معالجة الانقسام بالانفصال!
آخر ما كانت تحتاجه القضية الفلسطينية في الوقت الذي بُعثت فيه من جديد في الهزيع الاخير من العام المنصرم، بتصويت أربع عشرة دولة وامتناع الولايات المتحدة لاول مرة منذ سبعة وثلاثين عاما عن التصويت على قرار يدين الاستيطان وفق نص القرار التاريخي 2334، هو التقدم بعروض مجانية بتقسيم الوطن كعلاج للانقسام .
فوصفة الفدرلة التي قدمها عضو المكتب السياسي لحركة حماس د. موسى ابو مرزوق، لمعالجة الانقسام المزمن بين الضفة والقطاع، خلال لقاء تلفزيوني مع فضائية الغد، في القاهرة ، تستبطن رغبة لا تخطئها العين، بالانفصال، وهي رغبة ظلت متوارية طيلة السنوات التسع الماضية، خلف لقاءات متعثرة يقودها الرجل الذي يتقاسم مع عزام الاحمد ملف انهاء الانقسام، وتصريحات هي أقرب الى الامنيات منها الى الاجراءات الجادة على الارض، لطي تلك الصفحة السوداء في تاريخ الشعب الفلسطيني ما يعزز الاعتقاد بأن "حماس" التي ظلت تستبطن تلك الرغبة طيلة تلك السنوات، هي التي تتحمل المسؤولية عن عدم التوصل الى أي اتفاق لانهاء الانقسام.
لا نظلم حماس بهذا الاستنتاج الذي عززته تصريحات المسؤول الاول عن ملف الانقسام في الحركة فـ"الصّب تفضحه عيونه" فكيف إذا نطق بها لسانه، فقرار انهاء الانقسام يعود بالدرجة الاولى الى حركة حماس، فمن بدأ الحرب ينهيها، فهي الحاكم الفعلي للقطاع، بعد أن بادرت لانهاء أي وجود للسلطة فيها في صيف عام 2007 وهي التي بوسعها ان تفشل، أو تنجح، أية جهود ترمي لانهاء الانقسام، ولعل ما حدث لـ"وزراءالوفاق" في أول تجربة لهم للاطلاع بمهامهم في القطاع خير دليل على ما نقول .
لا أحد يستطيع أن يعفي قائدا بمستوى ابو مرزوق من المسؤولية إزاء ما طرحه من موقف غريب وإن بدا أنه استدرج اليه وسط سياط أسئلة حرجة من مضيفه الراسخ في الاعلام نبيل درويش ، في زمن يجري فيه تقسيم دول عريقة بالبلطات والسكاكين، الى كيانات وفيديراليات طائفية وعرقية ومذهبية، لا نعتقد أن الحركة في وارد التورط في مثل تلك الخرائط ، سيما وانه لم يصدر عنها حتى الان ما يؤكد أو يدافع عن تلك التصريحات ، والتي بدت مفاجئة وخارجة عن النص.
فمن يعيد متابعة اللقاء التلفزيوني الذي تدحرجت فيه الفكرة على لسان د.ابو مرزوق، يدرك حجم العشوائية والارتجال، والارتباك، في إجابات الرجل المرشح لقيادة الحركة، على الاسئلة الصعبة، والتي بدا فيها مصدوما من جرأتها وهو تحت تأثير الاستفزاز من أسئلة مماثلة محرجة، تتعلق بقسم الولاء للاخوان المسلمين، وما إذا ما زالت "حماس" حتى الان تدين بالولاء والانتماء للحركة الام التي يتعرض رموزها للسجن و للمطاردة من قبل الامن المصري، حيث يقيم السيد أبو مرزوق الذي بدا في حالة شديدة من الحرج، تبدت أعراضها في إجاباته الانفعالية واسئلته الاستنكارية لمضيفه الذي حاول بالابتسامة الدفاع عن نفسه أمام تذمر ضيفه من حراجة اسئلته.
ما نتمناه أن تكون إجابات أبو مرزوق مجرد دعابة ومحاولة للسخرية (رغم انها لم تكن كذلك) من تعثر الوصول الى اتفاق ينهي الانقسام على حد قول احد المحللين السياسيين المقربين من "حماس"الذي وصف دعوة أبو مرزوق بغير الجادة، وانها إنما جاءت للسخرية من تعثر الجهود لانهاء الانقسام؛اما اذا ما تكرر التصريح او لم يتم نفيه بصورة رسمية فان المسألة تتجاوز كونها مجرد خلاف على سياسات وبرامج، الى تورط الحركة من حيث لا تدري" لا قدر الله" في تنفيذ سياسة اسرائيلية قديمة جديدة، ترمي الى فصل القطاع كليا عن الضفة، توطئة لاجراء مماثل يفصل محافظات الضفة عن بعضها البعض، ولا مانع عندها من اقامة فيديراليات مماثلة على غرار تلك التي نشأت بين الضفة والقطاع، للقضاء نهائيا على حلم الدولة الذي تدوسه الجرافات.
مطلوب من قيادة "حماس" أن تبادر الى توضيح رسمي يبدد أية شكوك إزاء ما ورد من تصريحات بهذا الشأن واعتبارها زلة لسان، وجل من لا يزل، أو انها مجرد تصريحات ساخرة تهدف الى لفت الانظار لحالة الانقسام، وما سيترتب عليها من أضرار تصيب القضية بمقتل. أما الاعتصام بالصمت فإنه يفتح الباب امام المزيد من الشائعات التي من شأنها أن تعكر الاجواء الايجابية التي سادت عقب خطاب رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل امام المؤتمر العام السابع لحركة فتح في رام الله، والذي تضمن افكارا شديدة الايجابة في العلاقة بين حركتي فتح وحماس. وستسحب من رصيد الحركة المكشوف إزاء جديتها بانهاء الانقسام، فوصفة أبو مرزوق لانهاء الانقسام بالانفصال، تبدو كمن يعالج الصداع بقطع الرأس او كمن جاء ليكحلها فاعماها!
جميل ان يعترف السيد ابو مرزوق عقب عاصفة الانتقادات التي اثارتها "تصريحاته الفدرالية " بان الفكرة لم تتم مناقشتها في اي من مؤسسات الحركة، لكن الجميل اكثر ان يعتذر الرجل عن تصريحاته تلك بدل أن يتهم منتقديه بالمزايدة السياسية .