لماذا الخوف من تصريحات الرئيس ترامب؟!
تابعت كما تابع غيري المؤتمر الصحفي المشترك للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وصراحة لم أجد في هذا المؤتمر ما يستحق الضجة التي أثارها البعض في أعقابه وخاصة فيما يتعلق بحديث الرئيس ترامب عن حل الدولة الواحدة.
فالمؤتمر لم يكن سوى استعراض إعلامي حاول ترامب من خلاله إظهار مدى حبه لإسرائيل وعمق صداقته الشخصية مع بنيامين نتنياهو متجاوزا ًحدود البروتوكول والرزانة التي كان يجب أن يتحلى بها رئيس دولة كأمريكا وبشكل أضفى صبغة عائلية على المؤتمر سواء حين أعرب عن شغفه وانبهاره بصهره اليهودي جيرد كوشنر أو حين حيا سارة نتنياهو الجالسة في الصف الأول بالمؤتمر الصحفي داعيا ً إياها للوقوف أمام الصحفيين ليبالغ في مجاملتها.
ولقد بالغ ترامب أيضا ً في التملق لإسرائيل سواء حين تحدث عن المناهج الفلسطينية وتعليم كراهية اليهود وهي الإسطوانة المشروخة التي لا تفتأ ترددها الدعاية الإسرائيلية وعلى رأسها رئيس الوزراء نتنياهو رغم تأكيد العديد من الأكاديميين اليهود الإسرائيليين على عدم صحتها ، او حديثه عن الإسلام الراديكالي المتطرف مستعملا نفس اللغة التي يرددها نتنياهو ، أو التهديد والخطر الذي تواجهه إسرائيل من الخطر النووي الإيراني وحرص الإدارة الأمريكية على التفوق العسكري الإسرائيلي.
ومع ذلك ، فإن حديث ترامب عن الحل السياسي لم يأت بجديد سوى أنه أكد بأن الحل يجب أي يأتي من خلال المفاوضات المباشرة - وهذا تكرار لموقف نتنياهو- وأن أمريكا ستقبل بما يتفق عليه الطرفان سواء حل الدولتين أو دولة واحدة.
ولقد تخلى البعض عن رؤية تصريحات ترامب في إطارها الشامل وتمسك بما قاله عن حل الدولة الواحدة ورأوا في الحديث عن حل الدولة الواحدة جريمة لا تُغتفر ! فلماذا ؟ ولماذا يأتي هذا الذعر من حل الدولة الواحدة من جانبنا نحن الفلسطينيون الذين كان خيارهم الأول هو خيار الدولة الديمقراطية الواحدة ثم قبلوا بحل الدولتين على مضض حين قال لهم "أصدقاؤهم" من الإسرائيليين والعالم الغربي بأن اليهود يريدون دولة يهودية وأن العالم لا يقبل بحل الدولة الواحدة لأنه يريد أن يشعر اليهود بالأمان في دولة يهودية.
ليس الخطير في كلام ترامب هو الحديث عن حل الدولة الواحدة وإنما قوله بأن الأمر متروك للطرفين وما سيتفقان عليه ستؤيده إدارة ترامب. لأنه إن تم اتباع هذا المنهج فإننا سنجد أنفسنا في " بروفا " إعادة للعملية التفاوضية السابقة التي استمرت بانقطاع منذ قرابة نصف قرن ، والتي كان الإسرائيليون يماطلون خلالها ويراوحون في نفس المكان للتغطية على عملية الإستمرار في تنفيذ مخططهم الإستيطاني التوسعي في ظل الإدعاء بوجود مفاوضات ومساع للحل.
ولذا فإن الرفض يجب أن يكون لإقصاء الشرعية الدولية عن المشهد وإحجام أمريكا عن القيام بدور فعال في العمل من أجل تحقيق تسوية سياسية للصراع.
وفي ظل غياب أية فرصة حقيقية للحل السياسي للصراع فإن حل الدولة الواحدة يبقى هو الحل العملي الوحيد المطروح على الطاولة، ولذا فإن على القيادة الفلسطينية أن تلتقط الفرصة وأن تقول بالفم الملآن بأنها ترحب بحديث الرئيس ترامب عن حل الدولة الواحدة وأنها هي الأخرى جاهزة للدخول في مفاوضات جدية حول تحقيق حل الدولة الواحدة ، لا أن ينبري بعض المتحدثين باسمها للإعراب عن خوفهم وقلقهم من حل الدولة الواحدة.
لقد حاول نتنياهو رسم معالم الدولة الواحدة التي في ذهنه حين تحدث عن الولاية الأمنية الإسرائيلية
Overriding security على كل المنطقة الواقعة بين النهر والبحر ، وأن الإستيطان لا يشكل مشكلة ، وأن على الفلسطينيين أن يعترفوا بيهودية دولة إسرائيل. وهذا هو صدى ما يطالب به شريكه في الحكم نفتالي بينيت رئيس حزب البيت اليهودي الذي يطمح إلى تولي رئاسة الوزراء في إسرائيل ، والذي يطالب بضم الضفة لإسرائيل والتمييز بين الأرض والسكان ، أي ضم الأرض وليس السكان كما تم حين ضمت القدس عام 1967، وتطبيق القانون الإسرائيلي على المستوطنات وإبقاء السكان العرب تحت الحكم العسكري مع استمرار تمتعهم بالجنسية الفلسطينية أو الاردنية إذا انحلت السلطة.
ويقينا أن من الأجدر بالقيادة الفلسطينية في هذه المرحلة أن تعلن تمسكها المطلق بحل الدولتين إذا كانت هناك فرصة لتحقيقه على " حدود " عام 1967 ، وإذا كان ذلك متعذرا ً فلتكن العودة إلى حل الدولة الواحدة مع التأكيد على أن الدولة الواحدة التي نفهمها من حديث الرئيس ترامب والتي يمكن أن يقبل بها العالم في القرن الواحد والعشرين لا يمكن أن تكون دولة أبرتهايد ولا دولة عنصرية أيا كان شكلها وإنما دولة ديمقراطية لكل سكانها.
وإذا لم يكن اليهود جاهزون أو مؤهلون لقبول دولة واحدة بين عشية وضحاها فإن علينا أن نؤكد استعدادنا للدخول في مفاوضات تضع برنامجا زمنيا للإندماج التدريجي بين الكيانين إلى أن نصل إلى الدولة الديمقراطية الواحدة التي يتمتع كل سكانها بكامل الحقوق المتساوية بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللون.
إن هجوما ً من هذا القبيل ، هجوما ً باتجاه الدولة الواحدة ، الدولة الديمقراطية ، هو وحده الذي سيحظى باحترام وتعاطف العالم ويوقظ المجتمع الإسرائيلي من حالة الهوس والغطرسة التي يحياها.