من أطلق هذه الرصاصة؟
لقي شاب فلسطيني مصرعه في جنوب قطاع غزة أثر شجار عائلي نشب بين عائلتين، وقد استخدم أفراد العائلتين الأسلحة النارية في الشجار ومنها الأسلحة البدائية الصنع ما أدى إلى إصابة هذا الشاب إصابة بالغة أدت إلى وفاته على الفور، وهو في العشرين من عمره، وكان يمر في المكان بالصدفة حيث يعمل بائعاً متجولاً.
انتهت حياة هذا الشاب البسيط كما انتهت وستنتهي حيوات كثيرة لأشخاص راحوا ضحية رصاص طائش أو حتى طعنة سكين أخطأت طريقها، أو بسبب ارتطام قطعة أثاث بأحدهم أثناء شجار في مقهى مثل تلك الشجارات التي جسدتها الأفلام العربية القديمة والتي كانت تبدأ بما يعرف بــ « كرسي في الكلوب» أي إظلام المكان لإتاحة الفرصة للهرب والتربص بالهدف ولكن غالباً ما تعود الإنارة بعد أصوات الكسر والتحطيم ونكتشف نحن المشاهدين أن الضحية هو أحد الرواد الغافلين ممن جاؤوا لتزجية وقتهم على المقهى أو حتى هرباً من زحام بيوتهم والعراك مع زوجاتهم.
قبل هذه الحادثة التي كانت بسبب خلاف عائلي ولكن الصحافة استطاعت اضافة البهارات لأسباب المشكلة وربطها بجذور سياسية بالبحث عن الانتماء السياسي لكلتي العائلتين، وفي شهر تموز الماضي تحديداً توفي اللاعب المصري على بدر نتيجة لرصاصة طائشة اخترقت رأس اللاعب نتيجة لشجار وقع أمام النادي الذي يتمرن فيه حيث كان مجموعة من الأشخاص يتشاجرون على ملكية أرض وتطور الشجار إلى استخدام الأسلحة النارية ما أدى لمقتل اللاعب الذي لم يكن له في « العير ولا البعير».
إطلاق النار العشوائي سواء في الشجارات العائلية أو حتى في المناسبات السعيدة والحزينة تعبيراً عن البهجة أو الحزن يعتبر من العادات القديمة السيئة والتي تفشل الجهود الحكومية في كل بلد على حدة في السيطرة عليها ويقع ضحاياها وتنطوي صفحتهم وتستمر الظاهرة خاصة أن القضاء لا يوقع عقوبة قاسية بالجناة، وتقيد الحوادث في أغلبها ضد مجهول أو يصدر الحكم فيها تحت بند القتل الخطأ مما يجعل المواطنون أنفسهم ينظرون إلى هذه الظاهرة وهي استعراض السلاح الناري سواء في مناسبات الأفراح أو في أقل شجار أو نزاع أو عراك هو من أهون الطرق التي يعبرون فيها عن قوتهم وصدق منطقهم وقوة حجتهم، ولكنهم في الحقيقة يهدرون الأرواح البريئة ويشعلون فتنة أوسع وأكبر بفعلهم لأن الصراعات التي تكون بين عائلتين مثلاً تتشعب وتتسع لتصبح مثل خيوط العنكبوت لو دخلت فيها عائلة المجني عليه كطرف ثالث وجديد يطالب بثمن دم ابنه المهدور والذي كان مجرد عابر سبيل كما في حادثة مقتل الشاب أنور عويضة في غزة والذي كان يمر في المكان حاملاً بضاعته الزهيدة، عارضاً اياها على المارة بأمل ورجاء حتى تربص به الموت وتبعثرت حبات الترمس الصفراء على الأرض وامتزجت بدمه الأحمر النازف، وبدت صورته التي التقطتها وسائل الإعلام مؤلمة وموجعة وإن عبرت عن شيء فهي تعبر عن فوضى لا زالت تعيشها الشوارع العربية، وتؤكد الدراسات أن خطر الرصاص الطائش أكبر من داعش والنصرة بما يوقعه من ضحايا.
كانت أمي رحمها الله تحذرنا دائماً من الخروج إلى الشرفة عند وقوع أي شجار في الحي، وتطلب من أبي عدم الخروج من البيت والتدخل في الشجار ، وكان تحذيرها يشي بخبرة كبيرة وحكمة تكشفت لي على مر الأيام حيث كانت تقول: «دائماً الضربة الخاطئة تصيب من يكون في المكان الخطأ»، وهذا ما يحدث فعلاً أمام فوضى السلاح فتنتهي حياة ويموت حلم وتتوقف رحلة كفاح بسبب رصاصة مجهولة المصدر أخطأت طريقها.
صدقاً وفي سنوات مراهقتي حين قرأت قصة قصيرة لإحسان عبد القدوس بعنوان» من أطلق هذه الرصاصة» تعاطفت في البداية مع الأم التي حاولت أن تنقذ طفلها اليتيم الذي عبث بمسدس والده فانطلقت منه رصاصة أصابت راكب دراجة عجوزا في الشارع، وفكرت بعد سنوات أن تعاطفي لم يكن أبدا في محله، وأن التعاطف مع من أطلق رصاصة طائشة قد أوقع المزيد من الضحايا وأننا كنا مشتركين في الجريمة مع هذه الأم والسائق الذي اتهم بدهسه للعجوز حيث تكتم على جريمة طفلها غير المقصودة لأنها شهدت ببراءته، ولأنه اعتقد في قرارة نفسه ألا جدوى من أيام باقية يحياها هذا العجوز لو لم تنهها رصاصة طائشة من مسدس عبث فيه طفل صغير.