المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية ... أي دور أمريكي جديد؟!

2017-05-01 07:59:00

لا يبدو إستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بعيدا، بل إن عودة هذه المفاوضات وهو مطلب ـ بل وشرط أمريكي قد تتم بعد زيارة الرئيس محمود عباس لواشنطن ، حيث ستكون المفاوضات وإستئنافها على جدول اللقاء بالرئيس الأمريكي. ولا اعتقد ان الفلسطينيين في موقف يسمح لهم برفض العودة لخيار التفاوض، وخصوصا ان هذا الخيار هو الخيار الوحيد الذي يلوح في افق الخيارات الفلسطينية .

فالفلسطينيون أمام خيارين: خيار القبول بالأمر الواقع بكل تداعياته السياسية السلبية ، وهذا الخيار يسمح لإسرائيل بالإستمرار في البناء الإستيطاني والتهويد، ودفن ما تبقى من جسد للدولة الفلسطينية ، ومن ناحية إستمرار حالة الإنقسام السياسي التي هي أيضا تجهض خيار الدولة الفلسطينية ، والقبول بالحلول المؤقتة، للقضية الفلسطينية، وتحويل السلطة إلى سلطة حكم ذاتي أقل من درجة دولة ، واعلى درجة من الحكم الذاتي ، بمنحها بعض الصلاحيات الإقتصادية، والخيار الثاني العودة للتفاوض مستفيدة من التغير في الإدارة الامريكية الجديدة، ورغبة الرئيس الأمريكي في تحقيق إنجاز تاريخي للوصول لتسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وهذا الخيار هو الخيار السيء بين الخيارات الاسوأ المتاحة الآن أمام السلطة الفلسطينية. والسؤال هنا ليس في المفاوضات كخيار ، ولكن في قدرة المفاوضات بعد أكثر من عقدين عليها على الوصول ليس فقط لتسوية تاريخية، وهذا مستبعد، ولكن لتسوية عادلة تحول دون تقديم مزيد من التنازلات المؤلمة التي قد تصل لسقف الحد الادنى من هذه المفاوضات؟

المطلوب اولاً تحديد الاهداف بشكل واضح ودقيق من هذه المفاوضات في هذه المرحلة ، وهنا التمييز بين الاهداف الإستراتيجية ، والاهداف التكتيكية ، او بعبارة أخرى الاهداف الممكنة في ظل المحددات القائمة للمفاوضات، والأهداف غير الممكنة.

وثانيا تحديد عناصر القوة والضعف على مستوى كل الاطراف والفاعلين للتفاوض، وثالثا تحديد الخيارات البديلة للمفاوضات فلسطينيا، وهذه نقطة في غاية الاهمية ، حيث لا يمكن الذهاب للتفاوض وكأن المفاوضات لا بدائل لها.

المفاوضات في هذه المرحلة تأتي في ظل متغيرات ومعطيات فلسطينية وإسرائيلية وعربية ودولية مغايرة تماما للمراحل التفاوضية الأولى ، وبمقارنة سريعة سنجد ان بيئة المفاوضات في مراحلها الاولى كانت أفضل بكثير مما هي عليه في المرحلة الحالية، فيكفي أن نذكر أنه في بداية المفاوضات كان للقضية الفلسطينية حضورها وهيبتها العربية والدولية ، وكانت المواقف العربية والدولية أفضل حالاً مما هي عليه الان، بل إن الوضع الفلسطيني كان أكثر تماسكا وقوة ، ولم يكن يعاني من الإنقسام السياسي ، وتسلخ الشرعية السياسية ، بل إن الطرف الإسرائيلي كان أكثر قبولاً للتفاوض من الان. ولم تكن المستوطنات في الاراضي الفلسطينية على كثافتها كما هي اليوم.

اما بيئة التفاوض الحالية فأكثر تعقيدا ،ولا توفر مقومات النجاح لمفاوضات مثمرة ، بإستثناء المتغير الأمريكي ووصول دونالد ترامب للرئاسة ورغبته في التسوية التفاوضية . وقبل الولوج الى بيئة المفاوضات الحالية نتساءل هل يمكن الرهان والتعويل على شخصية الرئيس الامريكي ، وقدرتها على فرض حل تفاوضي مقبول؟

خطورة المفاوضات كخيار لتسوية النزاعات الدولية أنها ترتبط بالتنازلات، بل تعرف بأنها فن التنازلات. وعادة التنازلات تنصب على الطرف الضعيف فيها، وهنا بلا شك الطرف الفلسطيني هو الاضعف، لكن في الحقيقة هو الطرف القوي لأن بيده القدرة على وضع حد لحالة عدم الإستقرار في المنطقة ، وأمن إسرائيل وبقائها مرتبط بالموقف والقبول الفلسطيني.

