زمن شيرين
يحمل لي الهاتف الذكي ذكرى التقاط صورة ما، في حدث ما، وكثيرا ما يكون لشيرين علاقة بذلك الحدث، ذلك أن حياة العاملين في مهنة الصحافة والاعلام في بلادنا متشابكة مع الاحداث التي تستولي على القسط الاكبر منها….
اليوم جاءت صورة مع مجموعة من الزملاء في مسافر يطا، فأين كانت شيرين في ذلك اليوم وماذا قالت؟
كانت شيرين في جنين، أرسلت لها الصورة، فعلقت قائلة: عمي، تعالوا عندي على جنين…
اجبتها: لا يا عمي، جنين نزهة مع مسافر يطا، المسافر هي القصة الأصعب والأهم. هنا نقطع المسافات الطويلة في طرق صخرية شديدة الوعورة، ونلتقي بأناس يعيشون حياة بدائية قي الكهوف لأن سلطات الاحتلال تمنعهم من إقامة أي بناء.
كانت شيرين تخاطبني بكلمة عمي، وكانت تتعمد مط الكلمة، فتقول: عميييييييي وينك؟ شو عامل اليوم..تعال زورنا، تعال نزور فلان..،
فارق العمر بيني وبين شيرين سبع سنوات فقط، سبع عجاف، ومع ذلك كنت أحب صفة عمي التي أطلقتها علي…العم والد، العم صديق، العم شقيق..
ستبقى كلمة عمي ترن في اذني مدى الحياة، ستبقى علامة فارقة في حياتي على مر الزمن.
اليوم حمل لي الهاتف الذكي صورة مع نجوان سمري في حي الشيخ جراح، وشيرين، كما أعرف، هي محور حياة نجوان، لدرجة أننا، وليد العمري وأنا، كنا نطلق عليهن النكات خاصة عندما يسافرن مع بعضهن، وهو ما كان يحدث مرتين في العام، وكنا نسميها رحلة الشتاء والصيف.
أول ما تبادر لذهني عندها رأيت الصورة هو شيرين. قلت: هذه الصورة من زمن شيرين. أولا، نحن أخذنا الصورة كي نرسلها إلى شيرين لنخبرها أين نحن، وماذا نفعل، ونسألها هي وماذا تفعل…وهذا عادة ما يفعله الصحافيون، من مراسلين ومصورين ومنتجي أخبار أثناء عملهم الميداني، وهو عمل، غالبا ما يكون، محفوفا بالمخاطر.
وعندما أتذكر المخاطر التي نتعرض لها في تغطية الأحداث، فانني أتذكر عشرات الحوادث الخطيرة التي مررنا بهما والتي هددت حياتنا بشكل مباشر ، وكان من الممكن أن نكون قد سبقنا شيرين إلى دار الآخرة.
من هذه الحوادث حادثة اعتقالي في نابلس، وإطلاق سراحي عند منتصف الليل، أثناء منع التجول في المدينة.
سرت عند منتصف الليل، بعد اطلاق سراحي من معسكر حوارة قرب نابلس، في شارع تملأه الدبابات. مررت بالدبابة الاولى فصوب الجندي الرشاش نحوي. عشت لحظات ما قبل الموت، لحظات مشحونة، متوترة، مزدحمة بصور الأطفال والأم والشقيقات، لكنه لم يطلق النار.
مررت بدبابة ثانية، وعشت ذات الفصل، بعد أن فعل الجندي الشيء ذاته.
وصلت الى نقطة عسكرية على مشارف مخيم بلاطة، وقلت للجنود انني صحفي، وأن حياتي في خطر، وأنني اريد أن أبقى عندهم حتى الصباح.
في البداية رفض الجنود، لكن مع إلحاحي النابع من التشبث بالحياة حتى الرمق الأخير، قالوا لي: انتظر حتى نفحص الأمر مع القيادة.
جلست الى جانب الحاجز العسكري لحوالي الساعتين. أحد الجنود تعاطف معي وجلب لي ساندويتش، لكن بعد قليل جاء ضابط من معسكر حوارة المجاور وقال لي بان علي المغادرة فورا وانه لا يسمح لي البقاء قرب نقطة عسكرية. حاولت التفاوض والمراوغة لكنه كان حاسما ولم يسمح لي حتى بالكلام.
