د. أشرف سلامة في "ضيف الراية": من ذاكرة غزة إلى رسالة الطب والإعلام

2026-09-28 21:26:05

في حلقة جديدة من بودكاست «ضيف الرايـــة»، برعاية شركة جوال، استضاف الإعلامي أحمد عياش الطبيب والإعلامي الفلسطيني الدكتور أشرف سلامة، في حوار استعاد خلاله الضيف محطات مفصلية من حياته الشخصية والمهنية، وتوقف عند واقع القضية الفلسطينية، وذكريات النشأة في غزة، وتجربته في دراسة الطب وإدارة المستشفيات، وصولًا إلى انتقاله للعمل في الإعلام وتقديم البرامج الطبية.

واستهل عياش اللقاء بالترحيب بالطبيب سلامة، مستحضرًا رحلته من غزة إلى روسيا، ثم عودته إلى الوطن لاستكمال تدريبه الطبي في القدس، قبل انتقاله إلى رام الله، حيث جمع بين العمل الطبي والإداري والإعلامي. من جانبه، عبّر سلامة عن اعتزازه بعلاقته بشبكة راية الإعلامية، واصفًا إياها بالبيت الدافئ الذي ينتمي إليه، ومؤكدًا أن حضوره في البرنامج يشبه استضافة ضيف في بيته.

المشهد الفلسطيني.. سنوات من الضياع والحاجة إلى التغيير

وفي مستهل الحوار، تناول سلامة قراءته للواقع الفلسطيني، معتبرًا أن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة شديدة الصعوبة، وصفها بأنها من أصعب المراحل التي شهدها تاريخ النضال الفلسطيني، في ظل ما يراه من ضياع وتخبط على المستويين الوطني والمجتمعي.

وأشار إلى أن الفلسطينيين كانوا في مراحل سابقة رمزًا لقضايا التحرر الوطني على المنابر العالمية، قبل أن تتراجع هذه الصورة، وتتشتت الجهود، وتتراجع القدرة على تحديد المسار الذي تتجه إليه القضية.

ورأى سلامة أن المسؤولية عن هذا الواقع لا تقتصر على جهة بعينها، بل تشمل مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني، من القيادة إلى المواطنين، معتبرًا أن إهمال القضية الوطنية أسهم في إتاحة المجال أمام تراجع حضورها وتأثيرها.

وشدد على الحاجة إلى ضخ دماء جديدة، وتبني أفكار وأدوات مختلفة، والاستفادة من تجارب الشعوب التي تواصل تطوير مؤسساتها وتجديد قياداتها ومحاسبة المسؤولين عن أدائها.

وضرب عياش مثالًا من عالم كرة القدم، مشيرًا إلى أن التغيير غالبًا ما يطال اللاعبين والجمهور، بينما يبقى المدرب في مكانه، في إشارة إلى ضرورة تجديد القيادات والرؤى في الواقع الفلسطيني.

واتفق سلامة مع أهمية تجديد الفكر والأدوات، معربًا عن أمله في أن يتمكن الفلسطينيون من الوصول إلى مرحلة جديدة تحمل رؤية واضحة، وتعيد للقضية عافيتها ومكانتها.

غزة.. ذاكرة الطفولة التي لا تغيب

انتقل الحوار إلى غزة، حيث استعاد سلامة ذكريات طفولته ونشأته في المدينة، قبل مغادرته للدراسة عام 1989. ووصف غزة بأنها الذاكرة الجميلة التي تبقى حاضرة في حياة كل من وُلد فيها أو عاش على أرضها، مستذكرًا شوارعها الرملية وساحاتها التي احتضنت ألعاب الطفولة ومباريات كرة القدم بين أبناء الأحياء.

وتحدث عن بساطة الحياة آنذاك، وكيف كان الأطفال يجمعون ما يتيسر من المال لشراء قمصان رياضية وتشكيل فرق تمثل حاراتهم، رغم محدودية الإمكانات، مؤكدًا أن تلك التفاصيل الصغيرة أسهمت في تشكيل شخصيته وارتباطه بالمكان.

