لماذا لا نتوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية؟!

2017-02-11 07:19:00

حينما انضمت دولة فلسطين لمعاهدة روما الموقعة عام 1998 بتاريخ الثاني من كانون الأول من عام 2015، تفاءل الكثيرون وبخاصة أن هذا الانضمام جاء متأخرا، وبعد الإنضمام لمعاهدات دولية عديدة تقدر بالعشرات. بل اعتقد الكثيرون أن هذا الإنضمام جاء ليتوج سلسلة الخطوات القاضية بالإنضمام لمعاهدات دولية كثيرة عملا بنصوص القانون الأساس لسنة 2003 وتحديدا المادة العاشرة منه. واعتقد هؤلاء بسذاجة وببساطة شديدة، بأن مشاهدة وزراء وضباط ومجرمين إسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية كمتهمين بجرائم حرب أو ضد الإنسانية اقتربت وأوشكت بعد الثاني من شهر نيسان من عام 2015. وخيل للكثيرين أن الموضوع قيد الإعداد، وما هي إلا أيام أو شهور حتى تغدو الأمنيات وقائع وحقائق. ولكن خاب أمل الكثيرين ولليوم ما زال الكثيرون قيد الإنتظار.

ها نحن بعد مرور عامين على الإنضمام لميثاق روما، ولم تتقدم دولة فلسطين بعد وحتى كتابة هذه الكلمات، بأية شكوى جزائية للمحكمة الجنائية الدولية القابعة في لاهاي ضد أي إسرائيلي جنديا أو مدنيا لتحريك مسئوليته الجزائية الشخصية في أية جريمة ارتكبت على الأرض الفلسطينية سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية. والغريب في الأمر أن الجمهور الفلسطيني يسمع صباح مساء من السياسيين الفلسطينيين أن هناك ملفا فلسطينيا أمام المحكمة الجنائية الدولية. لكن الجمهور الفلسطيني غير المتخصص وكغيره من الجماهير، لا يستطيع التفريق بين القضايا القانونية الدقيقة التي يمكن أن تثار أمام المحكمة، حتى يفرق واحدة عن الأخرى، بل إن هذه الأمور قد يضيع فيها المختصين نظرا لدقتها وحداثتها.

كل ما تم فعله حتى اليوم، أن الفلسطينييين استبقوا يوم تقديم طلب الإنضمام الرسمي لميثاق روما بيوم واحد فقط ، وقدموا إعلانا عاما للمحكمة الجنائية الدولية قبلوا فيه اختصاص المحكمة بالجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وشرقي القدس من تاريخ ١٣/ ٦/ ٢٠١٤ ، عملا بالفقرة الثالثة من المادة الثالثة عشر من ميثاق روما. ومثل هذه الإعلانات تخص عادة الدول غير الأطراف لميثاق روما، أو غير المنضمين له مثل حالة الدولة الفلسطينية قبل الإنضمام. وكأن من قدم وأودع إعلان الإختصاص أمام المحكمة، لم يكن يعلم أنه في الغد سيقدم طلب الإنضمام لميثاق روما، ويصبح هذا الإعلان في غير محله إلا إذا كان له أهداف أخرى وبخاصة سياسية.

وكأن الفلسطينيين رأوا في هذا الإعلان وسيلة للهروب إلى ألأمام من الإلتزامات الدولية التي يرتبها الإنضمام لميثاق روما. لذا كان طبيعيا ان تستجيب النيابة العامة في المحكمة للإعلان الفلسطيني وأن تفتح تحقيقا تمهيديا في الوضع، وتم هذا فعليا في السادس عشر من شهر كانون الأول من عام 2015 عملا بموجب المادة 53 من ميثاق روما.

وقد كان ذلك ضروريا حتى تقوم المدعية العامة أمام المحكمة الجنائية الدولية فاتو بن سودة بتقييم المعلومات المتاحة، وتقدر وجود أساس قانوني لمباشرة أي إجراء بموجب ميثاق روما. أي أن المدعية العامة من تلقاء ذاتها شرعت في التحقيق لتدقق في وجود أساس معقول لارتكاب جريمة حرب أو ضد الإنسانية أو إبادة أو لا في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وإذا توفر هذا الأساس القانوني بعدها تقرر المدعية العامة خدمة للعدالة أو لخطورة الجريمة أو لمصالح المجني عليهم، قبولها من عدمه أمام المحكمة.

