الأهم حاليا إعداد العدة لمواجهة التحديات والمؤامرات التصفوية
الكل يتحدث عن حل الدولة او الدولتين وأن حل الدولة الواحدة قد مات منذ زمن بسبب الاستيطان السرطاني المتواصل والذي حول الضفة الغربية الى معازل غير مترابطة حيث تجد بين مدينة وأخرى إما مجموعة مستوطنات، او مستوطنة او شارعا او حواجز عسكرية تعرقل تنقلات المواطنين وتعزل بعض مدن وبلدات وقرى عن بعضها الآخر، الى جانب الحصار المفروض على قطاع غزة حيث تغلق سلطات الاحتلال الاسرائيلي كافة المعابر المؤدية اليه باستثناء معبر رفح البري الذي يربط قطاع غزة بمصر والذي لا تفتحه مصر سوى ايام معدودة في السنة بهدف الحفاظ على امنها الوطني من الجماعات التكفيرية التي تنشط في شبه جزيرة سيناء.
اما حل الدولة الواحدة فإن دولة الاحتلال الاسرائيلي ترفضه لأنها تطالب بدولة يهودية خالية من الفلسطينيين خوفا من ان تتحول في المستقبل الى دولة ثنائية القومية وربما بعد سنوات معدودة يصبح الفلسطينيون اكثرية وبالتالي فإنهم سيستولون على الحكم بطريقة ديمقراطية وهو ما لا تقبله اسرائيل سوى اليمين المتطرف والعنصري الموجود حاليا على رأس السطة في دولة الاحتلال او ما يسمى باليسار الاسرائيلي الذي يطالب بالانفصال عن الفلسطينيين حفاظا على دولة الاحتلال.
كما يطرح العديد من الكتاب والمحللين ان دولة الاحتلال بقيادة اليمين المتطرف العنصري الرافضة لإقامة دولة فلسطينية والتي تعمل ليل نهار للحيلولة دون ذلك من خلال سياسة الضم والتوسع والتهويد والزعم بأن الاستيطان ليس عقبة امام السلام وأن دولة الاحتلال تسعى اليه وتحمل الجانب الفلسطيني زورا وبهتانا رفضه للسلام بعد ان تضع الشروط التي تحول دون ذلك وتمارس على الارض عكس ذلك تماما، ومن ابرز الشروط التي تطرحها لاستئناف المفاوضات «السلمية» اعتراف الجانب الفلسطيني بإسرائيل كدولة يهودية أضاف اليها رئيس الوزراء الاسرائيلي مؤخرا السيطرة الامنية الاسرائيلية على كامل الضفة الغربية وغيرها من الاشتراطات التي لا تبقي للجانب الفلسطيني اي فرصة او مجال للعودة لطاولة المفاوضات.
وبالعودة الى ما يطرحه العديد من الكتاب والمحللين، حيث يعتقدون بأن دولة الاحتلال تعمل باتجاه الخيار الاردني اي بعد استنفادها لسياستها في الضفة الغربية من مصادرات وبناء المزيد من المستوطنات توافق على ضم السكان الفلسطينيين او ما تبقى منهم بعد ان تقوم بالضغط عليهم بوسائل اخرى غير التي تنتهجها حاليا للرحيل او الهجرة للخارج، الى الاردن تحت اي مسمى كاتحاد فدرالي او ما شابه خاصة وأن العديد من المسؤولين الاسرائيليين يصرحون بين الحين والآخر بأن الاردن هي دولة الفلسطينيين.
واما بالنسبة لقطاع غزة فإن بعض الكتاب والمحللين يعتقدون بأنه سيتم لاحقا اعادته للجانب المصري كما كان الحال عليه قبل احتلال عام ١٩٦٧م، او اقامة دولة فلسطينية فيه مع ما تبقى من اراض وسكان في الضفة الغربية وإعطاء ممر يربط بينهما من جهة منطقة الخليل.
وهناك تحليلات اخرى ترى بأن اسرائيل تعمل على تنفيذ ما طرحه رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق مناحيم بيغن اثناء توقيع اتفاق السلام مع مصر في عهد الرئيس محمد انور السادات وهو اعطاء حكم ذاتي للتجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية تحت السيادة الإسرائيلية مع مواصلة دولة الاحتلال لسياسة الاستيطان ومصادرة الأراضي ومحاصرة التجمعات الفلسطينية ، كما هو عليه الأمر في الداخل حيث تحاصر اسرائيل التجمعات الفلسطينية داخل الخط الأخضر من خلال إقامة المزيد من البلدات اليهودية في المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية وتمنعهم من التمدد وتصادر اراضيهم بحجج ومسميات مختلفة بحيث تبقيهم معزولين في تجمعات محاصرة ومحاطة بالمدن والبلدات اليهودية.
وهذه السياسة الإسرائيلية تجاههم واضحة حيث تقوم إسرائيل حاليا بتهويد الجليل ذي الأغلبية الفلسطينية من خلال مصادرة الأراضي وإقامة المدن والبلدات اليهودية هناك لكي يصبح اليهود اكثرية في المنطقة.
