د. بشار الكرمي.. رحلة من الطب والعمل التطوعي إلى بناء تجربة مخبرية

2026-09-07 21:58:13

في حلقة جديدة من بودكاست «ضيف الرايـــة» برعاية شركة جوال، استضافت شبكة رايـــة الإعلامية، الطبيب والمختص في علم الأمراض السريرية، وعضو مؤسس في جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا، والمدير العام لشبكة مختبرات ميديكير، د. بشار عدنان الكرمي، في حوار جمع بين محطات شخصية ومهنية وإنسانية امتدت على مدار عقود.

الحلقة ابتعدت عن الحديث الطبي التقليدي، وفتحت مساحة للحديث عن فلسطين، والعمل العام، والتطوع، والثلاسيميا، وتطور القطاع المخبري، إلى جانب تجربة الكرمي الشخصية وقصة والدته التي وصفها بأنها «قصة فلسطين».

من طولكرم إلى دراسة الطب

استعاد الكرمي بداياته من مدينة طولكرم، حيث أنهى دراسته الثانوية في مدرسة الفاضلية عام 1978، قبل أن يتجه إلى الاتحاد السوفيتي لدراسة الطب في ظل عدم توفر كلية للطب في الجامعات الفلسطينية آنذاك.

أنهى دراسته عام 1985، ثم عاد إلى فلسطين لاستكمال سنة الامتياز وممارسة المهنة، قبل أن يتوجه إلى الأردن لاستكمال تخصصه في علم الأمراض السريرية وتشخيص الأمراض في مستشفى الجامعة الأردنية، إلى جانب حصوله على درجة الماجستير من كلية الدراسات العليا في الجامعة.

وأوضح أن اختياره تخصص علم الأمراض السريرية ارتبط باهتمام مبكر بهذا المجال، مشيرًا إلى أن جوهر الطب يقوم على التشخيص السليم والعلاج الصحيح، وأن الوصول إلى التشخيص الدقيق يمثل أساسًا مهمًا في رحلة علاج المريض.

وبيّن أن التطور الكبير الذي شهدته مجالات الأشعة والتصوير الطبي والمختبرات جعل التخصص أكثر أهمية وتعقيدًا، خصوصًا مع الارتفاع الكبير في عدد الفحوصات الطبية وتنوعها، الأمر الذي يتطلب اختصاصيين قادرين على الربط بين نتائج المختبر والطبيب المعالج.

«المختبر لا يشخّص.. الطبيب هو من يشخّص»

وشدد الكرمي على أهمية التكامل بين الطبيب والمختبر والأشعة، مؤكدًا أن المختبر لا يقوم بالتشخيص منفردًا، وإنما يوفر الأدلة والنتائج التي يستند إليها الطبيب في عملية التشخيص.

وأشار إلى أن الطب الحديث لم يعد قائمًا فقط على الخبرة السريرية وحدها، بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على أدلة وفحوصات ونتائج مادية يمكن التحقق منها وإعادة إنتاجها وفق المعايير العلمية.

وقال إن الطبيب يجمع معلومات متعددة عن المريض، من التاريخ المرضي والعائلي إلى طبيعة العمل ومكان الإقامة وغيرها، ثم يحدد الفحوص المناسبة من بين آلاف الاختبارات المتاحة.

تجربة في القطاع الحكومي والعمل الوطني

بعد عودته إلى فلسطين عام 1991، بدأ الكرمي العمل في الجهاز الحكومي، قبل أن يلتحق لاحقًا بوزارة الصحة بعد تأسيسها، حيث تولى إدارة المختبرات وبنوك الدم في الضفة الغربية حتى أواخر التسعينيات.

وأشار إلى أن مرحلة عمله الأولى جاءت في ظل الإدارة المدنية، قبل تأسيس وزارة الصحة الفلسطينية، لافتًا إلى أن مغادرته العمل الحكومي في إحدى المراحل ارتبطت، وفق وصفه، بأسباب «أمنية بالنسبة لهم ووطنية بالنسبة لنا».

الثلاسيميا.. تجربة تطوعية تحولت إلى قصة نجاح

من أبرز محطات مسيرة الكرمي مشاركته في تأسيس جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا عام 1996، ثم توليه رئاسة الجمعية لسنوات طويلة.

ووصف تجربة الجمعية بأنها «مدرسة»، مؤكدًا أن العمل الذي قامت به شكّل نموذجًا لإمكانية توحيد الجهود المجتمعية حول قضية صحية بعيدًا عن الاختلافات السياسية.

وأشار إلى أن من أبرز إنجازات التجربة تعزيز مفهوم الفحص الطبي قبل الزواج، الأمر الذي ساهم في خفض أعداد حالات الثلاسيميا الجديدة في فلسطين، إضافة إلى ارتفاع متوسط عمر المرضى بشكل ملحوظ.

وأوضح أن متوسط عمر مريض الثلاسيميا كان في حدود ثماني سنوات في مراحل سابقة، بينما أصبح اليوم في حدود 26 إلى 27 عامًا، مع وجود مرضى متزوجين ولديهم أبناء.

