فرشاة أسنان هتلر

2016-11-10 09:50:00

 

لم تفتأ أمي تُردّد أن من العيب على البنات أن يحتسين القهوة. وجعلتها من أسرار الكون الغامضة بالنسبة لفتاة مثلي لم تبلغ العشرين، وهي تحذّرني، بتوجّس، بأن شربها قبل أن أصبح زوجةً وأماً سيكون كفيلاً بإنبات شاربٍ كثّ فوق شفتي العليا، وظل هذا الهاجس يرعبني، وإن ألح عليّ فضول القطّ، حتى جرّبت أن أغمس سبابتي في بقايا البُنّ المكومة في قعر فنجان قهوة الجارة التي زارت أمي، أخيراً، ثم ألعقه بطرف لساني، ولكنّي قضيت ليلةً مؤرقةً، وأنا أتحسّس شفتي العليا، خوفاً من أن ينبت لي الشارب الذي يشبه شارب أبي، والذي كان يعتز به، ويهذبه كل صباح بمقص صغير، يحتفظ به في مكان آمن، لكي لا نقصّ به الورق أو القماش، وقد اعتراني الخوف، طوال الليل، من اكتشاف أمي جريمتي، ومن التصاق الشارب فوق شفتي طوال العمر، وأغلقت أذني بكفّي، وأنا أتخيّل أصوات الفتية في الحي، وهم ينعتونني بلقب جديد، "أم الشارب"، حتى انبلج الصبح، وهرعت إلى المرآة، وتأكدت أن الأمر خرافة، ليس من ورائها حكمة أو هدف. وحين بُحت لأبي بما حدث، ضحك وقهقه واهتزّ شاربه الذي أحب فوق صفحة وجهه، وقبّلني واحتضنني، وكان مذاق قبلته لا يُنسى، لأنها بطعم شارب الرجل الأول في حياتي الذي تعلقت به، وتمنيتُ، كما كل الفتيات، أن يكون فارس أحلامي مثله.

في شهر نوفمبر، تتجدّد الحملة التي تدعو إلى التوقّف عن حلق الشوارب في العالم، وهي حملة بدأت في القرن التاسع عشر، حيث كان من الضروري لمن يصوّت للانتخابات أن يتم عامه الحادي والعشرين. ولم تكن في ذلك الوقت وسيلة للتحقّق من بلوغ المقترعين، سوى إطالة شواربهم ولحاهم، للدلالة على تحوّلهم من مراهقين إلى راشدين فاعلين في مجتمعاتهم، فكانوا يعتنون بذلك أيما عناية، من أجل الحصول على حقهم في التصويت.

يُعدّ الشارب أبرز العلامات التي تفرّق بين الرجل والمرأة، وقد اعتنى الرجال بشواربهم منذ القدم، وكانوا يحلفون به، ويعتزّون بطوله، وبأنه "يقف فوقه الصقر"، دلالة على رجولتهم وفحولتهم وقوّتهم ومهابتهم بين القوم، وكان الرجل الذي يحلق شاربه مع لحيته يُعيّر بأنه مثل "الحريم"، حتى إن أحد الصعايدة المهاجرين إلى أوروبا اعترف بأنه لا يعود إلى قريته في الإجازة، إلا بعد أن يطيل شاربه، مثلما كان قبل خروجه من قريته، وإلا سوف يُطعن برجولته، وربما يُطرد من مجالس الرجال، لكنه لم يكن قطعاً يمتلك شارباً هزّ صاحبه العالم مثل شارب هتلر، والذي يطلق عليه فرشاة الأسنان، وقد اضطر هتلر لقصّه بهذا الشكل، لكي يستطيع وضع الكمّامة الواقية من الغاز في أثناء الحرب، وردّ على أصدقائه المندهشين من شكله الجديد بقوله: "لا أهتمّ، لكنه بعد ذلك سيُعرف بي"، وقد تحقّقت نبوءته.

لم أتوقّف عن الضحك، كلما أعيد عرض فيلم "30 يوم في السجن"، واكتشفت أن أسباباً سخيفة لدى العرب لاندلاع الحروب، مثل حرب البسوس التي اشتعلت أربعين عاماً بسبب ناقة، أما في الفيلم الذي يعرض منذ نصف قرن، هناك حرب تُشنّ من قبيلة يحمل أفرادها السلاح في أيديهم، وعقول العصافير في أدمغتهم، ضد شخص واحد لأنه أحرق "فردة شنب" ابن زعيمهم من دون قصد، ولم تتوقف ضحكاتنا بسبب تفاهة حكم المحكمة، بحبس الجاني ثلاثين يوماً، بعد مرافعةٍ هزليةٍ من محاميه.

لم أنسَ طعم قبلة أبي الوحيدة، ربما لأن الآباء كانوا يعتبرون تقبيل البنات نوعاً من الإفساد لهن، كما أنني ما زلت أتساءل عن العلاقة بين إعجاب الرجال بامرأة جميلة ومداعبتهم شواربهم بأطراف أصابعهم وهزّهم حواجبهم، على الرغم من أنه ليس للشارب الكثّ والمنمّق علاقة من قريب، ولا بعيد، بفحولة الرجل ولا شهامته، فغالباً ما تصوّر السينما العربية الرجل المفتول الشارب بأنه رجل بصّاص، أو رجل عصابات مأجور (!).