كيف صعدت النجمات للسماء
على سطح بيتنا في مخيم جنين أهربُ من شدّة الحرّ، ليث ابن شقيقتي يسألني :"خالتو كيف طلعوا النجمات للسما " أحاول البحث عن إجابة منطقية تناسب سنواته الخمس ، النجمات ولدْن بالسماء، يتابع ليث الأسئلة :" خالتو النجمات وين أمهم ؟ أبحث عن أكبر النجمات حجماً وأشير إليها، وأبدأ بتحضير إجابة لسؤال قادم لا محالة عن القمر ، خالتو:" القمر بِقرب للنجمات ؟
لمْ أتوقع السؤال ، نعم القمر يقربُ للنجمات وهو ذاهب ليلعبَ معهنّ الآن.
يخاطبُ ليث النجمات والقمر :"إلعبوا وما تعذبوا أمكم، وما توقعوا" ويضحك.
ليث يؤكدُ القمر يقرب للنجمات والعصر يقرب للمغرب والباب يقرب للشباك، خالتو :"بدي ألعب معاهم النجمات " أجيب نحن نستطيع اللعب الآن تعال نعدّهم ، تعجبُ ليث اللعبة ويعدد النجمات أكثر من مرة ، أتركه قليلاً وأهبط الدرج ، لكنني أعود على صراخه :" خالتو القمر ركبَ غيمة وصار سريعاً ، أنظر للقمر الذي يقترب من حالة البدر وهو يحثُّ الخطى وسط غيمٍ ظهرَ فجأة ، خالتو : زمان وأنا صغير كثير، حطيت الكرسي قدام المروحة وطيرتني وطلعت عند القمر ولعبت معه" أحبّ خياله المحبوك تماماً، والذي يبحثُ عن أجوبة لكل سؤال.
خالتو:" لماذا تنام ستّو بالمقبرة ؟ كنت قد أخبرت الأطفال ونحن نزور قبرَ أمي وأبي أن الموتى نيام ، لكنهم لا يستيقظون مثلنا كل صباح ، كان الأطفال الأربعة برفقتي يمشون بحذر بين القبور ويتجادلون في أسباب موت كلّ هؤلاء الناس، ابنة شقيقي سلسبيل الأكبر سناً (ثماني سنوات ) كانت تشيرُ للقبور الصغيرة وتخبرهم أنها لأطفال صغار، نور كان متعجباً جداً من موت الأطفال ويسألها إذا كان الجيش قد أطلقَ عليهم الرصاص، سلسبيل كانت تحكي لهم عن قبرٍ لطفل الجيران والذي ماتَ حالما ولد ، انشغل الأطفال بالبحث عن قبر الطفل ، كانوا يقرأون بصوتٍ مسموع الأسماء على شواهد القبور ويتصارخون كلما داسوا بالخطأ قبراً غير مكتمل البناء، أراقب واستمع لحوارهم عن الموت، نور أشدهم فضولاً وسؤالاً، وليث أكثرهم شفقة يلمسُ شواهد القبر كما نفعل نحن الكبار ويترحمُ على الموتى ، بينما تخبرهم سلمى عن ضرورة وضع الزهور على قبر جدتها، يُغرق الأطفال القبور بالماء كما يفعلون مع أصص الزهور في منزلنا، لا تبدو المقبرة مخيفة لهم ربما بسبب الإعتياد وتكرار الزيارة معنا، ولست متيقنة تماماً من صواب اصطحاب الأطفال للمقبرة، ولكن كلّ مرة أدرك أن الموت كالحياة بحاجة لإعتياد.
بشكل أو بآخر يرون بها مكاناً سرّياً وغامضاً، صخبهم وواقعيتهم الغريبة بتجاوز الموت كأنه لعبة يُعجبني، تعاملهم مع فكرة الرحيل ببساطة رغم غرابتها بالنسبة لهم ، يتعجبون من أن حاوية النفايات جانب المقبرة،اتنبه لذلك، يا إلهي كم نتصرفُ بجفاء تجاه من رحلوا، الصغار يكشفون عيوبنا لكنهم يصنعون الإختلاف : الإنشغال التام بالملعب الفارغ المقابل للمقبرة والحياة التي فجروها فرحاً وجريّاً بعد دقائق، أسئلة جديدة توالدت على باب الملعب :" هل سيأتي العيد غداً أيضاً ؟
تثيرني أسئلة الصغار، تنفض عني الملل والخمول ، تستفزني للبحث عن أجوبة ، لكن هل حقّاً ينام الموتى ؟ وكيف صعدت النجمات للسماء ؟