وكذلك الأمر بالنسبة للنقب حيث تعمل السلطات الإسرائيلية على وضع الخطط لتجميع البدو في منطقة محددة لكي تواصل تهويد المنطقة من خلال إقامة المزيد من المدن والبلدات اليهودية هناك.
ويرى البعض الآخر من الكتاب والمحللين السياسيين ان إسرائيل او سلطات الإحتلال تعمل على تقويض السلطة الفلسطينية، من خلال مواصلة محاصرتها ومنعها من التمدد الى مناطق ب و ج حسب التصنيف الوارد في اتفاقات اوسلو التي رغم انها تنتقص من حقوق شعبنا الوطنية الثابتة، الا ان اليمين الاسرائيلي المتطرف والعنصري الحاكم في اسرائيل لا يعترف بها ويعمل على الغائها من خلال الممارسات الاحتلالية على الأرض.
وهناك من يرى ان الإحتلال معني ببقاء السلطة الوطنية لأنه لا يرغب في تحمل أعباء نفقات التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية وغيرها من النفقات الأخرى، على اعتبار انها عبء على الاحتلال تخلص منه لحساب السلطة الفلسطينية، كما انه لا يرغب في بقاء قواته في المدن والبلدات والقرى التي فيها تجمعات سكانية كبيرة خوفا من المواجهات بين المواطنين وهذه القوات بسبب استفزازاتها للمواطنين وتحميل مسؤوليتهم للسلطة الفلسطينية.
وفي اعتقادي ان بعض هذه التحليلات قد تكون صحيحة ومستندة الى بعض الوقائع وتستشرف المستقبل ، ولكن اعتقد ان الوضع الحالي وعلى المدى المنظور مريح للاحتلال ويسعى الى تكريسه حاليا.
وأقصد بالوضع الحالي ان الاحتلال سيواصل قضم الضفة الغربية شيئا فشيئا وسيواصل الاستيطان للحيلولة دون اقامة دولة فلسطينية مترابطة ومتصلة، كما انه سيواصل استغلال ما في باطن الأرض من مياه وغيرها لصالح مستوطنيه ولصالحه ايضا الى جانب مواصلة ربط الإقتصاد الفلسطيني به.
فالوضع الحالي مريح للإحتلال ولا يدفع له ثمنا باهظاً فالأوضاع في الضفة والقطاع شبه هادئة ويمكن احتواء اية انتفاضات او مواجهات خاصة وأن السلطة الفلسطينية لا تؤمن سوى بالنضال السلمي والمقاومة الشعبية في المرحلة الحالية وكذلك النضال السياسي والدبلوماسي الذي باستطاعة اسرائيل مواجهته خاصة في ضوء صعود دونالد ترامب لسدة الرئاسة الاميركية والذي أعلن انه سيمنع اي قرار دولي ضد إسرائيل وكذلك حذر أكثر من مسؤول اميركي السلطة من اللجوء لمحكمة الجنايات الدولية لمقاضاة اسرائيل.
كما ان الانقسام الفلسطيني الأسود يساعد الاحتلال على تنفيذ سياساته في الضم والتوسع وتهويد القدس، الى جانب الوضع العربي السيىء حيث الحروب الداخلية وتراجع القضية الفلسطينية من على سلم أولويات العرب والمسلمين ايضاً.
وأكثر ما يمكن أن تفعله دولة الاحتلال هو العمل على تحسين الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية أي العودة لطرح شمعون بيريس الحل الاقتصادي من خلال تحسين ظروف الحياة للمواطنين الفلسطينيين وصولاً الى محاولات جعلهم ينسون حلم اقامة الدولة.
وباختصار، فإنه في نهاية المطاف ستقوم دولة الاحتلال بالتزاوج ما بين طرح بيريس - الحل الاقتصادي - وطرح مناحيم بغين بإعطاء الفلسطينيين الحكم الذاتي تحت السيادة الاسرائيلية.
هذا على المدى المنظور أما على المدى البعيد فجميع الاحتمالات والتحليلات واردة بما فيها طرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين سواء الذين داخل الخط الأخضر او فلسطينيي الضفة الغربية المحتلة الى الخارج.
ومن هنا فمن الواجب والضروري التحرك فلسطينياً وعربياً ودولياً من أجل الحيلولة دون ذلك، وإلا فإن المخططات الاسرائيلية التصفوية ستتواصل وسيدفع شعبنا المزيد من التضحيات لإفشالها.
وليس هناك من مجال لمواصلة الحديث عن الدولة الواحدة او الدولتين، فهي مضيعة للوقت الذي أصبح من ذهب وكحد السيف إن لم تقطعه فإنه سيقطعك، أي الأولى والأهم هو الإعداد لمواجهة المرحلة المقبلة وإفشال المخططات التصفوية.