غيرنا العالم… فهل نتغير نحن؟
الكاتب: ربحي دولة
لم تعد القضية الفلسطينية اليوم كما كانت قبل سنوات في نظر العالم. فقد شهدت السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً في مواقف شعوب كثيرة وعواصم عديدة، وبدأت الرواية الفلسطينية تجد طريقها إلى الرأي العام العالمي بصورة غير مسبوقة. ولم يعد ما يجري في فلسطين شأناً محلياً يمكن تجاهله، بل أصبح قضية إنسانية وأخلاقية حاضرة في الشوارع والجامعات والبرلمانات ووسائل الإعلام.
لقد استطاع الفلسطيني، بصموده وتضحياته، أن يعيد القضية إلى واجهة الاهتمام العالمي، وأن يكسر كثيراً من الصور النمطية والروايات التي حاولت تغييب معاناته. وأصبحت شعوب كثيرة ترى في فلسطين قضية عدالة وكرامة وحقوق إنسان.
ولم تقتصر هذه التحولات على الشارع، بل امتدت إلى صناديق الاقتراع، حيث شهدت الانتخابات النصفية الأمريكية في نوفمبر 2026 تحولاً سياسياً لافتاً، تمثل في فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي النواب والشيوخ، في خسارة كبيرة للحزب الجمهوري وإدارة ترامب. وجاءت النتائج في ظل غضب شعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، وتأثير الحرب مع إيران على الاقتصاد والحياة اليومية للمواطن الأمريكي.
لقد وجه الناخب الأمريكي رسالة مفادها أن أولويات المواطن وحياته المعيشية يجب أن تتقدم على المغامرات العسكرية والصراعات الخارجية، وأن الشعوب تستطيع محاسبة حكوماتها عندما تشعر بأن سياساتها أصبحت عبئاً على حاضرها ومستقبلها. وهذا درس مهم في قدرة الإرادة الشعبية على إحداث التغيير.
وفي سياق آخر، سجل المجتمع العربي الفلسطيني داخل أراضي عام 1948 إنجازاً انتخابياً تاريخياً في انتخابات الكنيست، بحصول القوائم العربية مجتمعة على 19 مقعداً، وهو رقم قياسي غير مسبوق. وقد عكست هذه النتيجة ارتفاع المشاركة العربية والرغبة في مواجهة سياسات الحكومة الإسرائيلية، وما رافقها من تحريض وعنصرية وتهميش وإجرام بحق الفلسطينيين.
ورغم أن القوائم العربية خاضت الانتخابات ضمن قائمتين، فإن النتيجة أثبتت أن الصوت العربي عندما يتقدم فيه الشعور بالمصير المشترك والمصلحة الجماعية يصبح قوة سياسية يصعب تجاهلها.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف: شعوب تحاسب حكوماتها، ومجتمعات تتجاوز خلافاتها عندما يتعلق الأمر بمصالحها وحقوقها، بينما ما زلنا نحن عاجزين عن تجاوز انقسامنا الداخلي، رغم أننا أكثر الشعوب حاجة إلى الوحدة والتماسك.
فإذا كنا قد نجحنا في تغيير نظرة العالم إلينا، فلماذا نعجز عن تغيير واقعنا الداخلي؟ وإذا استطعنا أن نوحد أصواتاً بعيدة عنا حول عدالة قضيتنا، فلماذا لا نستطيع توحيد صوتنا نحن؟
ما زال الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة قائماً، وما زالت الخلافات السياسية تتقدم على المصلحة الوطنية، وما زال خطاب التخوين والاتهام والتحريض يستنزف طاقاتنا ويعمق الفجوة بين أبناء الشعب الواحد.
إن أخطر ما يواجه أي شعب ليس فقط حجم التحديات الخارجية، بل أن تتحول خلافاته الداخلية إلى حالة دائمة تضعف قدرته على مواجهتها. فالاحتلال يستفيد من الانقسام، والشعب الفلسطيني يدفع ثمنه سياسياً ووطنياً وإنسانياً.
وليس المطلوب أن نتخلى عن اختلافاتنا أو أن نتوقف عن النقد والمساءلة، فالتعددية حق والاختلاف ظاهرة صحية. لكن المطلوب أن ندرك أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن المعارضة لا تعني التخوين، وأن المصلحة الوطنية يجب أن تبقى أكبر من أي انتماء حزبي أو فئوي.
الوحدة لا تعني الاتفاق على كل شيء، بل تعني الاتفاق على الثوابت الوطنية، والاحتكام إلى الحوار والشراكة، واحترام إرادة الناس، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. وهي مسؤولية تبدأ من القيادات السياسية ولا تنتهي عند الأفراد والمؤسسات ووسائل الإعلام.
لقد أثبتت التجارب من حولنا أن الشعوب قادرة على التغيير عندما تمتلك الإرادة وتدرك أن مصيرها مشترك. وما شهدناه في الانتخابات الأمريكية، وما حققه المجتمع العربي الفلسطيني في انتخابات الكنيست، يؤكدان أن الصوت الشعبي يمكن أن يتحول إلى قوة مؤثرة عندما تتوفر المشاركة والوعي.
إن العالم الذي تغيرت نظرته إلينا ينتظر منا أن نكون على قدر تضحيات شعبنا وعدالة قضيته. وليس من المنطقي أن نطالب العالم بالوقوف إلى جانب حقوقنا، بينما نعجز عن احترام حق بعضنا في الاختلاف والشراكة.
لقد تغير العالم في نظرته إلى فلسطين، وهذه فرصة سياسية وأخلاقية وتاريخية لا يجوز تبديدها. لكن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: هل استطعنا تغيير العالم؟ بل أصبح: هل نمتلك الإرادة لتغيير واقعنا؟
فلسطين أكبر من الفصائل، وأكبر من الحسابات السياسية، وأكبر من كل خلاف عابر.
غيرنا العالم، أو على الأقل بدأنا نغير نظرته إلينا… فهل نمتلك الشجاعة لنغير أنفسنا، ونستعيد وحدتنا، ونكون على قدر فلسطين وشعبها وتضحياتها.