كما استحضر ما تعلمه في بيئته العائلية من معاني الانتماء الوطني والكرم والعطاء، موضحًا أن والده، الذي كان من القيادات الوطنية خلال الانتفاضة الأولى، أسهم في تشكيل وعيه الوطني منذ الصغر.

وقال إن غزة لم تكن بالنسبة إليه مجرد مكان للنشأة، بل كانت المدرسة الأولى التي تعلم فيها معنى الوطن والتضحية والوقوف إلى جانب الآخرين.

ولفت سلامة إلى أن أكثر ما يؤلمه عند استعادة تلك الذكريات هو إدراكه أن كثيرًا من الأماكن والشوارع التي عرفها في طفولته لن تعود كما كانت، في ظل ما تعرضت له غزة من دمار واسع خلال الحرب.

وأكد أن أهل غزة يتمتعون بكرم استثنائي، وأن الضيافة والعطاء متجذران في حياتهم، مستذكرًا مواقف وتجارب شخصية جعلته يرى في أهل القطاع نموذجًا للتمسك بالقيم الإنسانية والوطنية.

وفي هذا السياق، أشار عياش إلى زياراته المتكررة لغزة منذ عام 2016، مؤكدًا أنه لمس بنفسه طيبة أهلها وكرمهم، وأن محبتها لا تقتصر على أبنائها، بل يمكن أن تنشأ لدى كل من يزورها ويعيش تفاصيلها.

واستعاد عياش عبارة قال إنه يرددها لأصدقائه في غزة، مستلهمًا مقولة الحنين إلى نهر النيل، ليقول إن من يدخل غزة من بيت حانون سيظل يحن إليها.

الاعتقال في سن مبكرة.. تجربة صنعت ملامح الشخصية

ومن أكثر المحطات تأثيرًا في حياة سلامة، اعتقاله خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حين كان في نحو السادسة عشرة من عمره، بعد أيام قليلة من اندلاعها.

وأوضح أنه قضى فترة في سجن أنصار 2، الذي وصفه بأنه كان يتكون من أربع غرف فقط، مشيرًا إلى أن تجربة الاعتقال في ذلك العمر المبكر تركت أثرًا عميقًا في شخصيته، وأسهمت في تشكيل أفكاره وتوجهاته في الحياة.

وأضاف أنه تعرض للاستدعاء للاعتقال مرات عديدة خلال فترة الانتفاضة، موضحًا أن ما كان يحركه هو شعور وطني راسخ، في مرحلة كان فيها العمل الوطني، بحسب وصفه، قائمًا على العطاء دون انتظار مقابل أو وظيفة أو ترقية.

ورأى أن تلك التجربة، إلى جانب ما عاشه في محيطه العائلي والاجتماعي، ساعدته على فهم معنى الانتماء والمسؤولية، وعززت ارتباطه بقضيته وشعبه.

من حلم بيرزيت إلى روسيا.. رحلة دراسة بدأت بقرار صعب

كشف سلامة أن حلمه في البداية كان الالتحاق بجامعة بيرزيت، ومواصلة دوره الوطني من خلال الدراسة والحياة الجامعية، لكن والدته كانت تخشى عليه من الاعتقال المتكرر، وكانت تلح عليه بمغادرة البلاد.

وأوضح أن والده كان معتقلًا في ذلك الوقت، وأن والدته كانت تعيش قلقًا مستمرًا عليه، الأمر الذي دفعه في نهاية المطاف إلى التقدم بطلب للحصول على تصريح للسفر، رغم اعتقاده أن طلبه لن يُقبل بسبب وضعه الأمني.

واستعاد تفاصيل حصوله على التصريح عام 1989، موضحًا أنه تقدم بالطلب في 31 أيار/مايو، ثم استُدعي بعد خمسة أيام، ليُبلّغ بأن التصريح جاهز، لكن بشرط توقيعه على الإبعاد عن غزة لمدة ثلاث سنوات.

