الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:06 AM
الظهر 12:32 PM
العصر 4:00 PM
المغرب 6:41 PM
العشاء 7:57 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

في "ضيف الرايــة" برعاية جوال

من المخيم إلى الكتابة.. زياد خداش يستعيد حكاية تشكّل الكاتب

استضاف بودكاست «ضيف الرايـــة»، الذي تقدمه شبكة رايـــة الإعلامية برعاية شركة جوال، الكاتب والمعلم الفلسطيني زياد خداش، في حلقة تناولت جوانب من تجربته الشخصية والأدبية والتعليمية، واستعادت محطات من طفولته في المخيم، وبدايات علاقته بالكتابة واللغة، وتجربته في التعليم، وصولًا إلى الفقد الذي رافق السنوات الأخيرة من حياته، ورؤيته للأمل والحياة والإنسان.

وفي بداية الحلقة، وصف خداش الواقع الفلسطيني بأنه أشبه بـ«بلد وقع من طائرة»، في صورة مجازية تعكس حجم الخراب والألم الذي يراه، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن وجود الخراب لا يعني الاستسلام لليأس، مؤكدًا أن هناك دائمًا ناجين قادرين على إعادة البناء.

وقال إن الإفراط في بث الأمل قد يكون مؤذيًا إذا أعطى انطباعًا بأن كل شيء على ما يرام، مشددًا على أهمية الموازنة بين الأمل والاعتراف بالهزيمة والخراب والمشكلات، لأن الاعتراف بها، من وجهة نظره، يمثل خطوة باتجاه محاولة ترميم ما تهدم.

الأب.. البدايات الأولى لعلاقة زياد بالكتابة

استعاد خداش بداياته الأولى في المخيم، متحدثًا عن والده مصطفى خداش، الذي وصفه بأنه أحد أهم الأشخاص الذين شكلوا شخصيته وعلاقته بالكتابة واللغة.

وقال إن والده كان شاعرًا وقارئًا شغوفًا، وإنه لعب دورًا أساسيًا في تعريفه بعالم اللغة والأدب منذ طفولته، من خلال قراءة القصص له وتشجيعه على الكتابة، وتحفيزه على جمع المفردات واستخدامها في جمل.

وأشار إلى موقف من طفولته بقي حاضرًا في ذاكرته، عندما كان في الصفوف الابتدائية ويرى اسم الكاتب داوود إبراهيم منشورًا في صحيفة «الشعب»، وكان والده يشير إليه باعتباره جارهم الكاتب، ما أثار فضوله حول إمكانية أن يصبح اسمه يومًا مطبوعًا في الصحيفة.

وقال إن والده أخبره آنذاك بأنه إذا أراد أن يصبح كاتبًا أو شاعرًا فعليه أن يقرأ كثيرًا، فبدأ والده بتوفير قصص الأطفال له، وأنشأ له، عمليًا، عالمًا صغيرًا من الكتب على شرفة المنزل.

كما تحدث عن تشجيع والده له عندما بدأ يكتب محاولاته الأولى، وعن اصطحابه إلى المقاهي الشعبية وإظهاره أمام الآخرين باعتباره «كاتبًا وشاعرًا»، الأمر الذي ساهم، بحسب خداش، في بناء صورة إيجابية لديه عن نفسه ككاتب.

«ستكون كاتبًا في عصر التسعينيات».. نبوءة بقيت في ذاكرته

ومن أبرز الذكريات التي استعادها خداش رسالة تلقاها من الكاتب وجاره داوود إبراهيم عندما كان طفلًا، كتب فيها له: «ستكون يا زياد كاتبًا من كتاب عصر التسعينيات».

وقال إن هذه العبارة بقيت راسخة في ذهنه لسنوات، وكان يكررها أمام زملائه في المدرسة، حتى إنه كان يكتب في موضوعات الإنشاء أنه سيكون كاتبًا في عصر التسعينيات.

وأضاف أن النبوءة تحققت بالفعل، وأنه ظل يردد العبارة حتى السنوات الأخيرة، قبل أن يتذكر صاحبها الراحل داوود إبراهيم بالامتنان.

اللغة.. من المتنبي إلى إدوار الخراط

وتحدث خداش عن أثر والده في تكوين ذائقته اللغوية، مشيرًا إلى أنه كان يقرأ للجاحظ والمتنبي والمنفلوطي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وكان شديد التأثر بالمتنبي.

