الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:36 AM
الظهر 11:23 AM
العصر 2:24 PM
المغرب 4:51 PM
العشاء 6:08 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

القدس تُحاصر بالمستوطنات: مشروع لابتلاع المدينة ودفن حلم الدولة الفلسطينية

الكاتب: معروف الرفاعي

لم تعد المخططات الاستيطانية التي تعلنها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في القدس مجرد مشاريع لبناء وحدات سكنية جديدة أو إقامة أحياء إضافية للمستوطنين، كما لم يعد بالإمكان التعامل معها باعتبارها توسعًا عمرانيًا طبيعيًا في مدينة تخضع لسلطة بلدية الاحتلال. فما يجري على الأرض هو مشروع سياسي واستراتيجي متكامل، يستهدف إعادة رسم جغرافية القدس ومحيطها، وتغيير تركيبتها السكانية، وفرض وقائع يصعب التراجع عنها، وصولًا إلى فصل المدينة عن محيطها الفلسطيني، وإحاطتها بحزام استيطاني يمتد من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها.

 والخطورة هنا أن هذه السياسة لا تستهدف القدس وحدها، بل تضرب في جوهرها إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة، ذات سيادة واتصال جغرافي، وعاصمتها القدس الشرقية.

وما وثقته محافظة القدس خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 2026 يقدم دليلًا إضافيًا على اتساع هذا المشروع وتسارع وتيرته، فقد رصدت المحافظة، استنادًا إلى الإعلانات الرسمية الصادرة عن ما تسمى «الإدارة المدنية» وبلدية الاحتلال، وإلى توثيق مركز بيت الشرق، ما مجموعه 11 مخططًا ومشروعًا ونشاطًا استعماريًا خلال شهر واحد، توزعت بين إيداع مخططات جديدة، والمصادقة على مخططات أخرى، وطرح مناقصات لبناء آلاف الوحدات السكنية، إلى جانب أنشطة ومشاريع استيطانية أخرى. وتكشف التفاصيل أن سلطات الاحتلال أودعت مخططين لإقامة مبانٍ ومؤسسات عامة على مساحة إجمالية تبلغ 22.420 دونمًا، وصادقت على ثلاثة مخططات تتضمن إضافة وإنشاء 475 وحدة استعمارية سكنية على مساحة 14.501 دونم، فيما طرحت أربع مناقصات لبناء 1,629 وحدة سكنية جديدة في مستعمرات بسجات زئيف وجفعات هماتوس وجيلو ومعاليه أدوميم. وهذه الأرقام لا تشمل المنشآت العامة والتعليمية والصحية والدينية والتجارية التي تتضمنها بعض المخططات، ما يعني أن حجم التوسع الفعلي يتجاوز عدد الوحدات السكنية المعلن عنها.

لكن قراءة هذه الأرقام لا ينبغي أن تقف عند حدود الإحصاء، لأن توزيع المشاريع ومواقعها يكشفان عن سياسة تتعمد إحكام الطوق الاستيطاني حول القدس، وتعزيز الوجود الاستعماري في المناطق التي تربط المدينة بمحيطها الفلسطيني، فالمخططات الجديدة في راموت وهار حوماه، والمصادقة على مشروع الأبراج الثلاثة الذي يضم 470 وحدة استعمارية في منطقة أرمون هنتسيف بتلبيوت، والمناقصات في جيلو وبسجات زئيف وجفعات هماتوس ومعاليه أدوميم، ليست مشاريع منفصلة عن بعضها، بل حلقات في شبكة استيطانية تتوسع على حساب الأرض الفلسطينية، وتعيد تشكيل المجال الجغرافي والديمغرافي للمدينة وفق اعتبارات سياسية واستراتيجية واضحة، ولعل ما كُشف عنه في موقع فندق شبرد التاريخي بحي الشيخ جراح، من مخطط لإقامة 122 وحدة استعمارية في مبانٍ يصل ارتفاعها إلى 12 طابقًا، يمثل نموذجًا واضحًا لطبيعة المشروع الإسرائيلي في قلب الأحياء الفلسطينية. فالمسألة هنا لا تتعلق بإقامة وحدات سكنية فحسب، بل بالاستيلاء على موقع تاريخي تعود ملكيته إلى عائلة الحسيني، وإدخاله في دائرة المشاريع الاستيطانية من خلال إجراءات سلطات الاحتلال وما تسمى دائرة حارس أملاك الغائبين، وصولًا إلى تحويله إلى مشروع يخدم جمعية «عطيرت كوهانيم» الاستعمارية.

