في ذكرى انتفاضة الحجارة
كان الزمان انتفاضة، وكانت قوافل الناس تخرج لتعلن التمرد والعصيان رفضاً قاطعاً للاحتلال الذي حاول أن يجسد مخططاته الرامية الى طمس الهوية الوطنية وشطب كل ما هو فلسطيني عبر أفكار عنصرية، وممارسات كان يحاول أن يطبقها في الارض المحتلة معتقداً بأنه يستطيع ذلك، فما كان من الشعب الفلسطيني إلا أن خرج مثل بركان هادر، وملأ الشوارع وانتفض في وجه الاحتلال مسطراً شكلاً جديداً من اشكال النضال ومقدماً درساً لم يكن العالم في حينه قد عرف مثل هذه الانتفاضة التي كان صوتها يعلو ويعلو معها صوت الشعب الرافض للاحتلال وسياساته.
الانتفاضة التي انخرط فيها كل الشعب بكل أطيافه وفئاته وتجمعاته، وبكل الوانه الحزبية والسياسية والدينية والفكرية والعلمية والعشائرية والأهلية، وبكل توجهاته وأحزابه وتنظيماته، وهذا ما كان في انتفاضة الحجارة التي صنعتها بطولات شعب الارض المحتلة وتضحياته التي قدمها على طريق الحرية والاستقلال، فكانت جمرة الانتفاضة مشتعلة. واستطاعت ان تسجل ديمومتها لسنوات رغم قساوة الاجراءات والقرارات التي اتخذتها حكومة الاحتلال آنذاك لكبح جماح الشعب الذي رفض الخضوع والخنوع واستبسل في مواجهة الغطرسة والعنصرية والاحتلال، وواجه ببسالة وتحدى كل العقوبات التي فرضت وانتصر لصوته، صوت الضمير الحر الذي رافق هذه الانتفاضة بقوة الحق، فكانت نموذجاً وضاءً ساطعاً يعطي دروساً في وحدة الشعب وتلاحم المجتمع وتماسكه واندفاعه نحو المواجهة، الأمر الذي اعطى الانتفاضة قوة حقيقية ومنحها الدعم الكافي لتكون قوية وصلبة ومشتعلة، وقد استطاع الشعب الفلسطيني بحنكته الحفاظ عليها لسنوات لم يكل فيها ولم يمل، بل كانت تتصاعد حدة شرارتها يوماً وراء يوم.
ومع كل بيان كان يصدر، كانت الجماهير تندفع اكثر بحماسة شعب يريد الحرية والاستقلال ويسعى للخلاص من الاحتلال الذي حاول بكل جهد أن ينال من هذه الانتفاضة النموذج والتي سجلت بطولاتها على صفحات التاريخ، ومجدتها كل الشعوب التي رأت في انتفاضة الحجارة نموذجاً طاهراً ورافعاً لحركات التحرر في العالم، واحتذت بها الشعوب وصارت منارة من منارات شعب لا زال يبحث عن الحرية والاستقلال.
تمر ذكرى الانتفاضة، في مرحلة لا زال فيها شعبنا ينشد الحرية ويتطلع لتحقيق السيادة فوق ارضه ووطنه وصولاً الى الاستقلال الكامل، وبعد أن فشلت العملية السلمية أو افشلت في تحقيق ذلك الحلم عبر مؤتمرات السلام والتسوية ومبادرات التفاوض التي لم تصل الى نتائج بفعل التنكر الدائم والرفض المطلق من قبل حكومات الاحتلال المتعاقبة، وبعد أن فقد الناس ايمانهم بعملية السلام برمتها بعد أن مضى عليها هذا الوقت الطويل من الزمن دون تحقيق أي نتائج ملموسه، وسط الانحياز الدولي الذي يسكت امام ممارسات الاحتلال العنصرية ولا يدفع جدياً نحو الزام اسرائيل بقرارات الشرعية الدولية القائمة عليها فكرة السلام العادل والشامل.
إن المطلوب هذه الايام هو استلهام الدروس من تلك الانتفاضة المجيدة ومن روحها ما يدفع بالشعب من جديد لينهض بكل فئاته وأطيافه وان لا تبقى الصورة على حالها الذي لا يحقق التطلعات ولا يأتي بحقوق بحجم وطن، خاصة في ظل ما يعصف بالمنطقة والعالم، ووسط تنامي صوت اليمين داخل اسرائيل، الذي يصر على فرض المزيد من سياساته العنصرية والاستيطان والتهويد رافضاً الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، وهذا ما يضع الحركة الوطنية برمتها على المحك، وهي صاحبة القرار، ذلك القرار الذي يعيد للقضية الفلسطينية مكانتها، ويضعها على سلم اولويات العالم الذي بدأ يتنكر لها في السنوات الاخيرة ويتجاهل حضورها.
ولهذا فإن الحالة الفلسطينية تحتاج الى افكار خلاقة ومبدعة قائمة على اساس اعادة اللحمة والتماسك الوطني والتعاضد، والتكاتف في الرؤى والمنطلقات حتى نؤسس لأرضية جامعة وموحدة لا انفصام فيها او انفصال، لتكون النواة الصلبة والمتينة التي يقوم عليها أي فعل جماهيري في المستقبل.
ان انتفاضة الحجارة التي مرت ذكراها هذه الأيام، كانت صورة مشرقة تداخل فيها العام مع الخاص وأصبح الناس جميعهم منخرطون في ذلك الفعل الوطني الذي افتداه شعبنا بكل ما أوتي من قوة ومن صبر وامكانيات وامتلك عنفوان التحدي، وكانت الانتفاضة تجمع الكل الفلسطيني على قاعدة الوطن الواحد والشعب الواحد والهدف الواحد وهذا ما اعطاها زخماً حقيقياً استطاعت ان تحافظ عليه وأن تحفظه، فعلا صوت الوطن والقضية والنشيد ورفرف العلم، ولم يكن بها أي مصلحة ذاتية او شخصية او حزبية، بل انها تدافعت نحو هدف كبير، رسمت معالمه قوافل الشهداء والأسرى والجرحى وعذابات شعب قهرته ظروف الخيبة والنكبة والاحتلال، فخرج الى ساحات الفعل الحقيقي وتضافرت الجهود والهمم لتحقيق غاياته التي ينشدها من حرية واستقلال.
الانتفاضة الفلسطينية، انتفاضة الحجارة التي تمر ذكراها هذه الايام نحن في أمس الحاجة الى استلهام روح التعاون والوحدة والنسيج الاجتماعي والوطني الرائع الذي رُسم في تلك السنوات وعمد بالمحبة والتآخي والتسامح وجسد اروع صور التضحية والفداء، وكان يشكل نموذجاً واعياً ومثقفاً وخلاقاً ومبدعاً، وهذا ما نحتاجه هذه الأيام، وهذا ما نتطلع اليه، فهل تستطيع فصائل العمل الفلسطيني تأصيل هذه القيم ثانية بدلاً من حالة الانقسام الحاصل وهذا التردي الذي يهدد المجتمع بتنامي روح الفرقة؟