وقال إن والده كان يتعامل مع اللغة والشعر بحس مختلف، ويقرأ القصائد كما لو أنه يغنيها، ما جعله يكتشف مبكرًا إيقاع الكلمات وجمال المفردات.

كما تحدث عن تأثره في مرحلة لاحقة بالكاتب المصري إدوار الخراط، الذي وصفه بأنه أدخله إلى ما سماه «عتمة اللغة المضيئة»، حيث الهواجس والمناطق الداخلية للنفس، وما تحمله من فلسفة وغموض وشعر.

وأشار إلى أنه قلد الخراط في بداياته، ثم حاول لاحقًا التخلص من هذا التأثر والبحث عن صوته الخاص، مؤكدًا أن الكاتب يحتاج في مرحلة ما إلى أن يتجاوز أصوات الآخرين ليصل إلى صوته الشخصي.

الأب يطلب منه النزول من اللغة إلى الناس

وروى خداش أن والده لاحظ في إحدى مراحل كتابته أن النصوص تحتوي على كثير من الزخرفة والإيقاع اللغوي، وقال له إن الكتابة لا ينبغي أن تكون مجرد استعراض للغة، متسائلًا: «أين الناس؟ أين حكايات الناس؟ أين ألم الناس؟».

وقال إن والده طلب منه أن «ينزل»، في إشارة إلى النزول من عالم اللغة المجردة إلى تفاصيل حياة الناس وحكاياتهم اليومية.

ووصف تلك اللحظة بأنها كانت واحدة من أجمل مراحل تطوره، لأنها دفعته إلى الاقتراب أكثر من الناس والحياة والشارع، وتحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى مادة أدبية.

كيف يرى زياد خداش الأشياء؟

وفي حديثه عن طريقته في الكتابة، قال خداش إنه يرى الأشياء من خلال الحساسية والتعاطف والتقمص والخيال، موضحًا أن الكاتب لا يكتفي برؤية المشهد، وإنما يحاول البحث عما هو مخفي خلفه.

واستشهد بقصة طفلين كانا يدفعان عربة خبز في أحد شوارع رام الله، ولاحظ أنهما يتوقفان دائمًا في المكان نفسه وينظران باتجاه محل معين.

وبعد مراقبة المشهد، اكتشف أن الطفلين كانا يتوقفان أمام محل ألعاب، لأنهما لا يملكان القدرة على شراء ما يرونه، فكتب عن اللحظة باعتبارها مثالًا على «الألم المخبوء» خلف مشهد عادي.

وقال إن مهمة الكاتب والشاعر تتمثل في استخراج «اللا عادي من العادي»، ورؤية الألم المختبئ خلف الضحكة، والدمعة التي قد تختبئ وراء ابتسامة.

الدهشة موجودة عند الجميع.. لكن التعبير عنها مختلف

واستعاد خداش موقفًا آخر شاهده على شاطئ البحر، عندما كان ينظر إلى مشهد الغروب، ولاحظ شخصًا أجنبيًا يقف إلى جانبه ويقول: «واو».

وأوضح أنه اكتشف من خلال الموقف أن الدهشة تجاه الأشياء الجميلة موجودة لدى جميع البشر، لكن الفرق يكمن في القدرة على التعبير عنها وتحويلها إلى نص أو عمل فني.

الاسم والهوية والاغتراب

وتناول الحوار أيضًا مسألة الأسماء والهوية، مستعيدًا عددًا من القصص التي ارتبطت بأشخاص وأسماء تغيرت في ذاكرته أو في علاقاته اليومية، وصولًا إلى سؤال أوسع حول علاقة الإنسان باسمه وهويته.

كما تحدث عن تجربة دراسته في جامعة اليرموك، حيث فقد جواز سفره في الأيام الأولى، وعاش فترة من القلق والاغتراب بعيدًا عن بيئته وأصدقائه.

وقال إن تلك التجربة علمته لاحقًا أن المكان لا يصبح وطنًا بالضرورة بسبب جغرافيته، وإنما من خلال الأشخاص الذين يعيش الإنسان بينهم، والأصدقاء الذين يشاركهم أسراره وحياته.