وقال إنه رفض الشرط في البداية، قبل أن يعود ويوافق عليه استجابة لرغبة والدته، التي كانت تطلب منه السفر حفاظًا على حياته.

وبعد مغادرته غزة، أقام نحو شهرين في قبرص، ثم انتقل إلى بلغاريا، حيث أمضى عامًا في دراسة تحضيرية ضمن تجربة وصفها بأنها أسهمت في بناء شخصيته القيادية وصقل قدراته.

وتحدث عن مشاركته في أنشطة اتحاد الطلبة الفلسطينيين، وتنظيم الفعاليات الوطنية، ومنها إحياء ذكرى يوم الأرض، مشيرًا إلى أن تلك التجارب منحته خبرة في العمل الجماعي والتواصل مع الآخرين.

الطب.. اختيار إنساني قبل أن يكون مهنة

وأوضح سلامة أن خياراته الدراسية عند التقدم للمنحة كانت الطب البشري، والطيران، وهندسة الأدوات الطبية، وأنه اختار الطب في المرتبة الأولى انطلاقًا من رغبته في ممارسة مهنة ذات بعد إنساني.

لكن المفارقة، كما روى، أن المنحة التي حصل عليها كانت لدراسة الطيران، قبل أن تتغير الظروف بعد تفكك الاتحاد السوفيتي واستقلال ليتوانيا، التي كانت وجهته الدراسية المقررة.

وعند إعادة ترتيب خياراته، أصر على دراسة الطب، مؤكدًا أنه كان يرى في هذه المهنة وسيلة لمساعدة الناس وتخفيف معاناتهم، حتى قبل أن يمتلك تصورًا كاملًا عن تفاصيل الحياة الطبية.

وبدأت رحلته الدراسية في روسيا، حيث درس اللغة في موسكو، ثم انتقل إلى مدينة كراسنودار على البحر الأسود، والتحق بأكاديمية كوبان الطبية، التي أنهى فيها دراسته.

وتحدث سلامة بإيجابية عن تجربته في المجتمع الروسي، مشيرًا إلى ما وجده من مساعدة واحتضان خلال سنوات الدراسة، ومؤكدًا أن تلك المرحلة تزامنت مع فترة مهمة من تشكل وعيه ونضجه الشخصي.

كما أشار إلى أن المجتمع الروسي كان على معرفة بالقضية الفلسطينية، وبالقيادة الفلسطينية ومنظمة التحرير، معتبرًا أن هذه البيئة ساعدته على الشعور بالاندماج والقبول.

من القدس إلى رام الله.. سنوات في الميدان الطبي

بعد إنهاء دراسته في روسيا، عاد سلامة إلى الوطن، حيث أكمل فترة الامتياز في مستشفى المقاصد بالقدس، ثم عمل في مستشفى الرعاية العربية في رام الله، خلال الفترة الممتدة من عام 1998 إلى عام 2001.

وأوضح أنه كان يتمكن في تلك المرحلة من زيارة غزة من خلال التصاريح الطبية، لكن الظروف تغيرت لاحقًا، ليجد نفسه بعيدًا عن مسقط رأسه لسنوات طويلة.

وقال إنه لم يتمكن من دخول غزة بين عامي 2001 و2013، كما أشار إلى أنه خلال الفترة الممتدة من عام 2001 وحتى ما بعد الانقسام الفلسطيني عام 2007، لم يكن يغادر حدود رام الله، خشية أن يؤدي حمله هوية غزة إلى ترحيله.

وعلى الرغم من صعوبة تلك الظروف، أكد أن سنوات عمله في رام الله كانت مليئة بالتجارب الإنسانية والمهنية، وأن علاقته بالمرضى والزملاء شكلت جزءًا أساسيًا من تجربته.

الطبيب الذي يرى في الإصغاء جزءًا من العلاج

وفي حديثه عن فلسفته في ممارسة الطب، شدد سلامة على أن الطبيب لا يقتصر دوره على التشخيص ووصف العلاج، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم الدعم النفسي والإنساني للمريض ومرافقيه.

