مـاذا تـنـتـظـرون؟
الهجوم السافر على المسيرة الفنية المقامة في سياق مهرجان عشتار الدولي لمسرح الشباب، وما سبقه من هجوم عدواني على الفعاليات الفنية بجميع أشكالها، وكذلك الهجمة الشرسة المتواصلة على المنظمات النسوية والحقوقية وبرامجها وتخصيص صفحات مفتوحة على مصراعيها للتنمر ضد الحقوق الديمقراطية للنساء وضد المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان والتشهير بهم، كل هذا يرسم سياقاً عدوانياً مثيراً للقلق ويُصرِّح بما لا يترك مجالاً للشك بأنه قد أصبح لدينا «مليشيا» شبه منظمة، تتبنى خطة وأهدافاً تسعى إلى تحقيقها بالإكراه، وتنطلق من عدم الاعتراف بحق التفكير والتعبير ومن تحريم أن يكون لبعضنا ميول وأذواق خاصة بهم، وينصبون أنفسهم مسؤولين عن ذائقة المجتمع وميوله، وبالتالي تواصل أعمالها العدوانية واضعة جميع من تختلف معهم في الرأي والمعتقد ووسائل التعبير في القائمة السوداء الخاصة بهم للقضاء عليها.
ما يحصل ودون تشفير وتغليف للكلمات «تشبيح» وزعرنة من قبل جهات تعمل على فرض رأيها ووصايتها على المجتمع من خارج القانون، لأن المؤسسات التي يتم الاعتداء عليها قائمة بحكم القانون الذي ينظم عمل المؤسسات ويعطيها التراخيص اللازمة لتأديتها وفقاً للقوانين السارية والمقرة والمعمول بها، في ظل السلطة الفلسطينية باعتبارها الجهة الرسمية التي تتولى إدارة شؤون المجتمع، ولكن ما يثير الدهشة هو الصمت المريب للحكومة وأجهزتها عن القيام بدورها المنوط بها قانونياً، بردع كل من يأخذ القانون بيديه وتقديمه للقضاء، ما فتح شهية تلك المجموعات في القيام بالمزيد من التعديات، لاعتقادها أنها هي التي تتحكم بشؤون البلاد والعباد.
وحري بالقول إن تقصير الحكومة ليس بجديد أو مفاجئ، حيث انتهجت نهجاً وقفت فيه على الحياد لإرضاء الغوغاء وشراء سلمهم الزائف والموسمي، فقد ارتضت حرفيّاً أن تتجرد من الموقف وأحجمت عن حماية المؤسسات النسوية من الهجمة الشعواء المتواصلة بلا هوادة منذ أربع سنوات.
وهو موقف غير مستغرب على الإطلاق لأن تكريس الحقوق الديمقراطية لجميع الشرائح والفئات الاجتماعية وصوْن الحريات العامة وحق إبداء الرأي والتعبير وممارسة الفنون عامة لن يتم تطبيقها إلّا في ظل سلطة ونظام سياسي ديمقراطي يحترم ويدافع عن الحريات العامة والفردية والإبداع، نظام سياسي يدرك أهمية سلطة الفن والثقافة ويدرك قوة أعدائه ليقف مع حماية الفنون بجميع أنواعها بلا تردد، بينما تثبت الوقائع يوماً إثر يوم، أننا نسير بالاتجاه المعاكس لإقامة النظام الديمقراطي المنشود.
بكل تأكيد فإن تردد وتقصير الحكومة السابق أعطى الانطباع للهجمة السلفية بأن طريق التعديات سالك أمامهم، وأن بإمكانهم تحقيق الإنجازات تلو الإنجازات من خلال رفع القوانين المتعلقة بحقوق الأسرة عن طاولة الإقرار، وأن بإمكانهم شيطنة الاتفاقيات الحقوقية الدولية الموقعة كاتفاقية سيداو من خلال خطابات شعبوية تكفيرية بما يؤدي إلى انكفاء من يحمل لواءها أو حتى من وقعها!
وبالخلاصة شجّع التقصير والحياد الاتجاه المتطرف على تصعيد هجومهم على خصومهم واستخدام العنف الجسدي ممثلاً بضرب خصومهم، بما نقل المواجهة من الهجوم اللفظي المتركز على تكفير الآخر إلى استخدام القوة والعنف ضده.
الجهات الرسمية لا تعي أن الدفاع عن الحقوق والمبادئ وعن الفنون والإبداع التي جاء على ذكرها القانون الأساسي، يُعتبر عملياً بمثابة الدفاع عن التوازن في الحياة الاجتماعية وعن المجتمع، ويربط بين رسالة الفنون وتهذيب الأخلاق وإعادة الإنسانية للإنسان. وأن اعتباراتها يجب أن تنطلق في جميع الأحوال من واجب حماية التعددية والتنوُّع والحفاظ على هوية المجتمع الحضارية والديمقراطية، التي أطلقت هبّة وانتفاضة فنية لعبت دوراً وطنياً مشهوداً في نشر القضية الفلسطينية إلى العالم وفي سبيل تماسك النسيج الاجتماعي..
وغني عن البيان أن هؤلاء المتطرفين تغولوا على الآخر، لأنه سُمِح لهم بالتمادي، لأن الأجهزة الأمنية انتقائية في وضع الحدود والموانع خارج القانون، لأنها اشترت منهم بضاعة في ظاهرها يختلف عن ما في باطنها، فظاهرها ادّعاء الحفاظ على الدين بينما باطنها همه الحفاظ على المصالح وفرض السيطرة والوصاية على المجتمع أو تقاسمها مع السلطة السياسية. وفي الخلفية تجيير المكاسب للاتجاه السياسي المتطرف.
بالخلاصة على السلطة الرسمية وأجهزتها المكلفة بإنفاذ القانون أن تقوم بدورها المفترض وأن تردع أي فرد أو جهة تتعمد أخذ القانون باليد وتجاهر بذلك، لأن الوجه الآخر لهذه التعديات التي تقطر كراهية وحقداً وتحريضاً على الآخر، يشكل تحدياً للسلطة وهيبتها بداية، وهو ما يعني شرعنة، حالة من الفلتان المبطن، آخذة بالاتساع الخطر، وكلما سارعت إلى إعادة النظر بمواقفها المبهمة وغير المفهومة للمجتمع أنقذت ذاتها وأنقذت المجتمع من تغول تلك الفئة.
وأيضاً كلمة لا بد منها لقوى ومنظمات المجتمع المدني بكل مسمياتها وفي مقدمتها فصائل منظمة التحرير والقوى الاجتماعية التقدمية، المواجهة مع المتعصبين والمتطرفين من أعداء التنوع والتعدد، واقعة لا محالة وبالتالي لا يواجه هؤلاء بغرز الرؤوس بالرمال على طريقة النعام، بل بمواجهة تلك المخاطر التي وإن طالت الفنانين والمرأة راهناً؛ فإنها ستطال كل فكر إنساني تنويري تحرري عاجلاً أم آجلاً، لأنها ترفض الآخر المختلف رفضاً مطلقاً وتعمل على إقصائه واجتثاثه من الوجود لاحقاً متى سمحت الظروف، فهل تنتظرون عودة غودو؟؟؟