عنزة ولو طارت
من منا أيها الأحبة لا يعرف هذا المثل " عنزة ولو طارت" وقد قيل عندما يعاند شخصا متمسكا برأيه حتى ولو على غير ذي حق أو غلط. وقصة المثل أن اثنين من الأصحاب أثناء سيرهما قد شاهدا من بعيد جسما أسودا على قمة جبل فأسرع أحدهما يقول للآخر معبرا عن جمال الغراب على قمة الجبل، فأردف صديقه معقبا أنه ليس غربا بل عنزة، وعندما احتدم النقاش بينهما، قررا الصعود الى قمة الجبل الى أن بلغا القمة، فطار الغراب، فابتسم أحدهما ما أغضب الآخر صاحب مقولة ان ما شاهدوه هو عنزة، فقال باصرار وعناد " عنزة ولو طارت".
أحيانا نصطدم بالجدل البيزنطي، حيث يصر البعض على وجهة نظرهم رغم وجود البينات والشواهد العلمية التي تؤكد أنها غير صحيحة، فيرفضوا الاعتراف بأنهم أخطأوا ويمعنون في التنكر لقدرة العقل وتغييب الفكر بل والاستهتار بالآخر.
ووفقا لموسوعة "ويكبيديا" فان الجدل البيزنطي هو " نقاش لا طائل تحته، يتناقش فيه طرفان دون أن يقنع أحدهما الآخر، ودون أن يتنازل كلاهما عن وجهة نظره، مما قد يؤدي إلى اختلال في التوازن الفكري لدى أحد الطرفين، أو ربما كليهما. ويُنسب هذا الجدل إلى بيزنطة ـ عاصمة الإمبراطورية البيزنطية ـ التي عُرفت أيضًا بالقسطنطينية.
ويقولون أن هذا التعبير برز في القرن السابع الميلادي، عندما انشغل مواطنو الإمبراطورية بالجدل اللاهوتي، واحتدم الجدل العبثي حول الثالوث وطبيعة الأب والابن، وكانت هذه الجدليات تلهب الأجواء بين البيزنطيين بمختلف طبقاتهم الاجتماعية والفكرية، كما كانت تهز كنائس الشرق بأكملها، مما دفع بالإمبراطور قسطنطين الثاني ـ في محاولة لإخماد ذلك الجدل ـ إلى إصدار مرسوم إمبراطوري عام 648 م بحظر مناقشة "ما إذا كان المسيح ذا طبيعة واحدة أو طبيعتين، وأي مسائل أخرى مماثلة"، وفرض المرسوم عقوبات متنوعة على من يخالفه، وصلت إلى طرد الرهبان والقساوسة من الكنيسة، وفصل موظفي الدولة عن وظائفهم، ومصادرة الأملاك، والعقاب البدني، غير أن ذلك لم يُجدِ نفعًا، واستمر الجدل الديني في الإمبراطورية البيزنطية حتى القرن الخامس عشر.
وبلغ هذا الجدل البيزنطي عزوف الأمة عن التصدي لحصار السلطان العثماني محمد الثاني (محمد الفاتح) القسطنطينية، وبينما كان مصير الإمبراطورية بأكملها على المحك، كان مجلس شيوخ المدينة مشغولًا بمناقشة أمور فقهية ولاهوتية لا طائل تحتها، مثل جنس الملائكة (أهم من الذكور أم من الإناث)، وحجم إبليس (هل هو كبير بحيث لا يسعه أي مكان، أم صغير بحيث يمكنه العبور من ثقب إبرة)، وبينما كان الجدل محتدمًا في قاعة مجلس الشيوخ ـ رغم محاولات الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر لصرفهم عن الجدل العقيم من أجل مواجهة جيوش محمد الثاني ـ كان القتال يدور في شوارع بيزنطة بعد أن تمكن جنود محمد الثاني من اقتحام أسوارها، وأخيرًا استطاع العثمانيون احتلال المدينة، وقضى الإمبراطور نحبه على أسوارها، ولقب السلطان العثماني بالفاتح".
