تسونامي الخليل
غزة- رايـة:
الحديث عن تسونامي غزة اعتمد على خبر اسرائيلي ثانوي، وسار في الاعلام الفلسطيني ضمن مسارات التهويل والفزع، دون الاعتماد على العلم والموضوعية، واعتمد على الإثارة فقط، عموما حتى لو حدث تسونامي فهو حكم الله والطبيعة يحتاج لتمحيص ودراسة من العلماء وجهات الاختصاص فقط ، وغزة يكفيها ما فيها.
التسونامي الحقيقي حاصل لدرجة اننا "والفناه" من الألفة، وأصبحنا ندافع عنه ومستفيدين منه، التسونامي المدمر الذي اجتاحنا شعبا وقضية منذ سنوات ولازال هو تسونامي الانقسام، لكننا تعودنا عليه رغم أننا لو حصرنا وجمعنا خسائره لوجدناه أكبر من أي تسونامي حدث، ونتائجه قتلت ودمرت ولا زالت.
التسونامي المخيف الذي يتأهب لتدمير شعبنا، وأرسل اشارات واضحة وحقيقية هو ما تلى حادثة استشهاد الشاب عبد الفتاح الشريف في تل الرميدة بالخليل، شاب مصاب ومحاط بجنود مفروض أنهم مدربون، ثم يقوم جندي التقط انفاسه جيدا وفكر ودبر وتصرف عن عمد بإعدام الشهيد المصاب، وحتى هنا يمكننا اعتبار الحادث فردي لجندي "مجنون" أو "متطرف"، مع اننا بحكم التجربة نعلم أن كل الجنود الاسرائيليين قتلة بمقدار جبنهم وخوفهم، وكما قال قائد أركانهم أنه لا يفهم افراغ جندي ذخيرته في جسد شاب أو فتى أو طفلة فلسطينية تحمل اداة حادة أمام جندي مدجج بالسلاح.
تسونامي التطرف الاسرائيلي يكبر يوما بعد يوم، ليس على نطاق حكومة ارهابية دافعت عن الجندي القاتل بشراسة، رغم أن تصرفه يمس بقيم العسكرية المتعارف عليها عالميا، وعلى الأقل يجب ان يحاكم عسكريا في نطاقها البحت، لكن حكومة الاحتلال أقرت الجريمة لتمنح الضوء الأخضر لكل جندي ليفعل ما فعل قاتل الشهيد الشريف، بمعنى أننا سنكون أمام حوادث قادمة كثيرة من هذا النوع.
الأخطر أن المجتمع الاسرائيلي صوت بأغلبية –حسب استطلاع اسرائيلي- لصالح الجندي مقرا بفعله وداعما له ولثقافة القتل الجبانة، في رسالة لا تحتاج ترجمة أو قراءة مفادها أن المجتمع الاسرائيلي مجتمع إرهابي قاتل غاب صوت العاقلين فيه، ولا أدل على ذلك من تلاشي أحزب اليسار بما عليها وما لها، والهجمات الرسمية على تقارير المؤسسات الحقوقية الاسرائيلية، وحملات الترهيب ضد نواب الكنيست العرب من فلسطيني الداخل، كلها مؤشرات تقول أن المجتمع الاسرائيلي بلغ حد التخمة من ثقافة الارهاب والقتل في التعامل مع الفلسطيني وفق الفتوى الدينية التلموذية التي تجاوزت داعش في محتوها الدموي.
حادثة الجندي القاتل ورأس الشهيد الشريف المتفجر برصاصة عن قرب، والتأييد الحكومي والشعبي للفعل اللاإنساني يبرهن أن تسونامي التطرف أصبح جارفا لدى جيش الاحتلال والحكومة والمستوطنين وغالبية المجتمع الاسرائيلي، وأن العنف مع الفلسطينيين أصبح منهجا راسخ، يعد بمزيد من القتل والتهجير والطرد، وأن شهية حكومة الاحتلال لقرارات مخيفة تزداد يوما بعد يوما وهي تعبر عن توجه شعبي اسرائيلي يطفح بسمات العنف والاقصاء، ويشرح ذلك تجربة حرب غزة الأخيرة واسقاط الأبراج وتدمير عشرات ألاف المنازل، وحصار مليوني انسان وتشريع ذلك بقوانين حربية وعنصرية تحضرنا لما هو أشد وأخطر في الاعتداءات القادمة.
لقد أصبحت حكومة وجيش وشعب الاحتلال تسونامي حقيقي مرعب يتوعد بالموت والتدمير والهلاك للوجود الفلسطيني برمته، تهديد يعلن أنه لا يخشى العدالة الدولية ولا حسابات الاقليم المحترق ذاتيا، حكومة تنظر الى مجلس الأمن على أنه مجلس لا يمكنه محاسبة اسرائيل التي وضعتها أمريكا في درجة المقدس، لذلك على القيادة الفلسطينية التحضير لتسونامي قادم أعلن عن نفسه في جريمة الخليل بكل وضوح.