نظرت إلى الامام فلم أشاهد سوى سواد الليل، أرخيت أذني فلم أسمع سوى صوت الرصاص الذي يطلقه الجيش في كل اتجاه. مشيت حتى رأيت بيتا مضيئا، طرقت الباب، واذا برجل كبير في السن يخرج الي. رويت له الحكاية فرحب بي ضيفا في بيته. قال لي انه أضاء البيت رغم منع التجول كي يعطي الدواء لزوجته المريضة.
في الصباح خرجت ومشيت لاقع في حاجز عسكري ثان. احتجزني الجنود جانبا. اقترب أحدهم مني وقال لي: هل تعلم ماذا سافعل بك؟ قلت لا. قال: سأطلق النار على رأسك. ثم أضاف: سأنتظر اللحظه التي ينشغل فيها الجنود، وأطلق النار عليك، وأبلغهم أنك حاولت مهاجمتي…
حاولت مرواغة الموت الطافح من كلماته وملامح وجهه. قلت له: أنت لا تعرفني. أنا صحفي من أنصار السلام بين الشعبين، وعندي زملاء إسرائيلين في الوكالة التي أعمل بها، واحفظ أرقام بعضهم يمكنك الاتصال بهم..صدقني لن تستفيد شيئا من قتلي. قال لي: هؤلاء اليهود الذين يعملون معك يساريون يستحقون الموت مثلك. انهم كلاب مثل الفلسطينين. انتم كلاب. لقد اعطيناكم كل شيء لكنكم رديتم علينا بالعمليات الارهابية…
قدمت له محاججة طويله عن عبثية الموت والعنف وعن وردية السلام، آملًا أن يثنيه ذلك عن قتلي. ويبدو أنني نجحت، وربما لم يكن تهديده جديا…فبعد وقت قليل سمح لي بالمغادرة.
حادث آخر كنت شاهدا عليه، عندما قام مستوطن بضرب زميلي المصور عبد الرحمن خبيصة بقضيب حديد على رأسه أثناء تصويره لحدث قرب مستوطنة شيلو. حملت عبد الرحمن وهو ينزف الى السيارة وطلبنا الاسعاف. جاءت والدته بعد أن سمعت الخبر وهي منهارة. كانت تعتقد أنه قد مات. قالت وهي تبكي بحرارة: أسألك بالله، أن تخبرني هو عايش والا ميت…
أثارت الصورة مع نجوان كل هذه التداعيات وغيرها. قلت: هذه الصورة من زمن شيربن. فهو زمن مختلف. يمكن أن نسميه الزمن الجميل، فرغم كل ما عشناه فيه ومعه من مخاطر ومآسي الا أنه كان زمنا جميلا لأن شيرين كانت معنا، وكانت تضفي عليه شيئا من جمال روحها.
لقد اكتشفت بعد رحيل شيرين أنها كانت محور حياتنا. فلم يكن لدينا قصة الا وكانت شيرين الجزء الاجمل فيها. لم يكن لدينا حدث الا وكانت شيرين أحد محاوره الأجمل والارقى. الحدث الصعب والقاسي كان يتحول الى حدث مثير للاهتمام وشيق بحضورها. إننا نفتقد شيرين في كل حدث وكل حين.
العمل الصحفي بعد شيرين بات أقل أهمية وأفقر معنى. لقد اعترف لي وليد العمري قبل أيام بأنه فقد كل الشغف لمهنة الصحافة والاعلام الذي عرفناه عنه. وليد الذي لم يكن يأخذ إجازة من العمل الا وقت السفر، لم يعد لديه أي شغف بهذه المهنه التي أخذت شيرين. اتصلت به قبل أيام واذا به في مدينة حيفا. قال لي: اليوم إجازة. أخذت العائلة إلى البحر. قلت له: معقول؟ أبو بيسان يأخذ اجازة. قال لي بصوت خارج من بئر عميق من الحزن: بعد شيرين لم يعد لي رغبه في دخول المكتب.
نعم، بعد رحيل شيرين يختلف عما قبل رحيلها. بعد رحيلها فقدت الأشياء الجزء الأكبر من معناها ، وكأن الشمس كانت تشرق علينا من ناحيتها…