وفي إعتقادي هذه من أهم عناصر القوة التفاوضية بيد المفاوض الفلسطيني ،بالتأكيد على ان الخاسر الأكبر من عدم الحل وقيام الدولة الفلسطينية هو إسرائيل اولا والدول العربية ، والمصالح الإستراتيجية للولايات المتحده ثانيا، إستنادا لقاعدة تفاوضية ان الخاسر لن يخسر اكثر ممن خسر.

والمفاوضات كما نعلم كما في الحالة الفلسطينية تحدث وتتم في بيئة متعددة المستويات، وهنا صحيح ان البيئة الفلسطينية ليست من القوة التي تسمح لها بالمساومة اكبر، وأن البيئة الإسرائيلية للمفاوضات غير مشجعة على الإطلاق، في ظل أكبر حكومة يمينية متشددة في إسرائيل ترفض تجميد الإستيطان ، وترفض قيام دولة فلسطينية تحت أي مسمى ، لكن في الوقت ذاته يمكن للفلسطينيين للخروج من عناصر الضعف في هاتين البيئتين التركيز على البيئة العربية رغم ضعفها وتراجع أولويات القضية الفلسطينية ، لكن تبقى القضية الفلسطينية هي المخرج للعديد من مشاكل المنطقة وحل ملفاتها.

وهنا تكمن اهمية الربط ين السلام الإقليمي الذي يتم الحديث عنه والتمسك بالمبادرة العربية كما هي وقيام الدولة الفلسطينية ، والتعويل ايضا على البيئة الدولية ، وعلى الدور الأمريكي لكن دون المبالغة فيه. ولعل المتغير الذي يعول عليه الفلسطينيون والدول العربية هو الدور الأمريكي الجديد ، وقدرة الرئيس ألأمريكي على لعب وممارسة دور ضاغط اكبر على إسرائيل، عكس الوضع السابق في ولايتي أوباما. ففي ظل هذه الإدارة لا تملك إسرائيل اوراقا كثيرة للضغط على الرئيس الأمريكي .

هذا التصور للدور الأمريكي الجديد لا ينبغي ان يخرج عن إطار الإلتزامات الامريكية الثابتة إتجاه إسرائيل، وكما صرح الممثل الخاص للرئيس غرينبلات ان الهدف من اي تسوية وعملية سلام هو أمن إسرائيل وإستقرار المنطقة. فالأولوية للولايات المتحدة على أي أولوية أخرى هو أمن إسرائيل، وهنا التخوف من التصور الامريكي للمفاوضات والحلول المحتملة أو الممكنة. وفي هذا السياق هل يمكن أن تكون الدولة الفلسطينية أولوية أمريكية في هذه المرحلة ،وإذا ما تحقق هذا الهدف يكون المفاوض الفلسطيني قد حقق تحولا في مسار العملية التفاوضية.

لكن هذه فرضية تحمل في قلبها العديد من المخاطر والتنازلات. وخصوصا ما يتعلق بالإعتراف بيهودية إسرائيل كدولة وكيفية التعامل مع هذا الطلب ، وما يتعلق بملف اللاجئين الفلسطينيين ، والكل يدرك صعوبة وإستحالة تطبيق مبدأ العودة ، وحدود التنازل، وايضا الموقف المتعلق بالقدس، هذه ملفات سيطلب من المفاوض الفلسطيني تقديم تنازلات واضحه فيها، ناهيك عن طبيعة الدولة الفلسطينية وماهيتها.

ولعل الإشكالية الكبرى التي ستواجه المفاوض الفلسطيني إشكالية الحل التفاوضي المصحوب بالتنازلات وإشكالية اللاحل، وايهما أفضل وضعا للحالة الفلسطينية في ظل رؤية سياسية وإستراتيجية بعيده المدى لتسوية او حل تاريخي يحقق درجة اكبر من العدالة للموقف الفلسطيني.

المفاضلة والمقابلة مطلوبة بين الحل واللاحل وأيهما الأكثر واقعية لتحويل معطيات الصراع الحالية لمكاسب فلسطينية في المستقبل.

إستراتيجية الرفض على مدار الستين عاما واكثر هي ما حققت لإسرائيل ماتريد. والحل التفاوضي الواقعي ينبع من تفهم حقيقي لجوهر الصراع والوقوف على نقاط القوة والضعف في داخل إسرائيل، والتركيز على عناصر الضعف.إستراتيجية الحل افضل بكثير من إستراتيجية اللاحل لكنها تقوم على معطى إستراتيجي مهم وهو وقف التمدد ألإقليمي والسكاني للطرف الإسرائيلي. وهذا هي البداية في اي حل تفاوضي ناجح.