إعادة الحكم العسكري للضفة الغربية كما كان في الثمانينيات!
لا شك بأن الأشهر القليلة القادمة ستكون حاسمة بالنسبة لمستقبل القضية الفلسطينية سلبا ً أم إيجابا. وهناك توجهان يحكمان تطورات القضية في المرحلة القادمة: الأول إسرائيلي ، والثاني دولي ذو بعد إقليمي. أما البعد الوطني الداخلي فهو غائب أو مغيب بفعل ذاتي.
ففي إسرائيل يتبلور تيار قوي مندفع بشكل متهور وهدفه القضاء نهائيا ًعلى ما أسفرت عنه عملية أوسلو والعودة بالمناطق المحتلة إلى ما كان عليه الحال في الثمانينيات أي أن تخضع الأراضي الفلسطينية بكاملها للسيطرة العسكرية الأسرائيلية ومن ثم تطبيق النموذج الذي كان سائدا في إسرائيل منذ 21/10/1948 حتى كانون ثاني 1966 عندما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ليفي إشكول أمام الكنيست الإسرائيلي عن النية في إنهاء الحكم العسكري المفروض على العرب.
والملاحظ أن هذا التوجه الذي يقوده نفتالي بينيت زعيم الحزب اليميني المتطرف " البيت اليهودي " ووزير التربية والتعليم ، يقوم على أساس الإستفادة من التجربة الإسرائيلية بحيث يكون العرب خاضعين للحكم العسكري ، وحركتهم مقيدة تحكمها تصاريح التنقل واستغلال هذه التصاريح ليس فقط من أجل تقييد حريتهم في الحركة وإنما أيضا للتحكم في وسائل رزقهم وعيشهم واستغلال هذه التصاريح لتجنيد العملاء أو لإرغام البعض على التعامل مع العملاء وغض النظر عنهم لأنهم يمكن ان يساعدوهم في الحصول على التصاريح ، وإلهاء العرب في شؤونهم الحياتية اليومية واستنزاف كل طاقاتهم حولها ، وقد يأتي يوم يتم فيه تقسيم المناطق المحتلة إلى مناطق يتطلب التنقل بينها إلى تصاريح للإمعان في إشغالهم والسيطرة عليهم.
وهدف هذا التوجه هو فرض السيادة الإسرائيلية على كافة انحاء الضفة الغربية مع إبقاء العرب تحت الحكم العسكري بحجة " الأمن" ، والاستمرار في تشريع القوانين على غرار قانون التسوية الأخير لشرعنة الإستيلاء على الأراضي والمصادر الطبيعية في الضفة الغربية وتكريس ضمها لإسرائيل. وأما السلطة الفلسطينية فإنهم يرون أن لا بأس في بقائها مرحليا ً كورقة توت طالما أنها تخدم المصالح الإسرائيلية سواء بتركها تقوم بالخدمات المدنية للسكان أو خدمة المصالح الأمنية الإسرائيلية أو الإدعاء أمام العالم بأن هناك سلطة (حكم ذاتي) للعرب يرعى مصالحهم ويحقق طموحاتهم!
وأما التوجه الثاني في إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو فيرى استمرار لعبة حل الدولتين باعتبارها تستهوي قلوب الكثيرين في العالم والتظاهر بالعمل من أجل تحقيق هذا الحل والتمسك بفكرة التجمعات الإستيطانية في الضفة الغربية وتركها تتمدد ببطء طالما أن ليس هناك أي إلتزام بضبط حدودها الشرقية ، والتمسك بالأغوار بحجة الإعتبارات الأمنية ، وإبقاء القدس خارج العملية التفاوضية والظهور أمام العالم بمظهر الباحث عن السلام الذي يفتقر إلى شريك حقيقي للسلام لعدم وجود من يمثل الفلسطينيين المتصارعين المنقسمين على أنفسهم.
وهذا التيار يستغل الأحداث الدموية في العالم العربي والإستقطاب بين السنة والشيعة للأدعاء بأن مقولة تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين سيفتح أبواب العالم العربي والاسلامي أمام إسرائيل قد فشلت ، وأن هناك عدوا مشتركا يجمع بين إسرائيل والعديد من الدول العربية وأن هذا العدو هو الخطر الشيعي الإيراني وأنه إذا ما تحقق السلام بين إسرائيل والدول العربية فإنه سيكون من السهل حل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني بوساطة الدول العربية والتي أصبح بعضها فعلا متحالفا مع إسرائيل تعمل معا ً وتنسق ولو في الخفاء ضد الخطر الإيراني.
