أكبر مخزون استخباراتي عن متطرفي المنطقة.. إسرائيلي
تحاول اسرائيل استثمار احتكارها للمعلومة بهدف فرض نفسها في المنطقة (تويتر)
تفاخر إسرائيل وعلى لسان مسؤوليها السياسيين والعسكريين منذ عامين بامتلاكها المقدرة على الحصول على معلومات نوعية، وسرية، تتعلق بتنظيم "الدولة الإسلامية"، سواء على مستوى قياداته أو أمكنة انتشار مسلحيه أو الكشف الإستباقي عن عمليات كان قد نوى تنفيذها في دول إقليمية أو عالمية، إلى حد جعل "المعلومة الإسرائيلية" سبباً في إحباط هجمات في عواصم عربية، بحسب ما قال مسؤول عسكري إسرائيلي في لقاء مُغلق مع صحافيين متخصصين في الشأن العسكري.
والمعروف، أن إسرائيل تزود التحالف الدولي ضد "داعش" بمعلومات استخباراتية عن التنظيم، وكان أكثر من مسؤول إسرائيلي قد أعلن عن ذلك، وأبرزهم رئيس شعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي اللواء نيتسان ألون، والقائم بأعمال وزير الخارجية الإسرائيلي دوري غولد، الذي نقلت عنه صحيفة "فاينانشيال تايمز"، مؤخراً، قوله إن "الدول العربية ترى الشرق الأوسط من نفس المنظور مثل إسرائيل، كما أن تل أبيب تقدم خبرتها للدول الأوروبية في التصدي لهجمات تنظيم داعش في أوروبا، بينما تقوم بتطبيع علاقاتها مع بعض دول المنطقة".
ولعل التساؤل يتعاظم لدى الرأي العام العربي، وحتى الإسرائيلي، حول حقيقة امتلاك إسرائيل المعلومات الأكبر عن الجماعات "الجهادية" في سيناء وسوريا والعراق، لدرجة أنها زودت مخابرات دول المنطقة والعالم بها. ثم لماذا تتفوق على غيرها أصلاً على هذا الصعيد؟ وهذه التساؤلات ينكب صحافيون إسرائيليون على طرحها في كل مناسبة ولقاء يجمعهم بمسؤول عسكري، فيما الأخير يكتفي بالتلميح و "الاستعراض"، بحجة أن الحديث أكثر عن ذلك يضر بالعلاقة و"التعاون الأمني والاستخباراتي" مع تلك الدول.
بحسب مصادر متطابقة، فإن إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، وقبل الربيع العربي بسنوات قليلة، عكفت على تطوير وبناء أجهزة استخباراتية مهمتها تغطية المناطق البعيدة عن حدودها، الأمر الذي جعلها "مُستعدة" استخباراتياً للمتغيرات المُفاجئة التي حصلت لاحقاً أكثر من غيرها في الإقليم، بل وأكثر من دول عُظمى مثل حليفتها الولايات المتحدة، إلى حد دفع المحلل العسكري الإسرائيلي ايال عاليما إلى القول إن هذه المعلومات بمثابة "ثروة، ليس فقط لإسرائيل لتلافي التهديدات التي تواجهها، وإنما للمنطقة بأكملها".
وفي خضم التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط اعتمدت تل أبيب على إستراتيجية "أمنية" تتيح لها التدخل الإستخباراتي، ولكن من دون أن "تتورط" بشكل مباشر بالميدان، بينما كان دورها جلياً وراء الكواليس لتزود "اللاعبين" في المنطقة بالمعلومات التي تُوجه الميدان، وفقاً لعاليما.
المستجدات الإقليمية الأخيرة أصبحت عاملاً مهما من الناحية الاستخباراتية، وبناء على ذلك تشكّل نوعٌ من العلاقات الجديدة بين إسرائيل وحليفها التقليدي الولايات المتحدة، وأيضاً مع دول عربية لم تكن بالأمس القريب على أدنى علاقة معها. وفي هذا السياق، تباهى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نيتنياهو في كلمته أمام الأمم المتحدة بالعلاقات المميزة بين إسرائيل ودول لا تقيم معها علاقات دبلوماسية، وألمح إلى طبيعة هذه العلاقات التي تدخل في إطار "المصالح الأمنية والعسكرية الإستراتيجية".
أحد الصحافيين الإسرائيليين كان قد سأل ضابطاً عسكرياً إسرائيلياً عن عدد المرات التي زودت بها إسرائيل دولاً عربية بمعلومات ساهمت في إحباط عمليات كانت تستهدفها، فأجاب "مرات عديدة كان للمعلومات الإسرائيلية الدور المهم والمركزي في إحباطها".
إسرائيل تستغل هذه الظروف التي وصفها قادتها العسكريون والسياسيون بـ"الجيدة"، بناء على قدرتها الاستخباراتية، من أجل تحقيق انطلاقة سياسية وتوسيع علاقاتها بالدول العربية وتطبيعها.