وقال إن المريض يأتي إلى الطبيب وهو بحاجة إلى من يصغي إليه ويمنحه الوقت الكافي لطرح أسئلته، حتى إن كانت بعض هذه الأسئلة تبدو بسيطة أو غير منطقية من وجهة نظر الطبيب.

وأضاف أن بعض المرضى قد يعرفون الإجابة مسبقًا، لكنهم يحتاجون إلى سماعها من الطبيب، لما تمنحهم إياه من طمأنينة وثقة.

وشدد على أهمية أن يتحلى الطبيب بالصبر والحكمة ودماثة الروح، وأن يجيب عن أسئلة المرضى بطريقة علمية واضحة، دون تهويل أو تعقيد.

واستخدم صورة المريض الذي يشبه الغريق الباحث عن وسيلة للنجاة، معتبرًا أن الطبيب الحقيقي هو من يمد له يده، ولا يكتفي بمراقبته أو تقديم المعلومات له دون احتواء.

وأشار إلى أن هذه القناعة رافقته خلال عمله الطبي والإداري، وكانت من أبرز الأسباب التي عززت علاقته بالمرضى وأسرهم.

الإدارة الطبية.. الثقة ومحبة الناس أساس النجاح

وفي محور آخر، تحدث سلامة عن تجربته في الإدارة الطبية، موضحًا أن سنوات عمله في مستشفى الرعاية العربية قبل انتقاله إلى الإدارة المباشرة منحته خبرة واسعة في التعامل مع المرضى والزملاء والضغوط المهنية.

وأكد أن نجاح أي مسؤول في مؤسسة صحية لا يعتمد فقط على الشهادات والدورات والخبرات الأكاديمية، بل يرتبط بقدرته على بناء الثقة مع الناس، واحترام احتياجاتهم، والتعامل معهم بإنسانية.

وأشار إلى أنه كان حريصًا على البقاء قريبًا من المرضى، لدرجة أن عددًا كبيرًا منهم كان يحتفظ برقم هاتفه الشخصي ويتواصل معه عند الحاجة، حتى في ساعات الليل المتأخرة.

وقال إن المسؤول الإداري الناجح يحتاج إلى الموازنة بين تطبيق الإجراءات والسياسات من جهة، والحفاظ على علاقته الإنسانية مع الموظفين ومتلقي الخدمة من جهة أخرى.

وأضاف أن امتلاك عشرات الشهادات لا يضمن النجاح إذا غابت القدرة على التواصل مع الناس وكسب ثقتهم، معتبرًا أن محبة الناس كنز يحتاج إلى رعاية مستمرة، مثلما يحتاج الإنسان إلى رعاية أبنائه وتربيتهم.

وكشف سلامة في حديثه عبر شبكة رايـــة الإعلامية، أن نجله يزن تخرج حديثًا في كلية الطب، وأن أول نصيحة قدمها له كانت ضرورة التمييز بين ما يتعلمه الطالب في الجامعة وما يحتاج إلى تعلمه في الممارسة اليومية، وفي مقدمة ذلك احترام المريض وعدم الاستهانة بأي شكوى يطرحها.

وشدد على أن الطبيب يجب أن يأخذ شكوى المريض على محمل الجد، حتى إن بدت بسيطة أو غير مبررة من وجهة نظره، لأن المريض جاء إليه طلبًا للمساعدة ويستحق أن يحصل على إجابة واهتمام.

من العيادة إلى الشاشة.. الإعلام الطبي رسالة ومسؤولية

وفي استعادة لبداياته الإعلامية، أوضح سلامة أن دخوله مجال تقديم البرامج الطبية جاء بمحض الصدفة، عندما طُلب منه المشاركة في برنامج طبي على تلفزيون فلسطين خلال شهر رمضان عام 2012.

