شوطان إضافِيَّان ولعبٌ نظيف ... يُحَقِّقان النّصر
انتهى الوقت الأَصلي للمباراة بعد أن صادق الكنيست الإسرائيلي على القانون الإحتلالي الجديد (المسمى بقانون تسوية المستوطنات)، والذي يُشَرعِن البؤر الإستيطانية في الضفة الغربية، ولكن في بعض المباريات النهائية لا بد لها من فائز وخاسر، فقادة الأحزاب اليمينية المتطرفة في دولة الإحتلال، تنافس بهدف إثباتِ الوَلاء للمستوطنين وإقرار مخططات احتلالية، لبناء المزيد من المستوطنات.
بينما الرئيس الفلسطيني محمود عباس وفريق القيادة الفلسطينية، متسلحون بالتوجه إلى المحاكم الدولية، لحماية الوجود والبقاء على الأراضي الفلسطينية، أيضاً "الجمهور الفلسطيني"، بات يؤمن بهذا النوع الجديد من النضال، كيف لا، وقد كان صدى "جريمة في رام الله"، عبر وسائل التواصل الإجتماعي الفلسطيني أكبر وأضخم بالنسبة لهذا الجمهور من "جريمة في فلسطين" ، ارتكبت منذ قرن.
قاعدة الوقت الإضافي في المباراة النهائية (في ظل تعادل يفرضه طرفا الصراع)، هي السبيل للوصول إلى النتيجة المطلوبة لكلا الجمهورين، وفي مثل هذه المباراة، من الصعب تطبيق الهدف الذهبي، بعدما تم الغاؤه، من قبل الأمم المتحدة في العام 1948، خاصة وأن قبول اسرائيل في الأمم المتحدة معلَّقٌ على شَرطَي تطبيق القرارين (181/2 و 194).
المناصرون من أوروبا، للقضية الفلسطينية في هذه المرحلة (الحاسمة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي)، اعتبروا أن "القانون الإسرائيلي الجديد" بشأن المستوطنات، يتنافى مع القانون الدولي وأنه سيكون له عواقب قانونية واسعة النطاق على إسرائيل.
وأصحاب الملعب البيتي الإسرائيلي (بريطانيا)، جاء موقفهم سلبياً بشأن القضية الفلسطينية، مقارنةً بدول الإتحاد الأوروبي، فحديث رئيسة وزراء بريطانيا "تيريزا ماي" أن الاستيطان يُقَوِّض حلَّ الدولتين، هذا الحديث الذي لا يخيف حكومة نتنياهو المتطرفة، ويندرج تحت سياسة " تقليدية"، "تُسمِعُ جَعجَعَةً ولا تُري طَحناً" .
ولكن ركلات الترجيح (ضربات الجزاء)، بعد انتهاء الوقت الأصلي في مثل هذه المباريات، لا يتم اللجوء إليها، ليس لأنها تستخدم للمباريات الترتيبية ( مباراة المركز الثالث)، ولكن عدالة القضيَّة الوطنية الفلسطينية، وعذابات الشعب الفلسطيني وآهاته وتضحياته، تحتم عليه خوض شوطين إضافيين.
القيادة الفلسطينية عليها أن تخوضَ مباراتها بخطة هجومية، تصنع من خلالها الحدث، مبتعدة عن التكتيك الدفاعي وصد الهجمات، أو تلقّي المزيد من الضَّرَبات، فرغم إصابة "المجلس التشريعي الفلسطيني"، والذي كان من المفترض أن يكون لاعباً أساسياً، يتمنى له جمهوره الشفاء العاجل وتوحيد طاقاته على المستوى الوطني، إلا أن المجلسين الوطني والمركزي لهما باعٌ طويلٌ في مثل هذه المباريات، التي تحتاج الى خبرة اللاعبين، وإلى الدماء المتجددة فيهما بهدف الوقوف أمام المنافس، الذي عُرِفَ بِعدم احترامه للقوانين والمعاهدات الدولية التي انضم إليها أو قد صادق عليها سابقاً، حتى لو أنه قد صادق عليه، رغم أن هذا الكيان "طرف" في اتفاقية جنيف الرابعة، ولا يجوز لها أن تُسِنَّ تشريعات وطنية على غرار "القانون الإسرائيلي الجديد" الذي يخالف نص قواعد دولية.
إن خوض المباراة من خلال الوقت الإضافي أو الشوطين الإضافيين، يتطلَّب من الفريق الفلسطيني، بدايةً التركيز على صناعة الحدث من خلال رفع دعاوى أمام القضاء الفلسطيني ومحاكمه(القضاء الوطني)، من قبل الأشخاص المتضررين من هذا " القانون الإسرائيلي" ضد المستوطنين اليهود، وعلى النيابة بحسب اختصاصها البدء بمساعدة المتضررين لتجهيز ملفاتهم لتولّي الدَّعوى العمومية في "جريمة فلسطين" .