وأشار إلى أن مدينة إربد أصبحت جزءًا من تجربته بسبب الأشخاص الذين تعرف إليهم فيها، ومن بينهم صديقه رمضان عبد الرحيم صافي، الذي اكتشف لديه صندوقًا مليئًا بالروايات العربية والأجنبية، واصفًا تلك الكتب بأنها كانت من الكنوز التي أسهمت في تشكيل تجربته الأدبية.

المعلم الذي تمرد على المدرسة التقليدية

وتطرق خداش إلى تجربته في التعليم، موضحًا أنه بدأ معلمًا تقليديًا لمادة اللغة العربية، لكنه شعر مع الوقت بأنه والطلاب عالقون داخل نظام لا يمنح مساحة كافية للمتعة والخيال والإبداع.

وقال إنه قرر البحث عن طريقة مختلفة للتعليم، وأن نقطة التحول جاءت عندما التقى مدير المدرسة ياسر القصراوي، الذي دعمه وسمح له بتقديم برنامج للكتابة الإبداعية.

ومن هنا، انتقل خداش من تدريس القواعد والإملاء بالشكل التقليدي إلى تدريس الكتابة الإبداعية والعمل أمينًا للمكتبة، وهي تجربة وصفها بأنها نقلته من «القالب» إلى مساحة أوسع من الحرية.

الأدباء داخل المدرسة

ومن أبرز جوانب تجربته التعليمية، استضافة كتاب وشعراء وفنانين داخل المدرسة، بحيث يلتقي الطلبة مباشرة مع الأدباء بدل أن تظل علاقتهم بهم محصورة في الكتب والمناهج.

وقال إنه استضاف خلال التجربة عددًا من الأسماء الأدبية والثقافية، من بينهم ماجد أبو غوش، وعلي الخليلي، وجواد إبراهيم، وإسماعيل الهباش، وغسان زقطان، وخالد درويش وغيرهم.

ورأى أن دخول الكاتب إلى المدرسة يكسر الرتابة ويمنح الطلبة فرصة للتعرف إلى الأدب باعتباره تجربة حية، وليس مجرد نصوص محفوظة في الكتب.

كما انتقد ما وصفه بالأسوار الذهنية التي تحيط بالمدرسة، مؤكدًا أن التعليم يحتاج إلى الانفتاح على المجتمع والثقافة والحياة.

جائزة الدولة ومنح التجربة مساحة أكبر

وأشار خداش إلى أن حصوله على جائزة الدولة التقديرية عام 2015 عن مجموعته «خطأ النادل» منح تجربته شرعية ومساحة أوسع للحركة، بحسب تعبيره.

وأوضح أن الجائزة ساعدته في مواجهة بعض أشكال الرفض البيروقراطي التي كان يصطدم بها عندما كان يحاول تنفيذ أنشطة مختلفة مع الطلاب وخارج المدرسة.

كما تحدث عن تجربة تعليمية أثارت اهتمامًا واسعًا، ووصلت أصداؤها إلى خارج فلسطين، من خلال محاضرات وتجارب تعليمية وفيلم تناول تجربة «أساتذة متمردين».

الفقد.. عنوان السنوات الأخيرة

وانتقل الحوار إلى الجانب الأكثر حساسية في تجربة خداش، وهو الفقد، مشيرًا إلى أن السنوات الثلاث الأخيرة حملت إليه سلسلة من رحيل أشخاص مقربين، بينهم عمته حليمة، ووالده ووالدته وأختان، إضافة إلى عدد من أصدقائه وزملائه في الوسط الثقافي.

وقال إن الفقد انعكس بصورة غير مباشرة على كتاباته، وإن بعض هذه التجارب تسربت إلى النصوص دون أن يقصد ذلك بالضرورة.

وتوقف بشكل خاص عند قصة عمته حليمة التي لم تكن قد زارت بيت نبالا، رغم ارتباطها بذاكرة المكان، قبل أن يصطحبها في رحلة إلى القرية ثم إلى البحر.

عمة حليمة والبحر.. ذاكرة فلسطينية تتجدد

روى خداش تفاصيل زيارة عمته حليمة إلى البحر، مشيرًا إلى أنها أخبرته أن والدتها كانت قد اصطحبتها إلى البحر عندما كانت في الثانية من عمرها، وأنها لم تكن تتذكر تلك اللحظة.

لكن عندما وصلت إلى البحر في رحلتها الأخيرة، ترددت في الدخول بسبب الخوف، قبل أن تتقدم إلى الماء وتعيش لحظات من الفرح.