وقال إن فريقًا من القناة زاره في المستشفى لتصوير بعض المشاهد، قبل أن يقرر المسؤولون أن يقدم طبيب البرنامج بدلًا من صحفية، فوقع الاختيار عليه بعد مشاهدة صوره.

وأضاف أن الإعلامي ماهر الشلبي شجعه على خوض التجربة، مؤكدًا له أن عفويته وطريقته في التعامل مع المرضى هما ما يحتاج إليه البرنامج.

واستعاد سلامة مشاعر القلق التي رافقته قبل ظهوره الأول على الهواء مباشرة، لدرجة أنه جرح رأسه أثناء الحلاقة من شدة التوتر، لكنه تمكن من تجاوز التجربة، ليكتشف لاحقًا أنها كانت بداية مسيرة إعلامية جديدة.

وأشار إلى أنه قدم برنامج «صحتك بالدنيا» على تلفزيون فلسطين لنحو ست سنوات، واصفًا تجربته في القناة بأنها محطة مهنية مهمة، لما وفرته من مساحة للحوار الطبي وتقديم المعلومات الصحية للجمهور.

كما عبّر عن حزنه لإغلاق تلفزيون فلسطين، معتبرًا أن القناة كانت مؤسسة إعلامية مهنية تمتلك طواقم مدربة، وتوفر مساحة للتعبير والنقد البناء، مؤكدًا أنه لم يتعرض خلال عمله فيها لتدخلات في مضمون ما يقدمه.

وانتقل لاحقًا إلى شبكة راية الإعلامية، حيث واصل تقديم البرامج الطبية، قبل أن تتوقف تجربته التلفزيونية مع اندلاع الحرب على غزة.

وأكد أن اختياره العمل في الإعلام لم يكن منفصلًا عن رسالته الطبية، بل كان امتدادًا لها، إذ رأى في الشاشة وسيلة للوصول إلى جمهور أوسع وتقديم معلومات صحية موثوقة تساعد الناس على فهم قضاياهم الصحية.

وفي هذا السياق، حذر من الاعتماد على المعلومات الطبية المتداولة عبر الإنترنت دون التحقق من مصادرها، مشيرًا إلى أن انتشار أدوات البحث والذكاء الاصطناعي يجعل من الضروري التأكد من صحة المعلومات والرجوع إلى مصادر طبية موثوقة.

الحرب على غزة.. ألم شخصي يتجاوز القدرة على الحديث

احتلت الحرب على غزة مساحة واسعة من الحوار، إذ تحدث سلامة عن الأثر النفسي العميق الذي تركته الحرب عليه، في ظل وجود والدته وإخوته وأفراد من عائلته في القطاع.

وقال إنه خلال الأشهر الأربعة الأولى من الحرب لم يكن يتمكن من النوم بصورة طبيعية، بسبب القلق المستمر على أهله، والخوف من مصيرهم، إلى جانب الألم الذي يرافقه عند استحضار الأماكن التي نشأ فيها.

وأوضح أن الحديث عن غزة أصبح بالنسبة إليه أمرًا شديد الصعوبة، حتى إنه اضطر في فترات إلى التوقف عن التواصل مع بعض أصدقائه وزملائه هناك، لأنه لم يكن يعرف ماذا يقول لهم في ظل ما يعيشونه من مآسٍ.

واستعاد موقفًا مؤثرًا حين كان في طريقه إلى عمل يتعلق بإدخال أدوية إلى غزة عبر الهيئة الخيرية الهاشمية، وكان يحمل طعامًا بسيطًا لتناوله أثناء الطريق، قبل أن يتلقى اتصالًا من أحد زملائه في القطاع. وقال إن سماع صوت صديقه دفعه إلى وضع الطعام جانبًا بصورة تلقائية، بعدما استشعر حجم المعاناة التي يعيشها أهل غزة.

وأكد أن الحرب لا تقتصر على القصف والضحايا والدمار، بل تشمل تفاصيل الحياة اليومية القاسية، من الجوع والخوف والنزوح إلى انعدام أبسط مقومات الحياة.

