هلوسات: يوم المرأة العالمي .... والخطاب الديني
يبدو أن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية قد عممت على خطباء الجمعة أن يكرسوا الخطبة للحديث عن الثامن من آذار، يوم المرأة العالمي. ومما لا شك فيه أن الوزارة قد أرسلت مجموعة من المحطات الرئيسية كي يتوقف عندها الخطباء، وتركت لكل خطيب تطويع هذه المحطات بكلماته الخاصة.
خطيب الجمعة حيث صلينا التزم بتوجيهات وزارة الأوقاف، وبدأ بالحديث حول الثامن من آذار منتقدا مسألة تكريس يوما للمرأة، ويوما للأم ويوما للعمال وهكذا ... لأن ذلك يشكل اهانه لكل من يتم الاحتفال بهم على حد قوله ، فالاساس هو الاحتفال بهم وتكريمهم ليس بيوم واحد في السنة وأنما على مدار ايام السنة.
خطيب الجمعة أيضا أورد معلومات تاريخية خاطئة حول مناسبة تكريس الثامن من آذار يوما عالميا للمرأة ولسنا هنا في صدد تصحيح المعلومة لأنه لو بذل هذا الخطيب أو غيره مجهودا أكبر في فحص صفحات المعلومات على الشبكة العنكبوتية لوجد أكثر من رواية على الأقل يلخص ما تم الاجماع عليه طالما أنه يقتبس دوما ما هو " متفق عليه".
خطيب الجمعة كان بارعا في سرد مجموعة الشواهد في الدين الاسلامي الحنيف التي تدعو الى احترام المرأة ومكانتها في الاسلام، وهل يختلف أحد على أن الدين الاسلامي كما باقي الديانات قد صاغ منظومة من الضوابط والأسس للعلاقات بين البشر ليس فقط فيما يتعلق بالمرأة بل بالعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها؟
لكننا دوما، نعود الى المربع الأول كما تفعل دائما خطب الجمعة، وكما يفعل دوما الخطاب الديني ، حيث يتم التركيز على الجانب النظري والعصر الذهبي للاسلام، ولا يعرض لنا مسألة التطبيق الفعلي وحال الواقع. وان قام بالعرض فانه يترحم " على أيام زمان" ويطلق العبارات والجمل العامة ويتلاعب بأدوات اللغة العربية من طباق وجناس وما شابه.
خطيب الجمعة تعرض الى تعامل الغرب مع المرأة، وركز في خطبته على ما يدغدغ عواطف المستمعين التي تتعلق بالشرف والعرض، وقام بالتعميم ولم يتطرق أبدا لأية ايجابية تتعلق بحقوق المواطن في العالم الغربي تضمنها أنظمته ( الوضعية) وقوانينها وتشمل ليس فقط الانثى بل والذكر.
ولكن السؤال :- طالما أن تعاليم الدين الاسلامي الحنيف ترتقي بمكانة المرأة، لماذا انطبعت لدى المجتمعات الغربية نظرة سلبية عن رؤية الاسلام للمرأة ومكانتها في المجتمع؟ لماذا لم يتطرق خطيب الجمعة لذلك؟
لماذا يرى الغرب تلك الجموع من مدّعي الاسلام وهي تذبح النساء في هذا البلد العربي أو ذاك، وهي تغتصبهن، وهي تشرّع احكاما تحت مسمى " نكاح الجهاد" وهي تمنعهن عن العمل والتجارة، وهي تحشرهن في الحجرات المقفلة الضيقة؟
لماذا لم ينبري المسلمون الحقيقيون الى اظهار الوجه الحقيقي للاسلام، أهو الخوف من جبروت مدّعي الاسلام، أم أن السكوت علامة الرضا؟ لماذا لم يركز الاعلام العصري وبضمنه الفضائيات على اظهار الاسلام بوصفه دين التسامح والمحبة والمؤمن بالله وملائتكه وكتبه ورسله دون التفريق بين أحد من رسله؟
هل قرأ الخطباء رواية " أنا ملالا"؟
كانت ملالا يوسفزي البشتونية ( مواليد عام 1997) طفلة أرادت في عهد طالبان أن تتعلم، ليس أكثر .. مطلب بسيط أيها الأحبة، أن تتعلم .. أن تقرأ، في الوقت الذي حاربت فيه وتصدت حركة طالبان لتعليم البنات. في التاسع من تشرين الأول لعام 2012 وعندما كانت ملالا في حافلة المدرسة، صعد مسلحون من طالبان الي الحافلة وصرخوا " أين ملالا .. أين ملالا " وسط الرعب الشديد من باقي الطالبات.