 وهذا ما يجعل الشيخ جراح، كما سلوان والبلدة القديمة ومناطق أخرى من القدس، ساحة مواجهة يومية بين أصحاب الأرض الذين يتمسكون ببيوتهم وتاريخهم، وبين مشروع استيطاني يسعى إلى تغيير هوية الأحياء المقدسية من الداخل، 
ولا يمكن فصل هذه المخططات عن المشروع الأكبر الذي يستهدف المنطقة الواقعة شرق القدس، وتحديدًا مشروع E1، الذي يشكل أحد أخطر مفاصل التوسع الاستيطاني الإسرائيلي. فهذا المشروع، الذي يمتد على مساحة تقارب 12 ألف دونم، يستهدف ربط مستعمرة معاليه أدوميم بالقدس ومحيطها الاستيطاني، وتوسيع الكتلة الاستيطانية شرق المدينة، بما يهدد التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ويزيد من عزل القدس عن محيطها الفلسطيني. وإذا ما مضت سلطات الاحتلال في تنفيذ هذا المشروع، فإنها لن تكون بصدد إضافة حي استيطاني جديد فحسب، بل ستضع حاجزًا جغرافيًا وسياسيًا بالغ الخطورة أمام أي تصور لدولة فلسطينية متصلة الأراضي، فضلًا عن تأثيره المباشر على التجمعات الفلسطينية الواقعة في المنطقة، وفي مقدمتها التجمعات البدوية التي تواجه خطر التهجير وفقدان أراضيها ومصادر رزقها.

إن مشروع E1، إلى جانب التوسع في معاليه أدوميم وجفعات هماتوس وجيلو وغيرها من المستعمرات، يعكس بوضوح الرغبة الإسرائيلية في تحويل القدس إلى مركز داخل كتلة استيطانية واسعة، تتصل بها المستوطنات المحيطة، بينما يُحاصر الوجود الفلسطيني ويُدفع إلى جيوب معزولة ومجزأة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن توسيع نطاق السيطرة الاستيطانية والبلدية الإسرائيلية حول القدس، وربطه بشبكة الطرق والبنى التحتية والمناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، يؤدي عمليًا إلى توسيع الحزام الجغرافي الذي تتحكم فيه إسرائيل على حساب المجال الفلسطيني، ويعزز واقع الضم الفعلي، حتى دون إعلان رسمي عن ضم كل منطقة على حدة.

ما يجب أن يدركه الجميع أن الاستيطان في القدس لا يقوم على بناء المساكن وحدها؛ فالمخططان اللذان أودعتهما سلطات الاحتلال في راموت وهار حوماه، على سبيل المثال، يتضمنان روضات أطفال ومدارس ومراكز تعليم للتوراة وكنيسًا ومؤسسات عامة وشبابية. وهذا يعني أن التوسع الاستيطاني يجري وفق رؤية متكاملة توفر للمستوطنين مقومات الاستقرار والتوسع السكاني والاجتماعي والديني، في الوقت الذي يعاني فيه المقدسيون من سياسات هدم المنازل، ورفض تراخيص البناء، ومصادرة الأراضي، وفرض الضرائب والغرامات، وحرمان أحياء فلسطينية كاملة من الخدمات والتخطيط العادل.

هذه سياسة تقوم على توفير كل مقومات الحياة والتوسع للمستوطن، مقابل جعل حياة الفلسطيني في مدينته أكثر صعوبة وكلفة، ودفعه تدريجيًا إلى مغادرة أرضه أو العيش في ظروف لا تسمح له بالتطور والاستقرار، وهذا التناقض ليس نتيجة خلل في التخطيط، بل يعكس جوهر سياسة التمييز والتغيير الديمغرافي التي تنتهجها سلطات 
الاحتلال في القدس منذ عام 1967.