وأضاف أن فلسطين حققت تقدمًا كبيرًا في الحد من ولادات الأطفال المصابين بالثلاسيميا، وأن عام 2013 شهد عدم تسجيل حالات جديدة، قبل أن تؤثر الظروف وعدم الاستقرار لاحقًا في هذا المسار.

وأكد أهمية تجديد المبادرات والجهود للوصول مجددًا إلى هدف صفر ولادات جديدة بمرض الثلاسيميا.

«التباين السياسي لا يجب أن يفسد المشروع العام»

وتحدث الكرمي عن إحدى القناعات التي عمل على ترسيخها خلال تجربته في الجمعية، وهي أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يؤثر في المشاريع الصحية والمجتمعية.

وقال إن جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا استطاعت أن تجمع مختلف ألوان الطيف الفلسطيني حول قضية واحدة، وأن تضع المصلحة العامة للمريض فوق الاختلافات.

كما شدد على أهمية تداول المسؤوليات وعدم بقاء الأشخاص في مواقعهم القيادية إلى الأبد، موضحًا أن فكرة مغادرته رئاسة الجمعية كانت مطروحة منذ سنوات، قبل أن يتسلم د. إياد صندوق المسؤولية لاحقًا.

وأكد أنه، رغم مغادرته المنصب الرسمي، لا يزال ناشطًا في الجمعية ومستعدًا للمساهمة في الفعاليات والأنشطة والمهام التي يستطيع القيام بها.

انتقاد للمؤسسات الدولية تجاه مرضى الثلاسيميا في غزة

وفي حديثه عن مرضى الثلاسيميا في قطاع غزة، عبّر الكرمي عن خيبة أمله من مواقف المؤسسات المهنية الدولية المعنية بالثلاسيميا خلال الحرب.

وأوضح أن الجمعية الفلسطينية خاطبت جهات دولية وطالبتها باتخاذ مواقف واضحة لحماية المرضى والطواقم الطبية والمنشآت الصحية، مؤكدًا أن المطالبة لم تكن سياسية، وإنما إنسانية ومهنية تتعلق بحماية المرضى.

وقال إن عدم انحياز المؤسسات الدولية للمريض في لحظة ضعفه يمثل، من وجهة نظره، «وصمة عار» على هذه المؤسسات.

غزة.. «الأمل تضرر كثيرًا لكن الروح المعنوية مرتفعة»

وتطرق الحوار إلى تجربة الكرمي في زيارة قطاع غزة قبل الحرب، واللقاءات التي جمعته بأهل القطاع.

ووصف المشهد الذي رآه آنذاك بأنه كان يحمل الكثير من روح المبادرة والأمل والرغبة في تحقيق الإنجاز، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين في غزة كانوا يقدمون نموذجًا مختلفًا في الصمود والعمل.

ورغم الدمار والقتل الذي شهده القطاع، قال إن الروح المعنوية لدى الفلسطينيين في غزة ما زالت مرتفعة، وإن الأمل لدى الناس لم ينتهِ رغم حجم الألم.

وانتقد الكرمي ما وصفه بالصمت الدولي تجاه معاناة الفلسطينيين، متسائلًا عن معنى الإنسانية في ظل وجود حملات دولية لحماية البيئة والكائنات المهددة بالانقراض، بينما لا تُبذل الجهود نفسها لإنقاذ الإنسان.

وأضاف: «أحنا بخير.. لكن الإنسانية مش بخير»، في تعبير عن رؤيته لمعاناة الفلسطينيين وما يعتبره عجزًا دوليًا عن وقفها.

من فكرة صغيرة إلى 37 فرعًا.. قصة ميديكير

انتقل الحوار إلى تجربة ميديكير، التي وصفها الكرمي بأنها رحلة مختلفة بدأت من مشروع مخبري ناشئ، وصولًا إلى شبكة تضم اليوم نحو 37 فرعًا وأكثر من 2500 فحص طبي، ويعمل فيها نحو 150 من الأطباء والمتخصصين والعاملين في المجالات الطبية المخبرية.

وأوضح أن التجربة الأولى واجهت صعوبات وانتهت مع نهاية الألفية، قبل أن تبدأ محاولة جديدة عام 2001 لإعادة بناء الثقة بين المختبر والمواطن.

وأشار إلى أن الفلسطينيين كانوا في مراحل سابقة يضطرون إلى إرسال العينات الطبية إلى الخارج، أو إلى المختبرات داخل الخط الأخضر، للحصول على بعض الفحوص المتقدمة، ما كان يعني الانتظار لفترات طويلة وتحمل أعباء مالية ولوجستية.

وأكد أن الهدف كان بناء منظومة مخبرية فلسطينية قادرة على توفير الفحوص المتقدمة للمواطنين داخل فلسطين، وهو ما أدى لاحقًا إلى توسع شبكة ميديكير وانتشار فروعها في مختلف مدن الضفة الغربية.

