع مصالح المعلمين ومع مطالبهم دون أن تشكّل عنصرا ضاغطا، أو مبعثا لاختلال منهجيات التكامل، فهل تصل الرسالة؟!!