وهذه هي الرسالة التي سينقلها نتنياهو كما يبدو للرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب في اللقاء الذي سيجمعهما يوم الخميس القادم بواشنطن .
وتفيد التقارير القادمة من واشنطن بأن هناك تفهما لوجهة نظر نتنياهو هذه والتي تم إيصالها للرئيس ترامب سواء من خلال الإتصالات مع صهره كوشنر المكلف بملف النزاع في الشرق الأوسط أو من خلال الملياردير اليهودي شيلدون أديلسون الذي التقى ترامب يوم الخميس الماضي في إطار التمهيد لنجاح زيارة صديقه نتنياهو للبيت الابيض. ومن المتوقع أن يقوم الرئيس ترامب بعد لقائه نتنياهو بالطلب من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وبعض الزعماء العرب الآخرين الدخول في حوار علني مع إسرائيل لتنسيق الخطوات والأعمال لمواجهة ما يسمى بالخطر الايراني بحجة أن العمل في إطار هذه المصلحة المشتركة لهم ولإسرائيل سيؤدي إلى خلق الأجواء الإيجابية للتعامل مع حل المشكلة الإسرائيلية الفلسطينية التي يقولون بأنه يجب عدم المبالغة قي تقدير حجمها وأثرها على الإستقرار الإقليمي بل يجب الإقرار بأنها لم تعد المشكلة الأولى بالمنطقة.
أين نحن من كل ما يجري؟
نحن رغم كل إدعاءاتنا واعتقادنا بأننا نقوم بدور مهم على الساحة الدولية مغيبون أو غائبون عن الحلبة الرئيسية للعمل الدبلوماسي. فهناك عدم رضى دولي يصل حد السخط نتيجة الممارسات الإسرائيلية التي تقتل أية فرصة للحل السياسي ، ولكن هذا السخط الدولي يصطدم بعقبتين رئيسيتين : الأولى هي العقبة الدبلوماسية التي تشكلها الإدارة الأمريكية التي ستمنع مجلس الأمن أو الأمم المتحدة من اتخاذ أي قرار في غير صالح إسرائيل. والعقبة الثانية هي عقبة الإنقسام الفلسطيني التي بات كل العالم يدرك ويعرف مدى الضرر الجسيم الذي يلحقه بالقضية الفلسطينية والمصالح الوطنية الفلسطينية لأنها تشل أي مسعى دولي لدعم الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية ، في حين أن الفلسطينيين أنفسهم عاجزين عن معرفة ذلك.
لقد باتت صورتنا أمام العالم بشعة جدا ً ومشوهة جدا ً ومعاقة جدا ً ولكننا قاصرون عن إدراك ذلك. وأؤكد بأنني لم أجد أحدا ًمن بين القياديين على الجانبين ممن أتحدث إليهم يقول لي بأن من الممكن إنهاء الإنقسام ، فكل من أتحدث إليهم يجزم في الأحاديث الخاصة بأن إنهاء الإنقسام هو أمر مستحيل ، فكيف يمكن لنا أن نتوقع من العالم أن يحترمنا أو يهب لمساعدتنا!
إن الملامح الرئيسية للمرحلة القادمة تتمثل في تحقق واحد من أمرين: الأول هو أن تطلب الإدارة الأمريكية الجديدة من الأنظمة العربية أن تضغط علينا للقبول بتسوية تقبل بها إسرائيل لكي تتفرغ لمواجهة الخطر الإيراني وأخشى عندها أن يبيعنا العرب بأبخس الأثمان ، والثاني هو أن يتفوق التوجه الإسرائيلي الساعي نحو إعادة الحكم العسكري ووضعنا على الطريق الذي كان عليه أشقاؤنا العرب الذين ظلوا في إسرائيل بعد عام 1948 ولكن دون أن يكون هناك هدف أو نية أو سقف لإنهاء ذلك الحكم العسكري قبل أن يتم التهام كل الأرض وقذف من كانوا عليها ، أي نحن ، إلى خارج الحدود في إطار عملية ترحيل وتبادل للسكان.
عندها لن تبقى على الخريطة سوى إمارة غزة التي ستؤكل هي الأخرى كما أكل الثور الأبيض.