إسرائيل : كمّاشة المساواة.. وتقرير المصير
على الهاتف المحمول، أتلقّى رسائل غير مريحة من موقع "فتح تعبئة" المكتوب بالحروف اللاتينية، معظمها دعوات لحضور مجالس عزاء. واحدة كانت مريحة، وهي دعوة لمهرجان تضامن مع حركة احتجاج يواكب "يوم الدعم العالمي" لحقوق الشعب الفلسطيني في إسرائيل.
لم أذهب، واكتفيت بما نقلته "الأيام" عن موقع "عرب 48" عن مهرجان أقيم في المركز الجماهيري لمدينة قلنسوة.
المهرجان نظمته "لجنة المتابعة العليا" يوم 3 شباط، وكان أبرز المتحدثين فيه رئيس بلدية قلنسوة، التي هدمت إسرائيل 11 بيتاً فيها؛ ورئيس اللجنة الشعبية في قرية أم الحيران، حيث هدمت عدة بيوت فيها، وسقط بالنار المربي يعقوب موسى أبو القيعان؛ وبالطبع رئيس لجنة المتابعة، وناشطة وصحافية يهودية.
واكب المهرجان في قلنسوة، في اليوم ذاته، تظاهرة احتجاج فلسطينية يهودية في تل أبيب، تحدثت فيها أرملة يعقوب أبو القيعان.
ما ذكرته أعلاه، قد يكون تلخيصاً تقريرياً صحافياً، سوى أن ما قيل في قلنسوة وتظاهرة تل أبيب، حمل شيئاً مهماً.. وأشياء!
أولاً، وفي قلنسوة، استقال رئيس البلدية المنتخب فور هدم البيوت، لكنه تراجع عن الاستقالة تحت ضغط شعبي ومن "لجنة المتابعة"، وثانياً، في مقتل المربي أبو القيعان احتجزت إسرائيل جثمانه، واشترطت لدفنه أن لا تتعدى المشاركة أكثر من 40 شخصاً.. فكانت النتيجة أن ودّعه 40 ألف مُشيِّع.
أم الحيران قرية غير معترف بها في النقب، والهدم طاول بيت المربي يعقوب، الذي كان يعدّ رسالة دكتوراه في الرياضيات.. ستعترف بها الأكاديمية الإسرائيلية.
عبد الباسط أبو سلامة، رئيس بلدية قلنسوة، قال: نحن في موقع الدفاع عن الجماهير العربية في إسرائيل، ولسنا في معركة أو حالة "حرب" مع الدولة، والمحور الثاني والأهم في كلمته هو: نحن اخترنا قيادة الجماهير العربية في إسرائيل، وعلينا أن نقف معها، وندعمها، وأن ننهي معاتبتها وتوجيه النقد الهدّام لها، وأن نتخذ القرارات الحكيمة معها بيد واحدة".
هذا ردّه على ادّعاءات إسرائيلية، خاصة من اليمين المتطرف، بأن النواب الفلسطينيين في الكنيست، ولجنة المتابعة، وباقي الهيئات العربية المنتخبة، تنتهج موقفاً متصلباً لا يعبّر عن رأي الجمهور العربي في إسرائيل، وتهتم باستقلال فلسطين أكثر من اهتمامها بشؤون ناخبيها.
رئيس اللجنة الشعبية في أم الحيران، رائد أبو القيعان، قال إن العرب في إسرائيل "جسدٌ واحد، وشعبٌ واحد، وهَمٌّ واحد".
محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة، قال: "لم نشهد يوماً مريحاً مع هذه الدولة، منذ النكبة، والحكم العسكري (..) وكل الوقت كانت إسرائيل معادية لوجودنا ولكياننا، وهذا هو جوهر المشروع الصهيوني. نحن مقبلون على مرحلة خطيرة".
هناك حالة جدال في إسرائيل بين أقصى اليمين اليهودي، وبين اليمين الصهيوني التقليدي على صورة دولة إسرائيل وأهدافها، لكن وفي المقابل، هناك حالة ائتلاف وتعاون بين جماعات الشعب الفلسطيني في إسرائيل، وكذلك بينه وبين نضال الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
منذ تشكلت القائمة البرلمانية المشتركة في الكنيست، فشلت محاولات الحكومة الأكثر يمينية في إسرائيل في زعزعة ترابط هذه القائمة.
خلافاً للادعاءات الإسرائيلية بأن "تطرف" نوابها لا يعبّر عن رأي الجمهور العربي الناخب؛ فإن استطلاعات الرأي تشير إلى ثبات عدد مقاعدها البرلمانية، خلافاً لتذبذب شديد في عدد مقاعد الأحزاب اليهودية.
في أم الحيران، أصيب رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة، بعيار ناري إسفنجي في جبهته، لكنه في اليوم التالي شارك في حفلة طرب لمغن عربي في الضفة الغربية. لا عجب ولا استغراب.
كان عودة قد قال: نحن فلسطينيون بنسبة 100% وأيضاً مواطنون في دولة إسرائيل بنسبة 100%، وهذا يشكل تحديداً قاطعاً لشعار رفعه أول الأحزاب العربية في إسرائيل: "السلام والمساواة"، أي سلام يشمل دولة فلسطينية ومساواة بين رعايا دولة إسرائيل.
هل نعود القهقرى إلى الأيام والسنوات الأولى، وإلى زمن الفدائيين؟ آنذاك، قالت إسرائيل إن العمل الفدائي ليس إلاّ استراتيجية نظم عربية فشلت في حروبها مع إسرائيل.
الآن، تقول إسرائيل الرسمية الحالية، إن فلسطين لم تعد قضية مركزية عربية، خاصة للنظم العربية المحيطة بإسرائيل. "يا وحدنا" أو "نحن لنا".
الواقع الحالي أن فلسطين هي القضية المركزية لإسرائيل، ومشاريع ومحاولات "الحل بدولتين" وفي الوقت ذاته، صار الفلسطينيون في إسرائيل وحقوقهم في المساواة بمثابة الكشّاف الحقيقي لديمقراطية إسرائيل. ديمقراطية ويهودية؟ ماء ونار؟
هذه حالة استعصاء تواجهها إسرائيل، والاحتلال الإسرائيلي، وحسب دبلوماسي فرنسي فإن الفلسطينيين لا يستطيعون تحويل حقهم إلى قوة؛ وفي المقابل فإن الإسرائيليين لا يستطيعون تحويل قوتهم إلى حق!
بمعنى آخر، فإن المسار السياسي والأيديولوجي الإسرائيلي يؤثر على حق تقرير المصير الفلسطيني، وعلى المساواة في إسرائيل، كما أن تقرير المصير الفلسطيني والمساواة يؤثران على المسار السياسي والأيديولوجي في إسرائيل.