ما تعمد ترامب اخفاؤه في خطابه امام الكونجرس حول داعش ومبلغ الستة تريليون دولار
تحدث الرئيس الاميركي الجديد دونالد ترامب في اول خطاب له امام الكونجرس عن العديد من القضايا الداخلية والخارجية التي تعكس طبيعة توجهاته وسياساته والتي ستكون اكثر اضطهادا للفقراء والاقليات " مثل تعديل "اوباما كير" في المجال الصحي وقضايا الهجرة " في الداخل واكثر عدوانية على المستوى الدولي من خلال حديثه عن اكبر ميزانية عسكرية في التاريخ الاميركي ومحاربة الارهاب حسب المفهوم الاميركي .
ولا اريد في هذه العجالة سوى التعليق على اثنتين من القضايا التي تطرق اليها ترامب لانها هي التي تهم القارئين الفلسطيني والعربي ، اولها المتصلة بمحاربة داعش في موطنه بالتعاون مع الحلفاء كما قال . وثانيها قوله بان الولايات المتحدة قد انفقت على الشرق الاوسط في العقود الماضية اكثر من " ٦" تريليون دولار ، كانت كافية لبناء اميركا مرتين او ثلاث مرات . فبخصوص" داعش " فلا شك بان ظهور هذا التنظيم واضرابه ، له علاقة بتحريف الاسلام على ايدي البعض منذ اكثر من اربعة عشر قرنا حتى يومنا هذا ، وبافكار وممارسات مذهبية لا علاقة لها بالسلام المحمدي الحنيف وجوهره القائم على الدعوة للدين الاسلامي بالحكمة والموعظة الحسنة وكسب العقول والقلوب بقوة المثال الانساني وليس بحد السيف كما ادعى بعض المستشرقين . ولكن من الضرورة بمكان ، الاشارة ايضا الى ان تمدد وانتشار "داعش" في غير بلد عربي واسلامي ، له علاقة ايضا بسياسات الاستعمار القديمة والحديثة ازاء شعوب المنطقة ولا سيما انشاء اسرائيل وتشريد الشعب الفلسطيني عن وطنه منذ عشرات السنين وتدمير ليبيا وسوريا والعراق ودعم اميركا والغرب لانظمة عربية رجعية ومتخلفة تحالفت وتتحالف مع اميركا والغرب واسرائيل من اجل البقاء في الحكم حتى لو كان ثمن ذلك اهدار الثروات العربية وحرمان الناس من حقهم في التعليم والرعاية الصحية وحتى من لقمة العيش والحياة كما يحدث في اليمن .
بهذا المعنى فانني اوافق على ما ذهبت اليه المرشحة الرئاسية الساقطة هيلاري كلينتون ، عندما قالت في كتابها حول "داعش" بان هذا التنظيم هو صناعة اميركية ’ طبعا" والرأي لي " ليس بالمعنى الحرفي وانما بالمعنى الضمني ، حيث ان سياسات اميركا والغرب ازاء الشعوب الاسلامية والعربية القائمة على حرمان الناس وتحديدا فئة الشباب من ابسط حقوقها الانسانية هي المسؤولة عن نمو "داعش" وتحوله الى تنظيم كبير ومنتشر وعابر للقارات من ناحية ولان" داعش " تمارس ذات الممارسات التي مارستها الراسماليةالامريكية المتوحشة عندما ابادت الهنود الحمر , وجربت القنابل النووية على البشر في ناجازاكي وهيروشيما وقتلت الناس باليورانيوم المخصب في العراق , والقائمة طويلة من ناحية اخرى .
وحتى تكتمل معالم الصورة من جميع جوانبها ، لا بد من الاشارة الى انه وبصرف النظر عن سبب او اسباب ظهور "داعش" ، فان ظهور هذا التنظيم واخواته كان منسجما مع مصلحة اميركية في اختلاق عدو ما حتى لو كان وهميا " الاسلاموفوبيا" لتبرير استمرارها في انتاج السلاح وبيعه ، سيما بعد ان زال هذا المبرر بانهيار الاتحاد السوفييتي السابق وانتهاء الحرب الباردة .
من هذا المنطلق ، فانه كان واضحا لكل ذي بصيرة بان الولايات المتحدة لم تكن جادة في محاربتها لداعش في سوريا والعراق الا في حدود ضيقة بهدف حفظ ماء الوجه من ناحية وادامة الصراع من هذين البلدين الى ما لا نهاية ، طالما ان وقوده هو دماء عربية واسلامية وطالما ان استمراره يضمن لها في النهاية حماية امن اسرائيل من خلال الهاء العرب بصراعات جانبية تصرف نظرهم عن العدو الرئيس والخطر الاستراتيجي الذي يتهدد وجودهم جميعا وهو اسرائيل من ناحية اخرى .
ولا يغير من هذه الحقيقة ان الولايات المتحدة الاميركية قد اضطرت تحت زخم الانتصارات التي حققها محور المقاومة على" داعش" في سوريا والعراق بدعم روسي وايراني ، الى المشاركة في توجيه ضربات اكثر عنفا لهذا التنظيم من دون ان تخفي رغبتها في تبهيت تلك الانتصارات من خلال توجهها لاقامة " مناطق آمنة " في سوريا تفرغه من مضمونه .
من هذا المنطلق ، فانه يخطيء من يعتقد انه بالقوة العسكرية والحلول الامنية لوحدها يمكن القضاء على "داعش" ، لانه اذا لم تحل القضية الفلسطينية التي هي اساس كل الصراعات في المنطقة ، حلا شاملا وعادلا يضمن حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه وانجاز ثورات حقيقية في العالمين العربي والاسلامي تضمن للشباب تحديدا تحقيق احلامهم الحقيقية في التنمية والتطور والتعليم والصحة والقضاء على الفقر ، فان "داعش" حتى لو انتهت بشكلها الحالي ستظهر مجددا وتستقطب المزيد من الانصار الحاقدين والساخطين على كل ما هو قائم الى يوم تبعثون .
اما المسألة الثانية التي تطرق اليها ترامب وهي انفاق مبلغ 6 ترليون دولار على الشرق الاوسط ، فهنا وان كنت اشك بصدقية هذا الرقم لان جزءا مهما من فاتورة الحروب التي خاضتها اميركا في المنطقة قد مولها البترودولار العربي بشكل مباشر او صفقات السلاح الكبيرة ، فان ما تعمد ترامب اخفاؤه عن دافع الضرائب الاميركي هو ان الولايات المتحدة انفقت تلك الاموال على اسرائيل لضمان تفوقها الاستراتيجي على العرب ولضمان سرقة النفط العربي ووصوله اليها ولحلفائها في الغرب بأبخس الاثمان بدلا من ان تنفقه على التعليم والصحة ومحاربة الفقر والبطالة التي يعاني منها الشعب الاميركي .
على ضوء كل ما تقدم ، فان المطلوب اليوم هو تخلي كل من هو مخلص عن محاكمة الامور ورسم السياسات على اسس فتنوية ، دينية او طائفية او مذهبية ورؤية الصراع ببعده الوطني بين من هو وطني بصرف النظر عن دينه او طائفيته او مذهبه وبين انه غير وطني وموال لقوى العدوان والاستكبار في المنطقة والعالم .