مؤتمر اسطنبول وفراغات المنظمة

2017-02-27 06:27:00

ردود فعل الطبقة السياسية الفلسطينية الرسمية على مؤتمر اسطنبول، تثير الشفقة والرثاء وتعبر عن اقصى درجات العجز وقلة الحيلة، تحت شعار لا نريد أن نعمل ولا نريد لأحد أن يعمل، فالجمود هو واقع المرحلة، والتشبث بالمقاعد الفارغة هو أقصى ما يسعى اليه السياسيون، والتسابق على تفريغ الإطارات من مضامينها هو المهمة المفضلة لمن يعتبرون المواقع وجاهة والقيادة استعراضاً اعلامياً.

أعرف المغزى الكامن وراء مؤتمر اسطنبول، وهو ليس مطابقًا للشعارات التي رفعت عليه والتي تحدث بها الناطقون باسمه، فلا هو من اجل جمع الشمل، ولا هو من اجل انقاذ المشروع الوطني، ولا هو من اجل تنظيم سبعة ملايين فلسطيني يعيشون في الشتات، كل ذلك نعرفه حين نعرف بديهية ان العمل السياسي ليس عملاً خيرياً منزها عن الاجندات الظاهرة والمستترة.

فتحت الشعارات المجيدة أغراض خاصة، منها ما يهم تشكيلا سياسياً ومنها ما يهم افرادا يبحثون عن دور في الواجهة، ومنها ما يهم دولا ترى في الراية الفلسطينية مفتاحا ثميناً لتوسيع الزعامة الإقليمية والدولية وتثبيتها.

منذ تأسيس منظمة التحرير وكان ذلك في أوائل الستينيات، ظل الكيان الوليد مشروع استقطاب للأجندات العربية المتصارعة، فمن وافقت هواه دعمها وتبناها، ومن شكلت بالنسبة لأجندته عائقا ولو مؤقتا حاربها وحاصرها، غير ان الاختلاف حولها وفر لها من جهة أخرى حضوراً قوياً في العالم العربي المليء بالفراغات والتناقضات، وقد عاشت المنظمة على هذا الواقع سنوات طويلة، ومن خلال تبنيها للكفاح المسلح الذي كان مطلوبا على الصعيد الشعبي العربي بأسره، تكرست وثبتت حضورها وحصلت على اغلى واهم ما سعت اليه وهو وحدانية تمثيل الشعب الفلسطيني .

ارتاح العالم على هذه الحقيقة السياسية، اذ وجد عنوانًا للفلسطينيين يتحدث اليه ويتعامل معه، ومع كل الإنجازات السياسية التي تحققت في زمن المنظمة، الا ان الإنجاز الأهم كان وما يزال تكريس شرعية متكاملة لتمثيل الفلسطينيين والنطق باسمهم وحتى التفاوض على مطالبهم.

غني عن الذكر ان صعود المنظمة وتكرسها كانت ترافقه محاولات نزع وحدانية التمثيل منها، حتى ان احد هذه المحاولات كاد يتحقق في احد مؤتمرات القمة العربية، وبفعل التناقضات آنذاك وقوة مؤسسات منظمة التحرير نجا التمثيل الفلسطيني من الاحتواء والمصادرة، واستمرت المنظمة في أداء رسالتها دون تأثر يذكر بالحروب التي فرضت عليها، والساحات التي أُخرجت منها ، واكتشف الجميع ان كلمة السر هي التفاف الفلسطينيين حولها وعدم قدرة أي طرف على سلب التمثيل منها.

القلاع المحصنة غالبا ما لا تسقط مهما اشتد الحصار والهجوم عليها من خارجها، وانما من داخلها حين يبدأ الخلل ولا يعالج في حينه فيستفحل حد التحلل والانهيار، وهذا ما تعاني منه منظمة التحرير منذ قيام السلطة الوطنية وحتى يومنا هذا ، وبفعل عدم التوازن بين دور السلطة وامكانياتها ودور المنظمة واهمالها، ضعفت المنظمة كثيرا وضعفت السلطة أكثر وصار الضعف وقلة الحيلة هو سمة المرحلة ، في وضع كهذا يفكر كثيرون وبانتهازية مدروسة في اجتراح البدائل ولا يعدمون داعمين ومتبرعين وممولين ، فظاهر الامر مبرر وباطنه مختلف، والباطن يخفي دائما كل الاحتمالات السلبية والاخطار الكامنة .

العويل الذي لاحظته على مؤتمر إسطنبول، والعتب الرقيق الذي اظهره كثيرون على مؤتمر طهران ، والكلام المباشر وغير المباشر عن قمة العقبة السرية والدور الهامشي فيها لمنظمة التحرير ، كل ذلك لا يساوي شيئا في ميزان القوى ومعادلاتها ، فإظهار السخط والتذمر والادانة والقاء اللوم على المؤامرة والمتآمرين، والقوى المتربصة وأصحاب الاجندات، يسجل كدليل ضعف وليس كموقف يحسب له حساب، فاصحاب الاجندات لا تؤثر فيهم التنديدات والادانات، فما دام الاناء فارغا وبابه مفتوح على مصراعيه فالشاطر من يملأ.

اقترح وقف اللطم والندب ، فلحماية المنظمة ودورها طريق وآليات ما تزالان غائبتان، والامر لا يحتاج الى فعل ساحر يأتي بما يقارب المعجزة، فهو في متناول اليد لمن يريد حقاً تعديل المسار وابعاد الخطر .

كلمة السر هنا إعادة الحياة الى مؤسسات منظمة التحرير، ووضع خطط فعالة لتوثيق العلاقات بينها وبين فلسطينيي الشتات، ساعة إذ لا خوف من مؤتمرات وتجمعات اذ تكون المنظمة النشطة والقوية مالئة لكل الفراغات، ومحتوية لكل التيارات والاتجاهات.