ومن المؤشرات التي تستحق التوقف أمامها أيضًا ما وثقته المحافظة بشأن الأعمال الميدانية في الموقع المخصص لإقامة المقر الدائم للسفارة الأمريكية جنوبي القدس المحتلة، فالمسألة تتجاوز حركة الشاحنات والجرافات والحفر التي رُصدت في الموقع، إلى ما ورد في الوثائق الأرشيفية من ارتباط أراضٍ ضمنه بعائلات مقدسية، من بينها الخالدي والخليلي وحبيب ورزاق، إضافة إلى أرض مرتبطة بوقف ذري لعائلة الشيخ محمد الخليلي. ووفق ما أورده الرصد، فإن سلطات الاحتلال استولت على هذه الأراضي عام 1950 بموجب قانون أملاك الغائبين، عقب نكبة عام 1948، رغم اعتراضات أحفاد المالكين الأصليين على إقامة المقر فوقها.

وهنا تبرز أهمية أن تتعامل الولايات المتحدة، بما تمثله من ثقل سياسي ودبلوماسي، مع هذا الملف بمسؤولية قانونية وأخلاقية، وأن تضمن عدم استخدام أي مشروع تقيمه أو تدعمه في القدس لتكريس نتائج الاستيلاء على الأراضي أو الإضرار بحقوق أصحابها. فالموقف الأمريكي من حل الدولتين وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم لا يستقيم مع تجاهل الوقائع التي تسهم في تقويض هذا الحل على الأرض.

أخطر ما في هذا المشروع الاستيطاني أنه لا يهدف إلى زيادة عدد المستوطنين داخل القدس فحسب، بل إلى إحاطة المدينة بكتل استيطانية ضخمة، وتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية حولها، بحيث تصبح القدس الشرقية معزولة جغرافيًا عن رام الله وبيت لحم وبقية المدن والبلدات الفلسطينية. وعندما ننظر إلى خريطة المستوطنات والطرق الالتفافية ومناطق النفوذ الاستيطاني، ندرك أن المسألة تتعلق بإعادة تشكيل جغرافية الضفة الغربية، لا بمجرد التوسع في مدينة واحدة.

فالمستوطنات المحيطة بالقدس، إلى جانب مشروع E1 ومعاليه أدوميم والتوسع في جيلو وجفعات هماتوس، تشكل شبكة متصلة من السيطرة الإسرائيلية تقطع أوصال التجمعات الفلسطينية، وتضعف فرص التواصل الجغرافي بينها. أما توسيع نطاق بلدية الاحتلال ومناطق نفوذها، وتكريس ارتباط المستوطنات بالقدس عبر الطرق والبنى التحتية، فيؤدي إلى تمدد السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من محيط المدينة، ويزيد من صعوبة الوصول إلى حل سياسي يضمن حدودًا واضحة ومعترفًا بها للدولة الفلسطينية.

ومن موقعنا في القدس، فإننا لا نرى هذه المخططات على الورق فقط، بل نلمس نتائجها في حياة الناس اليومية؛ في الأراضي التي تُصادر، والبيوت التي تُهدد بالهدم، والتجمعات التي تحاصرها المستوطنات، والطرق التي تُغلق، والأحياء التي تفقد تدريجيًا اتصالها الطبيعي بمحيطها. ولذلك فإن الحديث عن الاستيطان في القدس ليس نقاشًا عقاريًا أو تخطيطيًا، بل حديث عن مستقبل المدينة وأهلها، وعن مصير المشروع الوطني الفلسطيني برمته.

