عيد العمال بلا عمال..!

2017-05-01 10:10:00

ليس صدفة أن تنطلق شعلة كفاح العمال في بلد كان ناهضاً آنذاك مثل الولايات المتحدة الأميركية في ثمانينات القرن قبل الماضي والتي سميت أرض الفرص حيث مئات آلاف العمال وجدوا لهم وظائف في تلك الأرض،  وليس صدفة أن يلتقط الحدث التاريخي بعد عقود دولة مثل الاتحاد السوفيتي الذي قام فكره على العمال والطبقة العاملة وهو البلد الذي وفر ملايين فرص عمل لأبنائه العمال وسعى لانصافهم.

هناك اقتصاديات هائلة وعابرة للقارات منذ أكثرمن مئة عام ومثلها في أوروبا وكندا وأستراليا وبالتالي هناك طبقة عاملة متبلورة تخوض صراعها مع رأس المال ولكن لماذا يحتفل العرب ذوو الاقتصاديات الفقيرة والتي تفشت في دولها البطالة في الشوارع بعيد العمال ؟ مجتمعات فيها كل طموح الشباب وأحلامهم الشباب ايجاد فرصة عمل حتى لو  دون المطلوب وبأجرة أقل وشروط أسوأ،  انطلقت فكرة عيد العمال من الاضراب الشهير في الولايات المتحدة عام 1886 والذي شارك فيه بولايتي شيكاغو وتورونتو حوالي 400 ألف عامل يطالبون بتخفيضهم ساعات العمل لثماني ساعات وحدثت جريمة اطلاق النار عليهم واعدام بعضهم بمحاكمات سياسية.

ولكن المشهد يبدو غريباً أكثر في فلسطين حيث انعدام الاقتصاد وانعدام فرص العمل وانعدام المصانع وانعدام أرباب العمل وانعدام طبقة عاملة والكتلة العمالية الأكبر تعمل في الاقتصاد الاسرائيلي من أبناء الضفة الغربية أما في قطاع غزة فلا شيء من هذا على الاطلاق والحديث عن العمال يبدو كأن لا علاقة له بغزة فليس بها سوى بعض ورش البناء وهؤلاء يعمل معظمهم بحوالي عشرة دولارات يومياً وبما يتجاوز عشر ساعات هذا ان توفرت مواد البناء وهنا يبدو الحديث عن العمال وحقوقهم وتحديد ساعات العمل والاحتفال بهم أشبه بنكتة في هذا الجو الساخر تماماً ككل الأشياء في غزة.

يمكن الحديث عن عمال سابقين أو من كانوا يعملون في الاقتصاد الاسرائيلي والذين كان تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية هو الكابوس الأسوأ في حياتهم والذي انتهى بفقدهم أعمالهم وتحولهم الى جيش هائل من العاطلين عن العمل وهؤلاء كانوا الأكثر انجاباً ارتباطاً بمدخولاتهم العالية فجأة تحولت عائلاتهم الى عبء شديد أدى ذلك الى ارتباك هائل في الأسر والعائلات وربما أن هؤلاء والذين لم تنتبه السلطة آنذاك لحجم الانزياح في التركيبة الاجتماعية وحجم تضررهم منها وعدم محاولتها حتى ايجاد حلول لم تنتبه بأنهم من انتقموا منها في انتخابات 2006 وهم من أحدثوا هذا التحول في النظام السياسي الفلسطيني والذي أدى الى سقوط حركة فتح التي أشرفت على تشكيل السلطة.

ما لدينا هو جيش كبير من الموظفين يزيد بأضعاف عن العمال الحقيقيين والذين يحتفلون بهذا العيد كانتصار لهم لدينا موظفي السلطة وموظفي حركة حماس وموظفي وكالة الغوث وكذلك موظفي منظمات المجتمع المدني ولا طبقة عاملة حقيقية الا من بعض الورش الصغيرة في الضفة الغربية وعمال غزة أو عاطلوها يستجدون عمل بكل الشروط المذلة ومع ذلك نحتفل بعيد العمال ونهنيء العمال.

لدينا جيش من البطالة الذي يتسول فرصة عمل حتى  بكنس الشوارع وهؤلاء يبلغ عددهم حوالي 385 ألف حسب الجهاز المركزي للاحصاء، أي لدينا جيش من الموظفين وجيش من العاطلين عن العمل وهؤلاء يحتفلون كل عام بعيد العمال.

منذ سنوات تجري حوارات مصالحة بين حركتي فتح وحماس واحدة من أبرز العقد فيها الموظفون الذين عينتهم الأخيرة بعد حكمها لغزة  وتأمين رواتبهم الى الدرجة التي استدعت تدخل دولة مثل سويسرا لمحاولة ايجاد حل،  أي منذ سنوات يدور الخلاف في الساحة الفلسطينية لرواتب 40 ألف رب أسرة وهم لا يشكلون سوى 10% من نسبة الباحثين عن راتب ، لكن العاطلين عن العمل يتامى لا أب ولا حزب لهم ولا أحد يضعهم على جدول أعماله ، هم يتامى بلا قبيلة على هامش السياسة والمجتمع،  ذات مرة سألت  عضو مكتب سياسي لحركة حماس وهو يتحدث عن أزمة الموظفين الذين عينتهم الحركة : هل تعتقدون أن بحل رواتب موظفيكم تنتهي أزمة الشعب الفلسطيني وماذا عن مئأت الألاف من الذين لا يجدون فرص عمل ؟كنت أحاول الاشارة الى أن لدينا أزمة أكبر وهي استمرار سلطة لا تتحكم باقتصادها هذا يعني الحكم على شعبنا بالفقر والموت جوعا.

الأزمة أولاً وأخيراً في اتفاق أوسلو الذي تم توقيعه كاتفاق مؤقت ارتضى الفلسطينيون ألا يكون لهم اقتصاد قادر على استيعاب عمالهم لمدة خمس سنوات لكن أن يتحول الى دائم هذا يعني بالقطع أن ننشغل باحصاء طوابير البطالة ولا عزاء للعمال الذين يعملون عشر ساعات ولا عزاء للمساكين العاطلين عن العمل واستمراراً لحالة العبث ، سينتقي كالعادة كثير  من المسئولين كلمات التهاني للعمال دون أن يعمل أي منهم على ايجاد فرص عمل لهؤلاء ...تصوروا حالتنا الساخرة..؟