وتحدث عن اتصالات تلقاها من أفراد عائلته خلال فترات التجويع، حين كانوا يضطرون إلى تقاسم وجبة واحدة بين عدد كبير من أفراد الأسرة، مشيرًا إلى أن هذه التفاصيل تترك جروحًا نفسية عميقة لدى من يعيشها أو يتابعها عن قرب.

وقال إن أهل غزة تحملوا العبء الأكبر من المعاناة، وإن من عاش تفاصيل الحرب لحظة بلحظة يدرك أن الألم اليومي لا يقل قسوة عن مشاهد الدمار التي تصل إلى العالم.

وأضاف أن توقفه عن تقديم البرامج الطبية خلال الحرب جاء نتيجة عدم قدرته النفسية على الحديث في موضوعات صحية اعتيادية، بينما كان أهله وشعبه يواجهون الموت والجوع والنزوح.

واستثنى من ذلك بعض الحلقات الرمضانية التي قدمها استجابة لطلب زملائه في راية، وكانت تتناول موضوعات صحية مرتبطة بالشهر الفضيل، مع إبقاء غزة حاضرة في مضمونها.

«أمي لا تريد العودة إلا إلى غزة».. حكاية الارتباط بالأرض

ومن أكثر اللحظات الإنسانية في اللقاء، حديث سلامة عن والدته التي تمكن من إخراجها من غزة بعد نحو ستة أو سبعة أشهر من اندلاع الحرب، نظرًا إلى تقدمها في العمر وحاجتها إلى الرعاية الطبية، إلى جانب إحدى شقيقاته.

وروى أنه عرض على والدته أن تعيش معه في رام الله، لكنها رفضت، وأبلغته بأنها لا تريد العودة إلا إلى غزة.

واعتبر أن هذا الموقف يلخص عمق ارتباط الغزيين بأرضهم، حتى في ظل الدمار والظروف القاسية، مشيرًا إلى أن كثيرين ممن اضطروا إلى مغادرة القطاع ظلوا يتطلعون إلى العودة إليه.

وتحدث عن مشاهدته فلسطينيين يسعون إلى الرجوع إلى غزة رغم الظروف الصعبة، مؤكدًا أن العلاقة بين الإنسان ومكان نشأته لا يمكن اختزالها في ظروف العيش أو توافر الخدمات.

وأضاف أن غزة بالنسبة إليه تمثل حبًا لا يمكن التنازل عنه، رغم ما حققه في رام الله من استقرار مهني ومكانة اجتماعية.

وقال إن أمنيته الكبرى تتمثل في أن يأتي يوم يستطيع فيه خدمة أهل غزة، بأي موقع أو دور، وأن يقدم شيئًا للناس الذين ينتمي إليهم، وللشوارع التي نشأ فيها، وللمكان الذي شكل هويته الأولى.

غزة ستنهض بسواعد أبنائها

وفي ختام حديثه عن القطاع، أعرب سلامة عن ثقته بقدرة غزة على النهوض من جديد، مؤكدًا أن إعادة إعمارها واستعادة الحياة فيها لن تتحققا إلا بسواعد أبنائها.

وشدد على أن أهل غزة يستحقون أن يعيشوا أيامًا أفضل، وأن يحصلوا على فرصة للحياة بكرامة وأمان، معربًا عن أمله في أن تكون هذه الأيام قريبة.

واختتم اللقاء بالتأكيد على أن تجربته في الطب والإدارة والإعلام تلتقي جميعها عند هدف واحد، هو خدمة الناس، وأن ما يبقى من رحلة الإنسان ليس عدد الشهادات أو المناصب التي حصل عليها، بل الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين، والثقة التي يبنيها معهم.

بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، يقدّم مساحة إنسانية ومهنية مفتوحة لسرد الحكايات الفلسطينية، وتسليط الضوء على شخصيات تركت أثرًا حقيقيًا في المجتمع، بعيدًا عن القوالب التقليدية للمقابلات الإعلامية.