زمن إعادة الإنتشار
في هذااليوم التاريخي من تموز عام 1994 كنت في الصف السابع ، شاركت حشود المستقبلين على معبر رفح دخول الزعيم ياسر عرفات كان المشهد مازال غير مألوف ، جيش فلسطيني موسوم على صدره ، علم فلسطين شيئاً لم يكن معتاداً ، حيث هيئة العسكر الإسرائيلي المخيف لم تغادرنا ، لم يكن الحشد الشعبي لإستقبال جيش السلطة الفلسطينية بالقدر الذي كنا نتزاحم فيه على خطف لمحة بصر من الزعيم عرفات ، لم يحالفنا الحظ لسوء التدافع ، لكننا شعرنا بالنشوة في صراخ الهائجين ( أبو عمار صرح تصريح يا جبل مايهزك ريح ).
قبل دخول عرفات بأيام وكان الإتفاق قد وُقع في البيت الأبيض ، خرجنا في مسيرة مؤيدة لعرفات من مدرسة العمرية في رفح ، مر جيب إسرائيلي وكان إسمه ( أتوماتيك ) وقف ضابط الجيب ورفعنا عليها أغصان الزيون وصرنا نهتف لسلام الشجعان
وإذا بالضابط وجيشه يهتفون معنا للسلام المنشود ، فجأة لم يحتمل ضابط الجيش هتافنا لياسر عرفات وأبرحنا ظرباً مستخدماً سلك الراديو الحديدي ، ومرة أخرى عدنا إلى الصدام في رشق الحجارة وإستنشاق الغاز المسيل للدموع ، لم نكن في ذلك الحين قد أدركنا الشباب أو العلم أو المعرفة بشكل السلام أو مضمونه ، لكنها حالة جماهيرية كانت سائدة ، نحن نمثل الغالبية في جمهورها .
مر عامان ولا نزال نعيش على وقع الإتفاق ، لم يتغير شيىء ، ولم يغادرنا مشهد جيش الإحتلال وهو يقف معنا على طابور مطعم (جاسر) في تل السلطان ليشتري صحن الفول والفلافل .
في 26-9-1996 تغير المشهد تماماً مع هبة النفق ، إستشهد 65 مواطناً فلسطينياً 23 من الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية ، وقد حاصرت قوات 17 مايقارب 70 عسكرياً إسرائيليا في نابلس وسيطرت أجهزة السلطة الفلسطينية عليهم وعلى عتادهم ، واطلق سراحهم بعد تدخلات من الولايات المتحدة الأمريكية .
تغير المشهد تماماً .
أوقف ياسر عرفات هبة الأقصى ، لكنه لم يفلح في إيقاف مشاعر الفلسطينيين الغاضبين على ماتعرض له المسجد الأقصى من تهديد بفتح النفق الممتد من أسفله ما يقارب 450 متراً .
لكن الهبة التي أجهضت أثبتت بأن لدى الشعب الفلسطيني خيارات أخرى غير خيار التفاوض مع عدم الحرص على التراجع عن عملية السلام. وأكدت على سقوط الرهان الإسرائيلي بأن هناك فجوة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وجماهير الشعب الفلسطيني، فيما أفرزت الهبة توقيع بروتوكول إعادة الانتشار في منطقة الخليل بتاريخ 17/يناير/1997، والذي كسر موقف (نتنياهو) وحكومته المتعنت والرافض لإعادة أي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأكد على مبدأ "الأرض مقابل السلام
20 عاماً مضت على هبة الأقصى ، ولا يزال المشهد حاضراً
نتياهو رئيساً للحكومة ، وهبة الأقصى متواصلة ، والأقصى ما يزال متماسكاً
لكن عرفات لم يعد في المشهد ، حكومتان فلسطينيتان ، ومعارضة منهكة ، وإمتداد شعبي منزوع الإرادة .
غير أن شعار الثوابت لايزال حاضراً وقد غمرته مساحيق التجميل المتلونة
20 سنة مضت .
ومع هذا حاصرونا بالقناعة أن نهاية الهبة ستعيد لنا طموحنا في إعادة الإنتشار مرة أخرى ، فقد صرفنا النظر عن أشياء كانت من قبيل الثوابت ،من كثرة الضغط على الثوابت
عضو مجلس نقابة الصحفيين الفلسطينيين
[email protected]