وعملية سرد خطوات المدعية العامة أمام المحكمة الجنائية الدولية وإجراءاتها والطعن فيها وبخاصة أمام المحكمة التمهيدية تثقل على القارىء الكريم، لذا لن يتم الخوض فيها وبخاصة أنها فنية. لكن يمكن التقرير أنها خطوات غير منتجة وغير عملية سوى في البعد السياسي. وإن أنتجت فسيكون بعد زمن طويل، والأغلب أن إسرائيل بفهمها ودراستها لوظيفة المحكمة الجنائية الدولية، ستستبق عملها وتحبطه، عملا بالمادة 17 من ميثاق روما. وهي قد بادرت لذلك عندما قتل الجندي أليئور أزريا الشهيد عبد الفتاح الشريف في الخليل يوم 24 آذار 2016. وقد بادرت إسرائيل لعقد تلك المحاكمة التي يعتقد الكثيرون أنها صورية لتتجنب محاكمة جنديها ازريا أمام المحكمة الجنائية الدولية. ولتتحجج بأنها حققت وحاكمت بصورة مستقلة ونزيهة الشخص المقصود، ولا يجوز محاكمته مرتين عن ذات التهمة إلا إذا كانت محاكمته صورية، وهكذا كان. وأغلب الظن عندي أنه لولا خوف إسرائيل من تداعيات المحكمة الجنائية الدولية على جنودها لما قامت بمحاكمة الجندي القاتل أزريا. فهي قد استبقت المحاكمة وعقدت محكمة تتوافر فيها شكلا عناصر المحاكمة العادلة لترد على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في حالات إيداع إعلان انفرادي باختصاص المحكمة عن الجرائم في الأرض المحتلة.

الغريب في موضوع المعاهدات الدولية، أن الدولة الفلسطينية تنضم لهذه المعاهدات وتصبح ملزمة لها في الفناء الدولي، ولكنها وللأسف لا توفر الآلية المناسبة لتكتسب هذه المعاهدات الصبغة التنفيذية وإلزاميتها في الفناء الداخلي. ويثور السؤال إلى ماذا تقصد الدولة الفلسطينية بهذا الإجراء، وإلى ماذا تقود عبر هذا الإجراء؟ ويبدو أن هناك أمرا حيويا وضروريا يستدعي الدوران في حلقة مفرغة.

وإذا بقينا في إطار المحكمة الجنائية الدولية، وتساءلنا عن سر انضمامنا لميثاق روما وفائدته دون تفعيله على مجرمي الحرب الإسرائيليين، بل إمكانية استبدال الإنضمام بإمكانية إيداع إعلان من طرف واحد كما فعلت فلسطين قبل الإنضمام. سؤال حائر يقتضي جوابا، وبخاصة أن الإنضمام لميثاق روما، يقدم أجوبة وأوضاعا أفضل بكثير من مجرد إيداع إعلان لدى المحكمة الجنائية الدولية. ولماذا يكتفى بالحلول الناقصة ولا يسعى إلى الحلول المتكاملة؟ هل هو الوضع الإقتصادي الهش لفلسطين، والتهديدات المالية التي ترمى بها أم ماذا؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا كان كل هذا الهرج والمرج في موضوع المحكمة الجنائية الدولية؟!

لقد قيل مرارا وتكرارا أن خطوة يتيمة منفردة في المجتمع الدولي ستكون عقيمة أو محدودة الأثر. لكن القوة السياسية أن تتكامل الخطوات على الصعيد الدولي وفي كل القطاعات. لذا يجب تكامل قطاعات مجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية ومجلس حقوق الإنسان وغيرها في أعمال وقرارات لصالح القضية الفلسطينية.

وفي شأن المحكمة الجنائية الدولية كان يجب أن لا يكتفى بإيداع إعلان الإختصاص أمام المحكمة، بل نبادر بعدها بتقديم شكاوى فردية ضد أشخاص مسئولين وغير مسئولين إسرائيليين بعينهم وبأسمائهم وبذواتهم كما قرر ميثاق روما، وإذا لم نفعل فما معنى انضمام دولة فلسطين إلى معاهدة روما، وبخاصة أن المسئولية الشخصية أساس هذا الميثاق. وإذا لم يتم التحرك حاليا وبخاصة بعد سن قانون نهب الأراضي الفلسطينية، نكون وكأننا أفرغنا هذا الميثاق من محتواه ومغزاه، فليس في مقدور المرء أن يخدم سيدين اثنين، ولا يجتمع سيفان في غمد واحد!!!!