وقال إن المشهد حمل بالنسبة له دلالات أكبر من مجرد زيارة للبحر، لأنه لامس ذاكرة اللاجئ الفلسطيني الذي تحول البحر بالنسبة له من جزء طبيعي من الحياة اليومية إلى مكان بعيد وممنوع الوصول إليه في ظروف مختلفة.

ووصف صورة عمته والنساء اللواتي رافقنها وهن ينظرن إلى البحر بأنها صورة تختصر علاقة الفلسطيني بمكانه وذاكرته.

رحيل الأصدقاء وغياب الأصوات الثقافية

وتحدث خداش عن رحيل عدد من أصدقائه وزملائه في الثقافة الفلسطينية، ومن بينهم مازن سعادة، وأحمد يعقوب، ووضاح زقطان، وماجد أبو غوش، وعلي الخليلي، وأحمد حرب، وعبد الكريم الخشان.

واستعاد ذكريات خاصة مع بعض هؤلاء، مؤكدًا أن رحيلهم ترك فراغًا في حياته وفي المشهد الثقافي الفلسطيني.

وتحدث عن عبد الكريم الخشان بوصفه شخصًا مليئًا بالشغف، وعن مشروعه الثقافي واهتمامه بالترجمة والأدب.

كما استعاد ذكرى والده، الذي كان أول شخص يرغب في إخباره بالأخبار الجميلة المتعلقة بتجربته الأدبية، وهو ما جعل فقده أكثر قسوة بالنسبة إليه.

الصحة قبل الكتابة

وفي جانب آخر من الحوار، تحدث خداش عن الخوف من المرض أكثر من الخوف من الموت، معتبرًا أن الصحة تشكل الأساس الذي تقوم عليه الكتابة والقراءة والتفاعل مع الحياة.

واستشهد بتجارب عدد من الكتاب والأصدقاء الذين واجهوا المرض أو فقدوا بعض قدراتهم الجسدية أو البصرية، مؤكدًا أن فقدان القدرة على الرؤية أو الحركة يمكن أن يغيّر علاقة الكاتب بعالمه وبكتابته.

وتوقف عند تجربة الكاتب فاروق وادي، الذي كتب مقالًا أخيرًا يودع فيه القراء بعدما أصبح فقدان النظر يعيق قدرته على مواصلة الكتابة، معتبرًا أن تلك التجربة تلخص العلاقة الحساسة بين الصحة والإبداع.

من الألم إلى الأمل

ورغم حديثه المطول عن الفقد والمرض والخذلان، عاد خداش في ختام الحلقة إلى الأمل، مؤكدًا أنه لا يريد أن ينهي حديثه عند حدود الألم.

وقال إنه يحب أن يكون متفائلًا، حتى في ظل وجود أسباب كثيرة تدفع إلى اليأس، مستندًا إلى درس تعلمه من والده حول طبيعة الحياة وتكرار التجارب الإنسانية عبر التاريخ.

وأشار إلى أن البشر عاشوا الخلاف والخداع والقتل والخذلان قبل مئات وآلاف السنين، وأن هذه التجارب ستظل جزءًا من الحياة، لكن الإنسان يستطيع أن يتعامل معها ويتجاوزها.

واختصر رؤيته بالقول إن الألم والخذلان سيمران، وإن الزمن نفسه سيمضي، مؤكدًا أن الاستمرار في الحياة والقدرة على تجاوز التجارب الصعبة يمثلان شكلًا من أشكال الأمل.

واختتم برنامج «ضيف الرايـــة» حلقته مع زياد خداش، في حوار امتد بين الأدب والتعليم والذاكرة والفقد والوطن، وفتح مساحة للتعرف إلى جوانب شخصية وإنسانية من تجربة الكاتب والمعلم، الذي يرى في التفاصيل اليومية مادة للحكاية، وفي الكتابة وسيلة لرؤية ما قد يمر أمام الآخرين دون أن يلتفتوا إليه.

بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، يقدّم مساحة إنسانية ومهنية مفتوحة لسرد الحكايات الفلسطينية، وتسليط الضوء على شخصيات تركت أثرًا حقيقيًا في المجتمع، بعيدًا عن القوالب التقليدية للمقابلات الإعلامية.

Loading...