الفلسطينيون والإسرائيليون...خيارات الصراع أو البقاء والتعايش!

2017-02-25 06:56:00

ما زال التساؤل مطروحا منذ نشأة القضية الفلسطينية وحتى الآن منذ أكثر من ستين عاما، إلى اين تتجه العلاقة بين فلسطين وإسرائيل؟ وأي خيار سيحكم العلاقة بينهما، هل خيار الصراع الدائم، والعنف والقتل، ومزيد من الكراهية والحقد والثأر، أم البحث عن صيغ للتعايش والحياة المشتركة.

كل خيار له محدداته ومعطياته. ففي ضوء المعطيات السياسية الفلسطينية والإسرائيلية، والتحولات الإقليمية والدولية في موازين القوى، وتبدل مفاهيم المصلحة المشتركة ـ لا يبدو ان العلاقة بين الطرفين تتجه للتسوية والسلام، بل إن التوجه نحو العنف والمواجهة العسكرية الطابع قد تكون هي المسيطرة، فعلى مستوى العلاقة المباشرة الواقع السياسي لا يشجع على التوجه نحو الحل السياسي وحل الدولتين الذي قد أجهضته إسرائيل بالمزيد من البناء الإستيطاني والتهويد ومصادرة الأراضي الفلسطينية، ورفض كل الحلول الدولية وآخرها قرار مجلس الأمن 2334، الذي حمل تحذيراً واضحاً ان حل الدولتين في مأزق خطير، وأن الإستيطان يغلق باب الدولة الفلسطينية.

فالحكومة الإسرائيلية بتركيبتها اليمينية برئاسة نتانياهو ليست ملتزمة بالعملية التفاوضية على أساس حل الدولتين. وإعلان نتانياهو بقبوله بحل الدولتين مجرد شعار مضلل وتغطية للمزيد من المستوطنات وصولا لمرحلة تصبح عندها الدولة الفلسطينية مستحيلة، رؤيته ورؤية حكومته تقوم على أساس اللادولة ، القبول بدرجة ادنى من الدولة الفلسطينية. وليست على إستعداد لإتخاذ خطوات ملموسة يمكن ان تسمح بقيام الدولة الفلسطينية، ويذهب أعضاء بعض هذه الحكومة أمثال نفتالي بينيت وغيره إلى إقتراح بضم مناطق «ج » المفترض ان تنسحب منها إسرائيل، ويتفقون على عدم قيام دولة فلسطينية لتضم ما يقارب 19 في المائة من مساحة فلسطين، وخصوصا مناطق ب وج والتىي تشكل القلب لإسرائيل ولفلسطين في الوقت ذاته.

ويرون انه لا يوجد ما يدفع إسرائيل لتقديم تنازلات في هذا الشأن. والتصلب اكثر حول القدس وحل مشكلة اللاجئيين، وبهذه الرؤية يبتعدون عن خيار التعايش والبحث عن حلقات مشتركة. وفلسطينياً الوضع السائد ليس احسن فالسلطة الفلسطينية في أضعف حالاتها، وتعاني من مشاكل إقتصادية ومالية ، والتحدي الأكبر هو مرحلة ما بعد الرئيس وسيناريوهات الصراع على القيادة. والسيناريو الأكثر إحتمالا الذهاب نحو الصراع وإندلاع إنتفاضة جديدة مسلحة، والسلطة الفلسطينية في وضع لا يسمح لها بالذهاب بعيدا في إمكانية تقديم تنازلات في موضوع الإعتراف بيهودية إسرائيل، ولا ملف اللاجئين والقدس. وهو ما يؤكد إستبعاد الطرفان الرئيسان لأي خيارات للتسوية والتعايش، حتى الذهاب للخيارات الدولية فهذا غير مضمون، ويخضع لتقلبات السياسة في كثير من الدول المؤثرة وبروز دور التيارات الشعبوية وإحتمالات تفكك الإتحاد الأوروبي وخصوصا بعد فوز الرئيس دونالد ترامب الذي تجاهل حل الدولتين في مؤتمره الصحفي مع نتانياهو.