اقترب أحد المسلحين منها، َ وصوب مسدسه الى رأسها وأطلق ثلاث رصاصات لولا العناية الالهية التي الهمتها بازاحة رأسها ، لقتلت، اذ أصابتها رصاصة في جبينها الأيسر وبقيت الصغيرة ملالا فاقدة الوعي لمدة أسبوع لتنقل فيما بعد إلى مستشفى الملكة إليزابيث في برمنغهام في بريطانيا لتخضع بعدها الى فترة علاج تأهيلي.
وفقط بعد أن ثار الضجيج العالمي حول مأساتها، أصدر خمسون رجل دين اسلامي في باكستان بيانا أدانوا فيه القتلة الذين حاولوا قَتل ملالا، ورُغم ذَلك كررت حركة طالبان تهديدها بقتل ملالا ووالِدها ضياء الدين يوسفزي.
هل تتذكرون العراقية أطوار بهجت؟
كانت ملالا أوفر حظا من أطوار بهجب، فقد نجت بأعجوبة من موت محقق. أما أطوار طوار بهجت فقد كانت في الثلاثين من عمرها عندما كانت على موعد مع الموت قتلا في الثاني والعشرين من شباط عام 2006.
تلك الكاتبة والأديبة والصحفية العراقية صاحبة الديوان الشعري الرائع " غوايات البنفسج" التي عملت بعد احتلال العراق لعدة قنوات فضائية من بينها قناة الجزيرة الفضائية الى ان قدمت استقالتها منها احتجاجا وانتقلت للعمل في قناة العربية الفضائية حيث تم اختطافها ومن ثم اغتيالها من قبل تنظيم القاعدة، ويكفيكم أن تشاهدوا اعترافات القاتل الذي ينتمي الى ما سمي " جيش محمد".
أرصد أثناء الاستماع الى خطيب الجمعة ردود فعل المصلين، أكاد أدعي أن نصفهم يغط في سبات عميق، والربع يتثاءب ومن تبقى يستمع بلا مبالاة. وعندما بعد انتهاء الصلاة، تسلم علي يمينك يقع نظرك على أحد المصلين وقد حرم شقيقاته من الميراث، وعندما تسلم من على اليسار تنظر الى ذلك الذي ضرب أمه ضربا مبرحا وتتمنى ان لا تجول بانظارك هنا وهنا لتتحاشى النظر الى المصلين في الصفوف الأولى المترحمون دوما على تاريخ صدر الاسلام.
تقول أغنية لمطربة "كاسية عارية " ... " أنت نص .. وأنا نص .... انت آدم ... وأنا حوا ... يبقى صعب .. يبقى ظلم ... تعيش يا أدم وتموت حوا" وتقول أغنية أخرى أيضا لمطربة كاسية عارية " مصدومة ومش بنطق ولا عارفة أرد .. مصدومة علشان شكلو في عيني بقى مش ولا بد ". لماذا لا ندقق ببساطة الكلمات وعمقها ونكتفي بالحديث عن سفور المطربتين.
لا تقولوا لنا ما ورد في الدين الاسلامي الحنيف، فنحن نعرفه، ونعرفه جيدا، بل قولوا لنا كيف تطبقونه أنتم كي تكونوا فعلا مثلا نحن نحتذي به ونتعلم منكم، قولوا لنا كيف نعمم التطبيق الخلاق لتعاليم الدين الحنيف، قولوا لنا كيف تتصدون أنتم لمروجي الصورة غير الحقيقية عن الدين كي نتعلم منكم، وقولوا لنا كيف نعمل معا لتعميم التعاليم الدينية ليس فقط في محيطنا الضيق بل عالمنا المتسع.