وعلى ما يبدو، فإن السنوات الطويلة من الاستعداد الإسرائيلي بناء على النظرية الأمنية المعتادة "الوقاية الإستباقية" بذريعة أنها مهددة بشكل دائم، جعلت أجهزتها الأمنية متمكّنة من هذا التقدم الاستخباراتي، إذ إنها استبقت حلفاءها وخصومها في تطوير شبكات تجسس عبر الأقمار الاصطناعية وشبكة الإنترنت، إضافة إلى "العامل البشري" عبر زرع "عملاء مزدوجين" في الجماعات الجهادية، بينها "داعش"، حتى قبل أن تتضح معالم التهديد الذي تُمثله.
لاشك أن العمل الاستخباراتي القائم على العملاء والاختراقات في الوقت الراهن لا يزال عاملاً مركزياً، لكن التكنولوجيا التي توظفها الاستخبارات الإسرائيلية كانت حاسمة، فقدرة تجنيد العملاء ضئيلة، خاصة في الأماكن البعيدة عن الدولة العبرية في ظل المخاوف من اكتشاف أمرهم وقتلهم على يد "داعش"، كما فعل التنظيم عندما أعدم الشاب سعيد إسماعيل مسلم (19 عاماً) من القدس، بزعم أنه كان عميلاً للموساد "الإسرائيلي"، غير أنّ الاعتماد الأكبر على الوسائل الالكترونية وتطويرها مكّنها من الحصول على المعلومات.
وبالنظر إلى ما تشكله التكنولوجيا من أهمية لدى الاستخبارات الإسرائيلية، فإنها قد تكون موجودة ومتوفرة لدى استخبارات دول عظمى وكذلك إقليمية، ولكن طريقة استخدامها تكون مختلفة وقد تحتاج إلى التجهيز والاستعداد، ولا يكفي وجود آلية معينة، ولكن يجب أن تعرف كيف تستفيد منها، ولهذا احتاجت إسرائيل إلى سنوات طويلة من الاستعداد وتجهيز وتطوير التكنولوجيا لديها. فالتكنولوجيات بحد ذاتها لا تميز إسرائيل وإنما الاستعداد "الملائم" لمثل هذه المعدات والتقنيات، على حد تعبير مصادر عسكرية إسرائيلية.
ومن الناحية العملية، بحسب المعلومات المتوفرة لدى أوساط صحافية إسرائيلية، فإن نشر هذه التكنولوجيا "التنصتية والرقابية" في مناطق تعتبر أكثر تهديداً لإسرائيل هي المهمة التي تحتاج إلى جهد دقيق، كما أن في العمل الإستخباراتي الراهن وسائل متعددة توفر الصورة المرئية والصوتية قبل تكوين المعلومة الأقرب في الواقع، وبالتالي الاعتماد على الوسائل التكنولوجية لجمع المعلومات والتفاصيل وترتيب الصورة.
إذاً، ثلاثة عوامل رئيسة جعلت إسرائيل في مرحلة متقدمة من ناحية "الأمن المعلوماتي": بدءاً من التكنولوجيا وتطويرها إلى جانب الأقمار الاصطناعية، مروراً في ابتداع طرق توظيفها وترتيب المعلومات والصور والأصوات المتناثرة لتكوين الواقع، وانتهاء بزرع شبكات تجسس بشرية في "داعش" وجماعات سلفية أخرى في المنطقة.
وتحاول اسرائيل استثمار احتكارها للمعلومة بهدف فرض نفسها في المنطقة، وتحسين وضعها السياسي من خلال الوصول إلى حالة سياسية مُريحة لها عبر توسيع علاقاتها بدول عربية، من خلال الترويج "بأن الأمن القومي العربي مرتبط بأمنها".
وكان الجيش المصري قد تمكن من استهداف قيادات عديدة من المتشددين الذين أقاموا ما يعرف باسم "ولاية سيناء"، بناء على المعلومات الإسرائيلية المعتمدة على عملاء من التنظيم، ليتم تصفية بضعهم لاحقاً بعد اكتشاف أمرهم، كما يؤكد ذلك خبراء في الجماعات الإسلامية.
واكتشفت "داعش" العديد من شبكات التجسس الإسرائيلية في مصر وسوريا، وقامت بإعدام عدد من عناصرها بزعم ارتباطهم بالمخابرات الإسرائيلية، في وقت أفادت مصادر صحافية إسرائيلية أن أجهزة أمن الاحتلال قامت بعقد صفقات مع عدد من فلسطينيي 48، اعتقلتهم بذريعة مناصرتهم وتعاونهم مع "داعش"، حيث أطلقت سراح بعضهم مقابل موافقتهم على العمل لصالحها، مع العلم أن عدد فلسطينيي الخط الأخضر الذين ذهبوا إلى سوريا والعراق للقتال مع داعش تجاوز ال 60 شخصاً، بالإضافة إلى بضع عشرات من فلسطيني الضفة الغربية والقدس وغزة.