وعربيا يلاحظ التراجع الواضح في سلم وأولويات السياسات العربية، والتي لم تعد القضية الفلسطينية في ظل التحولات العربية، وإنشغال الدول العربية بتثبيت أنظمة الحكم فيها قضية أمن عربي، بل نلاحظ التطور الدراماتيكي في مفهوم العدو الذي يتهدد الأمن القومي العربي، والذي لم تعد معه إسرائيل لدى عدد من الدول العربية دولة عدو، بل يمكن التعاون والتنسيق معها لمواجهة تهديدات اخرى مصدرها إيران بسياساتها التوسعية، وهذا التحول هو الذي تعول عليه إسرائيل في قيام سلام وتطبيع علاقاتها مع الدول العربية.

ومن ناحية اخرى لم تعد الدول العربية تشكل عمقا إستراتيجيا ولا إقتصاديا للفلسطينيين، بسبب الحروب التي تنغمس فيها كثير من الدول العربية في اليمن وليبيا وسوريا. ودلالات هذا المتغير العربي انه يدفع في إتجاه الإبتعاد عن خيار التسوية الشاملة، رغم إدراكها أنه لا يمكن إقامة سلام مع إسرائيل بدون السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل. والتحول الذي يشكل تحديا وتهديدا لإمكانية خيار التعايش والسلام وصول ترامب للرئاسة الأمريكية، وتأكيده على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتأييده للإستيطان في الاراضي الفلسطينية ، ومهاجمته للقرار الأممي رقم 2334، ورغم إشارته لرغبته لتحقيق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلا إنه وإدارته ليس لديه تصورا شاملا لتحقيق السلام، ناهيك أن هذه الإدارة ستكون مشغولة بملفاتها الداخلية ، وبعض الملفات الإقليمية كالملف النووي الإيراني والدور الروسي والصيني ، وهو ما يعني تراجع الإهتمام بالقضية الفلسطينية وتسويتها تفاوضيا، ومما يدفع نحو مزيد من التصادم والعنف وبروز التيارات الشعبوية في أكثر من أوروبا بما تعنيه من تحولات في التوجهات السياسية للكثير من الدول الأوروبية، وهي توجهات قد تدفع لمزيد من بروز وتمدد الإرهاب والتشدد في العديد من الدول.

ومما يقوي من خيار الصراع والعنف ومزيد من القتل كما رأينا في عملية القدس الأخيرة، التباعد بين الشعبين الفلسطيني واليهودي وتنامي قيم الرفض وعدم القبول، وبناء جدارات عالية من الحقد والكراهية والعزلة رغم أن هذا يتناقض والحتمية الجغرافية والبشرية، وهي وحدانية الأرض التي يعيشان عليها والتداخل السكاني الذي لن تحول دون تدفقه أي عوازل أمنية أو إسمنتية ، وهذا الوضع يفرض على جميع الأطراف المعنية بسلام وإستقرار المنطقة أن تبحث عن الحلول والمقترحات البديلة لهذا الخيار، والبحث في كيفية تحقيق خيار التعاش المشترك، وهذا يتطلب مبادرات شجاعة أولا من طرفي الصراع تتعلق بالتحريض، وسياسات القوة ، وتوقف إسرائيل بإعتبارها دولة إحتلال ، فهي من يتحكم في الأرض والموارد وحركة السكان ، وهي من تعتقل وتحاصر الشعب الفلسطيني ، عليها أن تدرك أن هذه السياسات من شأنها أن تشجع على بروز مزيد من الرفض والتشدد، فلا يوجد شعب في العالم يقبل أن يذل من قبل شعب آخر.

في هذا السياق لا بد من مبادرات لبناء الثقة المتبادلة، والتعامل شعب لشعب، ومن منظور الحقوق الناقصة التي يعاني منها المواطن الفلسطيني، ويحتاج إلى مبادرات دولية كبيرة تقوم على بناء البنية التحتية للسلام ، وخصوصاً للفلسطينيين، وهنا يمكن أن تساهم الدول العربية بدور فعال بترجمة المبادرة العربية لواقع ملموس. السلام الناجح والدائم يحتاج إلى ركائز وبنى سياسية ديموقراطية، وحقوق مواطنة واحدة، وقبول للآخر. وهو السلام الذي يشعر به المواطن في فلسطين أولا، وفي إسرائيل ثانيا، بدون هذه المواطنة الآمنة لا يمكن تحقيق السلام، ويبقى هذا السلام مسؤولية فلسطينية إسرائيلية اولا، وعربية ودولية ثانيا.