أخرج من صلاة الجمعة مع جموع المصلين، أسير متجها نحو منزلي وأنا أتذكر الشاعرة الشابة الشجاعة الجريئة ميسون السويدان ابنة الداعية الإسلامي الكويتي المعروف الدكتور طارق السويدان عندما كتبت تغريدة على صفحتها الالكترونية تقول: انها تتيه في شوارع مكة تبحث عن الله... ولم تجده في الحرم..!! وعندما ثار الجدل حول تغريدتها كتب تقول:-
" أتظنونني سأسكت عنكم يا مكفّرون؟؟ لا والله لن أسكت.. لم أتمسّك بديني كل هذه السنين في الغرب حتى يأتي "المسلمون" ليسلبوني إياه ، لقد عدنا والله إلى الجاهلية، أنتم تعذّبون المسلمين بالشتم حتى تخرجوهم من دينهم..وأنا والله لن أخرج من دين الله ولو كره المكفرون ... هذا الدين الذي تدافعون عنه ليس بديني هذا صحيح.
أنا ديني الإسلام والرحمة وأنتم دينكم التكفير والنَّقمة . لم أذهب إلى مكة لأرى من يدَّعي أنَّه يمثِّل الدين يضرب أرجل النساء بالعصا ويهشّهن كالغنم.. أنا لست بعيراً بيد راعٍ ... أنا إنسانة جاءت لتقلى ربها، لم أذهب إلى مكة كي أرى متاجر إسرائيل على بُعد خطوات من بيت الله الحرام. لم أذهب إلى مكة لأرى آلاف الفقراء المساكين يقفون بين يدي الله بأثوابهم البالية فيجبرهم الإمام أن يدعوا للملوك والسلاطين الذين لا يصلّون أصلاً.
لم أذهب إلى مكة ليبكي قلبي ما فعلتموه بهذه المدينة الطاهرة.. بالمسجد الحرام،ذهبت إليها بحثاً عن الله..فلم أجدْه عندكم.. نعم،ما وجدته إلا بقلبي. لو أنّي بحثت عن الله في مكّة.. أو في مذهبكم التكفيري العنيف الملطّخ بالدماء لكَفرتُ من زمان…هذا صحيح.. فالحمد لله أنّي لم أبحث عنه إلا بقلبي .
إن لم يسعنا الإسلام جميعاً - فاذهبوا أنتم. أنا هنا في رحاب الله باقية. مسلمة أنا لن أتخلّى عن ديني ولو قاتلتموني عليه بالسلاح. أنتم قتلتم الحلّاج … أنتم قتلتم الروحانية في مكة..
أنتم قتلتم الله في قلوب الناس.. أنتم شوّهتم دين الله ألا شاهت وجوهكم. مَن كان يعبد محمد بن عبدالوهاب - فإنّه قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت. أحدٌ أحدْ.. ربُّ المكَفِّرِ شيخُهُ… رب المكفِّرِ سيفُهُ… وأنا إلهي ليس يسكن في جمادٍ أو جسدْ… أَحدٌ أحَدْ … أحَدٌ أحَدْ …إن تضعوا حجر التكفير على صدري فلا أقول إلا: أحدٌ أحدْ.. أنا ما وجدتُك في بلدْ، أنا ما وجدتك في جسدْ، أنا ما وجدتك في سوى قلبٍ لغيرك ما سجدْ أَحدٌ أحَدْ … أحَدٌ أحَدْ … ربُّ المُكفِّرِ قاتلٌ … ربُّ المكفِّر مُستَبِدْ … وأنا إلهي في فؤادي…ليس يقتلُهُ أحَدْ " .
واردد أغنية عراقية كنا نغنيها في سبعينات القرن المنصرم تقول " للمرأة غنواتنا .. ولها محباتنا ... كلنا نغني نغني .. ونناضل ايد بأيد".
وبعد،
هل كانت المرأة العربية بشكل عام والمرأة الفلسطينية بشكل خاص بحاجة الى توجيه من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية لخطباء الجمعة لتكريس الخطبة حديثا عن الثامن من آذار ... يوم المرأة العالمي؟
..... ليتهم سكتوا.