ومن المهم التأكيد أن القدس الشرقية مدينة واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ حزيران عام 1967، وأن جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى ضمها أو تغيير وضعها القانوني والديمغرافي لا تكتسب أي شرعية دولية. فالقرار 242 الصادر عن مجلس الأمن عام 1967 أكد عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب، وجاء القرار 478 لعام 1980 ليرفض الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير وضع القدس، بما فيها القانون الأساسي الذي أعلن المدينة عاصمة لإسرائيل، واعتبر هذه الإجراءات باطلة ودعا الدول إلى عدم الاعتراف بها.

كما جاء قرار مجلس الأمن 2334 الصادر عام 2016 ليؤكد بصورة واضحة أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا تتمتع بأي شرعية قانونية، وتشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، مطالبًا إسرائيل بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية فورًا وبشكل كامل. ولم يقف الأمر عند حدود القرارات السياسية؛ ففي رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024، أكدت محكمة العدل الدولية أن نقل إسرائيل المستوطنين إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية، وإبقاء وجودهم هناك، يخالف المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، وخلصت إلى أن السياسات والممارسات الإسرائيلية، بما فيها التوسع الاستيطاني وضم الأراضي وتفتيت وحدة الأرض الفلسطينية، تنتهك حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

هذه المرجعيات القانونية تضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات واضحة، فلا يجوز التعامل مع الاستيطان باعتباره واقعًا عمرانيًا لا يمكن تغييره، ولا يجوز أن تتحول الوقائع التي تفرضها القوة العسكرية إلى حقوق سياسية أو قانونية مكتسبة. كما أن استمرار التوسع الاستيطاني، وخصوصًا في محيط القدس ومناطق E1، يضعف بصورة مباشرة إمكانية تطبيق حل الدولتين، ويقوض الأساس الجغرافي والسياسي الذي قامت عليه قرارات الشرعية الدولية.

ما يجري في القدس يجب أن يدق ناقوس الخطر لدى الأمتين العربية والإسلامية، فالمسألة لم تعد مرتبطة بمخطط هنا أو مناقصة هناك، وإنما بمشروع يسعى إلى حسم مستقبل المدينة من طرف واحد، وتغيير هويتها ومكانتها، وفرض واقع استيطاني يجعل استعادتها إلى حضنها الفلسطيني أمرًا بالغ التعقيد. وإذا كان المسجد الأقصى المبارك يمثل عنوانًا دينيًا جامعًا للمسلمين، فإن القدس بأحيائها ومقدساتها وأرضها وسكانها تمثل مسؤولية سياسية وتاريخية وأخلاقية لا يجوز اختزالها في موسم من التضامن أو بيان إدانة يصدر عقب كل انتهاك.
المطلوب اليوم من الدول العربية والإسلامية أن تنتقل من المواقف التقليدية إلى تحرك سياسي ودبلوماسي وقانوني منظم، وأن تستخدم علاقاتها الدولية وأدواتها الاقتصادية والسياسية للضغط من أجل وقف الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والتهجير القسري. كما أن المطلوب تعزيز صمود المقدسيين ودعم المؤسسات الفلسطينية العاملة في المدينة، وتوفير الإمكانات اللازمة لحماية الأرض والعقار والإنسان، وتفعيل الحضور العربي والإسلامي في المؤسسات الدولية، بما يضمن ألا تبقى القدس وحيدة في مواجهة مشروع يزداد اتساعًا وخطورة.

ومن الضروري كذلك العمل على توفير حماية دولية فعلية للشعب الفلسطيني في القدس وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يشمل حماية السكان المدنيين، ووقف التهجير والاستيلاء على الأراضي، وصون المقدسات الإسلامية والمسيحية، وضمان احترام القانون الدولي الإنساني، إلى حين إنهاء الاحتلال وتجسيد دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة، والحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، فالحماية الدولية ليست مطلبًا سياسيًا عابرًا، بل ضرورة تفرضها حقيقة استمرار الاحتلال وتصاعد إجراءاته التي تستهدف الوجود الفلسطيني ومستقبل الدولة.

