الرجال الحقيقيون يعرفون معنى الحب
جلست في الظلام.. كم الساعة الآن؟ لا أدري.. كل المدينة نائمة... وانا... افكر ولا أفكر.. أتذكر ولا أتذكر. أشاهد سباق الدقائق على ظهر الجدار.. لا أتذكر شيئًا..أغمض عينيّ.. أريد محو كل هذا الشهر، لأبدأ كتابة القصص من جديد.. ما هي القصة التي كنت أريد كتابتها قبل هذا الشهر؟ لا أذكر.. أفكر أكثر... أبحث عن ممحاةٍ لأمحو كل هذا الشهر... أعرف أنني إن لم أمحُ هذا الشهر لن اعود الى كتابة القصص من جديد.. بأيّ ممحاة يمكن محو الايام؟..
قمت من مكاني، في الظلام... فتحت خزانتي... لا أريد ان أرى شيئًا.... أخذت الكثير من الهدايا الصغيرة والكبيرة.. ورميتها في النفايات بغضب. كتبت على ورقة بأيدٍ مرتعدة.. بكل غيظ.. لأمسح كل الماضي "الرجال لا يفهمون الحب".. وعلّقت هذه الجملة فوق رأسي، في الظلام... وأحسست وأنا أكتبها أنني رميت كل هذا الشهر... عدت الى الماضي، ما قبل هذا الشهر، أفكر من جديد.. أيّة قصةٍ كنت أريد أن أكتب؟؟ تذكرت.. اسم الشهيد "علي قليط"... كنت اريد ان اكتب قصته قبل شهرٍ من الآن، وتوقفت...
أذكر أول مرة، عندما بدأت بالحوار مع زوجة الشهيد، بعد شهادة زوجها بيومين، رأيت صورته في ملف صديقتي... ولا أعرف لماذا... ولكنني أحببت أن اكتب قصته... كنت أشعر بشيءٍ من النظر الى صورته.. لا أدري ماذا.. ولكن صورته كانت تجذبني لكتابة قصته.. بحثت عن زوجته... ولكنني كنت أعرف أنه لم يمضِ سوى يومين على شهادة زوجها، فلم أشأ مضايقتها.. فربما هي ليست على ما يرام.. أو لا تريد الكلام..
بعد ثلاثة أشهر، كلّمتها.. لم تقتنع في البداية.. حزنت. ولكني عدت وابتسمت، وحاولت أن أجعلها تقتنع.. عرفت عن نفسي ... لم أكن أريد إجبارها على الكلام.. لكنني طلبت من الله ومن الشهيد أن تتجاوب معي وتبدأ بالكلام، لأكتب قصتها وقصة الشهيد... كانت تظن أنّي في لبنان... قالت: هل تستطيعين أن تأتي الى بيتنا؟... قلت لها: نعم... سوف أطير إليك... فارق الوقت بيننا وبينكم ساعتان... قالت: انت في ايران؟... قلت: نعم، انا في ايران.... كلمتني... حدثتني... عادت ذكرياتها... وانا سافرت معها... الى ذكرياتها.... قلت لها: أنا سأصمت وأستمع... انت قولي كل شي تريدينه...
كان ذلك قبل هذا الشهر الذي محوته الليلة.
هذه الفتاة الايرانية أجبرتني للمرة الأولى أن أفتح نافذة ذكرياتنا لتكتب عنك.. لتخط سطورًا تحكي عن لملمة جراحي بعدك.. ذلك الجرح الذي تداويه ابتسامة فاطمة.. وعيون زينب.. وعملي الذي أتابعه كما أوصيت.
لتكتب هذه الفتاة الإيرانية.. فأنا أحب أن أرى ماذا ستكتب.. وهل هي ستكتب ما يعبّر عن جرحي؟
جئت لزيارتك قبل أن ابدأ الكلام.. وطلبتُ منك أن تساعدني.. انظر إلى عينيك... وابتسامتك... وأسافر مع ذكرياتي معك... كأنني أراك من جديد.. كأنك تنظر إليّ من جديد. لا أصدق أنك ذهبت. وهل انت ذهبت حقًا؟ أتذكرك.. لا أقول انه من الهيّن عليّ ألّا أراك.. ولكنني... لن أنسى أنّ الشهادة بالنسبة لي ولك كانت مشروعًا للآخرة... رغم اننا لم نكن نعلن صراحةً في حديثنا عبارة "مشروعنا"، ولكن كنا نخطط بصمتٍ، كلٌّ من جهته... انت، كنت قليل الكلام... وأحيانًا كنت أحب أن اكلمك... واقول لك، أعرف أن قرارنا شيء آخر ولكن أحيانًا قلبي يدق... مثل قلب العصفورة... ولكنني كنت اصمت... قلت لك مرة "ماذا إن استشهدت؟"... وضعت اصابعك على شفتي، وأنت تبتسم، وقلت: "لا تفكري الآن. دعينا نعيش هذه اللحظات معًا".