سأقول لكم أيها الأحبة مختصرا، لم ولن ينتهي الجدل البيزنطي في العالم، ولن تندثر مطلقا مقولة " عنزة ولو طارت".
كثيرة هي الأمثلة، نراها من حولنا بكل مكان وفي مختلف الأشكال، تاجر يؤكد لك أن البضاعة التي يروج لها المانية المنشأ مثلا بينما هي من بلد آخر رغم أن البطاقة التعريفية مذكور عليها بلد المنشأ، فيقول لك صناعة المانية لكن تجميع هذا البلد (عنزة ولو طارت)، هيئة محلية تستولي على قطعة أرض وتبيعها ثم تتقدم لمجلس الوزراء لاستملاكها تحت مسمى المنفعة العامة ( عنزة ولو طارت) ، توسعة اضافية لمبنى تسد نوافذ شقة سكنية بشكل ظاهر لعابر السبيل يحاول قسم الهندسة والهيئة المحلية اقناع عضو الهيئة المستفسر عن قانونية منح الرخصة اقناعه أن التوسعة تتم وفقا للقانون وأنه لا تتم عملية المحاسبة على النوايا ( عنزة ولو طارت)، شركة توزيع كهرباء ترفع الرسوم دون سند أو مسوغ قانوني، يبرر لك القائم بأعمال مدير سلطة الطاقة الرفع مؤكدا أنه سيتم اللجوء الى مجلس الوزراء لاقرار هذه الزيادة في الرسوم أي يسلب مجلس الوزراء صلاحياته ويرغمهم على الموافقة بأثر رجعي ( عنزة ولو طارت) ، طبيب يرتكب خطاءا طبيا يدافع هو وتنبري النقابة المنضوي تحت لواءها بالقول " العملية نجحت لكن المريض مات" ( عنزة ولو طارت). خطيب مسجد في خطبة الجمعة يقول لك أن من يتذكر الموت لا يمكن أن يقوم بتركيب صحن لاقط على سطح منزله ( عنزة ولو طارت)، مدرس يصر على أن طلابه أغبياء لأنهم لا يفهمون بينما لا يقر بعدم قدرته على ايصال المعلومة ( عنزة ولو طارت). والأمثلة لديكم أيها الأحبة أكثر فأكثر.
لم يكن صدفة أن غنى الشيخ امام أغنيته " رجعوا التلامذة يا عم حمزة للجد تاني .. يا مصر انت اللي باقية " وفي ذلك اشارة الى تحرك الطلاب ضد النظام سبعينات القرن المنصرم، عندما عمد النظام الى حرف رؤية الشباب نحو الجدل البيزنطي والمناقشة العبثية والاهتمام بصراع فريقي كرة لقدم الأهلي والزمالك التاريخي فغنى الشيخ امام مخاطبا باستهتار النظام " لا كورة نفعت ولا أونطه ولا المناقشة وجدل بيزنطة".
ان ما ينهي الجدل البيزنطى وعنزة ولو طارت وجدلية البيضة والدجاجة أيهما أسبق .. هو التركيز على العمل وإعمال الفكر والعقل. وقد لا أخفيكم قلقي من أن ذلك لن يكون سهلا مع الحرس القديم، لكن علينا أن نعمل مع الجيل الجديد من خلال الأسرة أولا والمدرسة ثانيا والمجتمع ثالثا بتعزيز ثقافة تقبل الآخر واحترام الرأي والرأي الأخر وتعزيز شجاعة الاعتذار.
أعتذر لكم لهلوستي هذه، دعونا لا ننشغل بالبيضة والدجاجة وعنزة ولو طارت والجدل البيزنطي كي لا يبتلع الاحتلال ما تبقى من أرضنا ويسلب أدمغتنا.