وفي الوقت الذي نخاطب فيه المجتمع الدولي والأمتين العربية والإسلامية، فإن رسالتنا واضحة أيضًا إلى الحكومة الإسرائيلية الجديدة والكنيست: إن استمرار الرهان على الاستيطان ومصادرة الأراضي وفرض الأمر الواقع لن يجلب الأمن والاستقرار، ولن ينهي الصراع، بل سيعمق أسبابه ويغلق الأبواب أمام أي فرصة حقيقية للسلام، فقد أثبتت التجربة أن القوة العسكرية والتوسع الاستيطاني وسياسات الإقصاء لا تستطيع إلغاء شعب يعيش على أرضه ويتمسك بحقوقه الوطنية والتاريخية.

لذا ندعو الحكومة الإسرائيلية والكنيست إلى احترام الاتفاقيات الموقعة، وفي مقدمتها اتفاقية أوسلو، والالتزام بمبادئها، والعمل مع القيادة السياسية الفلسطينية على استئناف مفاوضات جادة ومسؤولة، بدلًا من مواصلة الإجراءات الأحادية التي تقوض فرص التسوية، كما ندعو إلى الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ حل الدولتين.

ولا يمكن أن نتجاهل أن المنطقة والعالم يشهدان تحولات سياسية مهمة، وأن هناك أصواتًا متزايدة في الولايات المتحدة وأوروبا وداخل المجتمع الإسرائيلي نفسه باتت تنتقد سياسات اليمين المتشدد والتطرف الديني والقومي، وتحذر من أن استمرار هذه السياسات يهدد مستقبل المنطقة وفرص التعايش والأمن. وهذه التحولات ينبغي أن تشكل فرصة لمراجعة المسار السياسي، لا مناسبة لمزيد من التصعيد والاستيطان. فالشعب الفلسطيني لا يطلب امتيازات استثنائية، وإنما يطالب بحقوقه المشروعة، وفي مقدمتها الحرية والاستقلال وتقرير المصير، وهي حقوق لا يمكن لأي حكومة أو كنيست أن تلغيها.

إن وقف الاستيطان، ووقف مصادرة الأراضي وهدم المنازل، والامتناع عن تغيير الوضع القانوني والديمغرافي للقدس، ليست شروطًا فلسطينية تعجيزية، بل التزامات تفرضها قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ومن دون احترام هذه الالتزامات، ستبقى كل الدعوات إلى السلام مجرد شعارات لا تجد طريقها إلى أرض الواقع.

ما وثقته محافظة القدس خلال شهر واحد يجب أن يُقرأ باعتباره إنذارًا سياسيًا واضحًا. أحد عشر مخططًا ومشروعًا ونشاطًا استعماريًا، ومئات الوحدات التي جرت المصادقة عليها، وآلاف أخرى طُرحت لها المناقصات، إلى جانب مشاريع تستهدف الأحياء الفلسطينية والمواقع التاريخية والأراضي ذات الملكيات الخاصة والوقفية. هذه ليست أرقامًا عابرة، بل ملامح مشروع يريد أن يسبق أي تسوية سياسية، وأن يفرض على الأرض حدودًا جديدة، ويجعل القدس محاطة بكتل استيطانية تفصلها عن عمقها الفلسطيني، فالخطر لا يكمن فقط في أن تتوسع المستوطنات، بل في أن يستيقظ العالم يومًا ليجد أن الجغرافيا التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية قد جرى تفتيتها، وأن القدس الشرقية قد عُزلت عن محيطها، وأن التواصل بين شمال الضفة الغربية وجنوبها بات محاصرًا بمنظومة استيطانية وطرق ومناطق سيطرة إسرائيلية.

ومن هنا، فإن مسؤوليتنا جميعًا أن نمنع تحويل هذا المشروع إلى حقيقة نهائية، وأن ندرك أن الدفاع عن القدس ليس دفاعًا عن مدينة فلسطينية فحسب، بل دفاع عن إمكانية تحقيق السلام العادل، وعن حق شعب في إقامة دولته المستقلة، وعن مصداقية القانون الدولي والنظام الدولي الذي لا يجوز أن يسمح للقوة بأن تحل محل العدالة.

معروف الرفاعي
مستشار محافظ القدس

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...