إلّا في ذلك اليوم... هل تتذكر؟ وقفت امامك ونظرت في عينيك. قلت لك: "انا لن أسامحك إن شعرت بدنو الشهادة ولم تخبرني. لا تحرمني فرصة توديعك يا علي".. كنت اقول هذه الجمل... مع انني حاولت كثيرًا أن أبتسم ولا أفصح عن إحساسي... في هذه الظروف. ولكن المرأة هي المرأة.... لم أستطِع. ولكن أنت، ألم تكن، في سكوتك عندما تطيل النظر اليّ هذه اللحظات، تعرف ما يدور في قلبي وإحساسي؟ لا أشك بذلك.. وكيف من الممكن ألّا تعرف كم هو صعبٌ عليّ فراقك.. من دون وداع؟ وأنت في تلك اللحظة، عندما كنت بحاجةٍ لتقول لي "لن اذهب دون وداعك"، لم تقل لي هذه الجملة..اتذكر تلك اللحظات وابتسم... اتذكر كل كلماتك.. حينها رددت على كلامي بابتسامةٍ وقلت "في بعض الاحيان، تأتي الشهادة في لحظةٍ يكون فيها المجاهد مخلصًا لله بكل جوارحه.... وأنا لا أضمن لك ان تكون هذه اللحظة هنا. من المحتمل أن تأتي هذه اللحظة وانا في الجبهة"..
زينب وفاطمة تلعبان قرب قبرك. وانا افكر. ليس من أجل قصة هذه الفتاة الايرانية.. افكر... لأتذكر من جديد... وانت تراقبني بصمت... وانا اتذكر بصمت... وأسال "هل ودعتني؟".. وأقول "نعم.. ولكنك ودعتني قبل استشهادك بثلاثة أيام"، لازالت عباراتك الأخيرة على هاتفي النقال، اقرؤها باستمرار: "هنا عرفت بأنّ الجهاد رحمةٌ لنا، خصّ الله به أحباءه وأولياءه.. حشرنا الله مع المجاهدين الخلَّص... بحبك... العاشقين لله... المسارعين الى لقائه"... أقرأ جملك الأخيرة.. وأكرر كل كلمة مرات لأذوق حلاوة كلمة "بحبك". عبر كلماتك الأخيرة.. كنت تودعني.. وانا لم أفهم حينها.
كانت دموعي تجري على القبر... وفاطمه تمسح دموعي بيديها الصغيرتين.... قبلت يدها الصغيرة... وذهبت تتابع اللعب... وانا اتذكر ذلك اليوم... عندما سمعت خبر رحيلك.. كان كأي يومٍ آخر... مثل كل صباح... كنت اريد الذهاب الى العمل... وكنت أنتظرك، فقد وعدتني أن تأتي يوم الاربعاء ... صباح ذلك اليوم، كان عليّ أن أوصل فاطمة الى الحضانة وزينب الى بيت اهلي... أوصلت فاطمة، ولكنها بدأت تصرخ على غير عادتها "أريد البابا"... وانا، كنت أعرف أنكٍ ستأتي بعد ساعات... كما وعدتني... فقبلتها وقلت :" سيأتي بابا"... مكثت قليلًا معها ثمّ خرجت رغم استمرارها بالصراخ... وكنت أقول في نفسي:" سيأتي أبوك، وأشكو له كل ما أتعبني.. سيأتي وينتهي كل هذا الألم.." ولكن زينب أيضًا بدأت بالبكاء حين أوصلتها إلى منزل والديّ.. وانا... لم يهدأ قلبي... شعرت بالقلق من بكاء زينب وفاطمة... كان القلق يعتريني طوال فترة غيابك. وهذه المرة لم يهدأ قلبي - فيما بعد عرفت أنه في هذه الأثناء كانت روحك قد عادت مطمئنةً إلى بارئها-