الجودة.. «في الصحة لا مجال لأنصاف الحلول»

وتحدث الكرمي عن فلسفته في الإدارة والعمل، رافضًا وصفه بالشخص «الشديد» في الإدارة، ومعتبرًا أن ما يحرص عليه هو الإتقان.

واستشهد بمبدأ: «إذا عملها أحدكم عملًا فليتقنه»، مؤكدًا أن العمل في القطاع الصحي لا يحتمل أنصاف الحلول، لأن النتيجة قد ترتبط مباشرة بحياة الإنسان.

وأشار إلى أن ميديكير كانت من أوائل المختبرات الخاصة التي حصلت على شهادة ISO الفنية، وأنها عملت على دمج معايير الجودة ضمن منظومة البرمجيات الخاصة بها، بهدف تقليل الأخطاء ومراجعتها والتعلم منها.

وأكد أن الأخطاء البشرية واردة، لكن الأهم هو وجود نظام للمتابعة والمراقبة والتعلم المستمر والعمل على تقليل الأخطاء إلى أدنى مستوى ممكن.

الذكاء الاصطناعي يدخل مستقبل المختبرات

وفي حديثه عن مستقبل القطاع الطبي والمخبري، رأى الكرمي أن التطور السريع في الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات والتطبيقات والعلوم الوراثية سيغير طبيعة العمل خلال السنوات المقبلة.

وكشف عن تطوير مساعد يعتمد على التقنيات الحديثة لمساعدة المواطنين في الحصول على إجابات عن الأسئلة الأكثر تكرارًا، موضحًا أن المشروع لا يزال في مرحلة التجريب تمهيدًا لإطلاقه.

وأشار إلى أن الأتمتة والذكاء الاصطناعي يمكن أن يتوليا العديد من المهام داخل المختبرات، إلا أن ذلك لا يعني الاستغناء عن الإنسان، خصوصًا في المسؤوليات الطبية والقانونية التي تتطلب وجود شخص يتحمل مسؤولية القرار المهني أمام الجهات المختصة والقضاء.

«كل عينة هي قصة إنسان»

وفي معرض حديثه عن طبيعة العمل في المختبرات، قال الكرمي إن كل عينة تصل إلى المختبر يجب التعامل معها باعتبارها تخص إنسانًا قريبًا من العامل في المجال الصحي.

وأوضح أن فلسفته تقوم على أن كل حالة مرضية وكل عينة قد تكون مرتبطة بأب أو أم أو أخ أو أخت أو زوجة أو ابن، ولذلك لا يجوز التعامل معها باستخفاف.

وأكد أن القطاع الصحي لا يحتمل أنصاف الحلول، وأن الالتزام بالجودة والإتقان يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من ثقافة العمل.

والدته «ست منيرة».. قصة فلسطين في حياة امرأة

في الجانب الشخصي من الحلقة، تحدث الكرمي عن والدته «ست منيرة»، التي وصف قصتها بأنها تستحق أن تُروى، ليس فقط باعتبارها قصة شخصية، وإنما باعتبارها جزءًا من قصة فلسطين.

وأوضح أن والدته وُلدت في حيفا، وأن أحداث عام 1948 دفعت عائلتها إلى العودة إلى نابلس، وهي من عائلة قرمان، إحدى العائلات الفلسطينية العريقة، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى طولكرم بعد زواجها.

وأشار إلى أن والدته أمضت نحو 40 عامًا في مجال التربية والتعليم لدى وكالة الغوث، وأن مسيرتها تمثل نموذجًا للمرأة الفلسطينية التي عاشت تجربة اللجوء والنزوح، وأصرت على التعليم وبناء الأسرة وأداء رسالتها رغم الظروف الصعبة.

وكشف عن إعداد عمل يوثق حياة والدته ومحطات من مسيرتها، بالتعاون مع عدد من الصحفيين والمصورين، وبمشاركة الدكتور صائب بركات الذي أجرى مقابلة معها وزار حيفا للتصوير.

وأكد أن العمل المرتقب لا يوثق سيرة والدته فقط، بل يسعى إلى توثيق جانب من قصة الفلسطيني الذي غادر بيته، وعاش اللجوء، ثم واصل التعلم والعمل وبناء الأسرة والحياة.

حلقة تجمع بين المهنة والإنسان

واختتمت الحلقة بالتأكيد على أن تجربة د. بشار الكرمي تتجاوز الجانب الطبي، لتشمل العمل التطوعي، والصحة العامة، وريادة الأعمال، والعمل المؤسسي، وقضايا المرضى، إلى جانب تجربة شخصية تعكس جانبًا من الذاكرة الفلسطينية.

بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، يقدّم مساحة إنسانية ومهنية مفتوحة لسرد الحكايات الفلسطينية، وتسليط الضوء على شخصيات تركت أثرًا حقيقيًا في المجتمع، بعيدًا عن القوالب التقليدية للمقابلات الإعلامية.