قد يتساءل البعض، ما فائدة هذه الدعاوى أم المحاكم الوطنية؟ الإجابة تتَمثَّل بإجراءٍ شكليٍّ، في الإختصاص التكميلي ، قبل الذهاب لرفع الدعوى أمام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، التي تشترط على رافعِ الدَّعوى أمامها، استنفاد كافَّة الإجراءات والإثباتات الداخلية، أمام المحاكم الداخلية أو الوطنية .
هذه الدَّعاوى تساعِدُ أيضاً، على فضح ممارسات المستوطنين كأشخاص، ومطالبتهم بالمثول أمام القضاء الفلسطيني، وفضح ممارساتهم وسرقاتهم دولياً، وأنهم هاربون من وجه العدالة، وأيضاً مثل هذه الدَّعاوى تساهم في تجهيز الملفات والوثائق والسَّندات والإثباتات، التي تعزز أحقِّية الفلسطيني بالفوز بأرضه، أمام القضاء الدولي في المراحل النهائية والحاسمة من المباراة، "وقد يُحاكَم مواطنون وضباط بجرائم حرب في محكمة الجنايات الدولية".
الدور الذي ستلعبه مؤسسات حقوق الإنسان والمجتمع المدني الفلسطينية، بتقديمها التماسا للمحكمة العليا الإسرائيلية، للمطالبة بإلغاء" القانون الجديد"، لشرعنة آلاف المستوطنات بأثر رجعي في الأراضي الفلسطينية"، لا يَقلُّ هذا الدور أهمية عن الدَّعاوى التي ستقدم أمام القضاء الوطني الفلسطيني، والقضاء الدولي، وخصوصاً في ظل هذا التَخبُّط في صفوف القضاء الإسرائيلي، حيث أن وزير العدل في الحكومة الإسرائيلية المتطرفة "ايليت شاكيد"، وفي خطوة غير مسبوقة ستقوم بالبحث عن محامٍ خاص للترافع في المحكمة العليا، لِتَخَلّي النائب العام الإسرائيلي "أفيخاي ما نلدبيلت" عن دوره، وأنه " يدرس ظهوره، أمام المحكمة للشهادة ضد القانون، الذي ينتهك علناً حقوق المُلكِيَّة الفلسطينية في الضفة الغربية، بشكلٍ يخالف حماية المجتمعات المحلية، وفق اتفاقية جنيف الرابعة، " إضافة لتصريح وزير "الدفاع الإسرائيلي" ، إن احتمال رفض "القانون" من قبل المحكمة العليا هو 100%.
الإنتقال من دَورِ رفعِ البَلاغ الى الإحالة، سيحسم المباراة خلال الشوط الثاني الإضافي من المباراة، فدولة فلسطين عند انضمامها لمحكمة الجنايات الدولية، أودعت بلاغاتٍ انفراديَّة في ثلاثة ملفات رئيسة، هي الحرب على غزة، الإستيطان والأسرى، آن الأوان لدولة فلسطين استخدامها كأوراق رابحة للحسم القانوني، وتقديم هذه الملفات كإحالة من دولة عضو، وبالذَّات تقديم دَعوى بشأن الاستيطان، مستفيدين من قرار مجلس الأمن "2334"، الذي نص على عدم شرعية إنشاءِ إسرائيل للمستوطنات في الأرض المحتلة منذ عام 1967.
الفوز في هذه المباراة يتطلب من جمهور دولة فلسطين المسانَدة وأن يَنتَفِضَ من البَردِ الذي يسكنه، في ظل غياب المجلس التشريعي الفلسطيني بداعي الإصابة، وتجسيد مقاومته الشعبية على أرض الواقع، والتصدي لسرقة الأرض الفلسطينية من قبل المستوطنين والإحتلال الإسرائيلي، مُتصدِّية للمؤسسات والشركات الأجنبية التي تدعم الإستيطان، ومُكرِّسة علاقة الإنسان بأرضه، من خلال الإهتمام بها وزراعتها.
ولتكن تجربة نساء قرية بدرس،غرب رام الله، بداية العام الحالي، في وحدتهن والتفافهن حول أحد المنازل في القرية ومنع قوات الإحتلال من هدمه، لتكن هذه التجربة نموذجاً للرجال والنساء في فلسطين للتصدي لممارسات الإحتلال، ولتكن "الجريمة في فلسطين" ، حاضرة للجماهير الفلسطينية المتعطشة للنصر، مُوحِّدة له، وليكن شعارهم "أن المستوطنين ومستوطناتهم الى زوال".
أياً كان الحَكَمُ ومساعدوه، فلن يَجرؤوا على تغيير النتيجة، على ضوء ما سيقدمه الفريق الفلسطيني في الشوطين الإضافيين، من لعب نظيف، وبحضور جمهور له صوت واحد في أرجاء المعمورة، ولن يَقدِر هذا الحكم على احتساب أية مخالفات، تضعف الفريق الفلسطيني الذي سيُحسَبُ له ألف حسابٍ وقتها، وعلى هذا الشعب أن يستمر في جمع الحطب، وألا يخاف الموت من البرد، فشَوطانِ إضافيّان ولَعِبٌ نظيف يُحقِّقان النصر، بإذن الله.