دعني أكمل لك ما جرى معي: وصلت الى عملي.. وأنا أمنّي النفس بلقياك.. كنت أزرع المكان ذهابًا وإيابًا.. أنتطرك بفارغ الصبر.. مضت حوالي الساعتين وأنا أراقب هاتفي لتتصل بي وتبشرني بقدومك.. ولكنّ تسجيلًا صوتيًا وصل من أمي... أظن أنها أخطات في إرسالها من شده توترها... كانت تصرخ باكيةً "علي راح... يا زهراء ... علي راح" علي راح؟؟ من علي؟ عن أيّ عليٍ تتحدث؟؟ ماذا تقول؟ وجدت نفسي انتفض من مكاني مرتعدة.. خرجت من غرفتي.. وجدت صديقاتي قد اجتمعن خارجًا.. كنّ قد عرفن قبلي ولم يخبرنني حتى يقمنَ بكل الترتيبات اللازمة.. لم أقل إلا كلمة واحدة.. هاتفي بيدي.. نظرت إلى إحداهن وقع نظري بنظرها: "علي" دخلت غرفتي، دون أيّ كلام... اسمع صوت البكاء خلفي. لم تحملني قدماي.. جثوت على الارض.. ماذا قلت؟؟؟... قلت وأنا أبكي: "كسرت ظهري يا علي".. تلقتني صديقتي.. وأنا رحت أخاطبك.. كيف رحلت يا علي.. لقد وعدت فاطمة بعودتك.. فاطمة بانتظارك.. يا علي.. وانا! كنت أعد الساعات والدقائق.. لعودتك.. كنت بحاجة لأحضنك وأبكي.. لقد تعبت كثيرًا بغيبتك هذه.. رحت أخاطبك.. وأخاطبك.. لحظاتٌ كانت تمر كأنها الدهر بطوله.. في خضم هذه المشاعر.. استيقظ شيءٌ ما في داخلي.. هل هذه انا؟؟ كيف سقطتُ على الارض من خبر شهادتك، ونحن كنا نتوقع هذا الخبر منذ سنوات؟ كان صوتٌ في داخلي يقول لي "قومي.... اجمعي قواك.. الدرب طويل... ويحتاج لوقوفك".. تدثرت بعباءتي مجددًا.. وكنت اضعها على راسي.. شعرت في هذه اللحظة بعظمة هذه العباءة بشدة حاجتي لسترها.. قمت.. ولكنّ وقوفي لم يكن عاديًا هذه المرة.. كنت اقف على أول طريقٍ جديد.. ناديت من قلبي.. " يا زهراء" وسجدت شاكرة.. وضربت الأرض بكلتا يدي.. اطلب بشدة ان يعينني ربي على المصاب..
سمعت من اصدقائك انك اصبت في قدمك.. سمعت أنك حين أصبت بالطلق الناري حملت الجهاز وقلت جملةً واحدة "انا أصبت.. فإن تمكن أحد أن يأتي لإسعافي كان خيرًا".. سمعت أنه بعد خمس دقائق كان المسعف الى جانبك. حاول إيقاف النزيف، لكنه لم يتمكن.. اتذكر.. اللحظة التي رأيتك في براد الموتى... لم احتمل أن ألمسك وأشعر ببرودة جسدك.... أبكي من جديد.... ودمعتي تسقط على يد فاطمة، فتمسحها.. كنت انظر إلى عيني فاطمة... أحيانًا تسألني عن قصرنا الزهري... نعم انا أخبرتها.. كنت اعرف أنها تفهم.. وتشعر... كان عليّ أن اخبرها بما حدث.. فهي عندي أهم من أي شخصٍ آخر... حضنتها قبل أن يعجّ البيت بالناس، وقلت لها "اتذكرين حين كان بابا يقول لك إنّ صديقه استشهد وذهب الى الجنة؟"، قالت: "نعم"... قلت لها: "بابا الآن أصبح من الشهداء... وهناك يبني لنا قصرًا كبيرًا".... قالت "أريد لأن يكون قصرنا زهريًا"... بدأت بالبكاء... وهي كانت تبتسم.... قبلتها وحضنتها.... شممت عطرك... فاطمة... هي مثلك تمامًا...
أريد العودة الى البيت... اشعر أنّ فاطمة أيضًا تعبت... والآن جلست على رجلي... تذكرت كل شيء من جديد... ودموعي انهمرت.... تذكرتك... كغارق في أمواج الذكريات.... ليس من اجل تلك القصة... تذكرتك لأنني لن انساك أبدًا.. سأعيش على نبض ذكرياتنا.. سأرسم حياتي بجمال روحك وطهرها
أشاهد سباق الدقائق على الجدار... الساعة 2 تمامًا... أفتح النافذة... كل المدينة غارقة بالصمت.... لأول مرة أكتب قصة شهيدٍ في الظلام.. وكنت أبكي... تذكرت كل حياتهما من جديد.. شاهدت الورقة التي علّقتها فوق رأسي... وكتبت عليها بكل غيظٍ وغضب "الرجال لا يفهمون معنى الحب"... أخذت الورقة من على الجدار.... وكتبت عليها.... "الرجال الحقيقيون.... يفهمون معنى الحب".
نقلا عن "بيروت برس"