خاص | من البؤر إلى الطرق.. مخطط استيطاني لتقطيع أوصال قرى رام الله
تشهد محافظة رام الله والبيرة تصعيدا متواصلا في الاعتداءات والاستهدافات المرتبطة بالاستيطان، في وقت تتزايد فيه أعمال التجريف واقتلاع الأشجار ومحاولات إقامة البؤر الاستيطانية، بالتزامن مع تحركات لإعادة استخدام طريق التفافي يمتد من منطقة الجلزون باتجاه مفترق سردا وصولا إلى ما يعرف بـ«شارع الصين».
وخلال حديثه عبر شبكة رايـــة الإعلامية، حذر مستشار رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان والخبير في شؤون الاستيطان صلاح الخواجا، من أن المحافظة تواجه، وفق توصيفه، موجة متصاعدة من الإجراءات التي تستهدف الأرض الفلسطينية والمزارعين وحركة المواطنين، مشيرا إلى أن الاعتداءات لم تعد تقتصر على القرى والمناطق الزراعية، بل باتت تطال أيضا محيط المدن والأحياء السكنية.
بوابات ومكعبات إسمنتية على الطريق الالتفافي
وجاءت تصريحات الخواجا في أعقاب ورود صور من منطقة الطيرة، وتحديدا بعد إسكان أبو عبسة، تظهر وجود مكعبات إسمنتية على طرفي الشارع، وسط مؤشرات على التحضير لتركيب بوابة في الموقع.
كما أشار إلى تكرار وجود مستوطنين وأعلامهم على الطريق الالتفافي الممتد بين شارع الجلزون ومفترق سردا وصولا إلى شارع الصين، لافتا إلى أن هذه التحركات سبق أن حدثت أكثر من مرة وتمت إزالة الأعلام والتجمعات من الموقع.
ويرى الخواجا أن أهمية هذا الطريق لا ترتبط بالاستيطان وحده، بل بتأثيره المحتمل على النسيج العمراني والاجتماعي لمحافظتي رام الله والبيرة، نظرا لمروره بمحاذاة أحياء سكنية ومرافق تعليمية وصحية ومؤسسات حيوية.
تجريف واقتلاع أشجار في قرى رام الله
وقال الخواجا إن ما يجري في محافظة رام الله والبيرة يشمل، بحسب إفاداته، أنماطا متعددة من الاعتداءات، من بينها سرقة المحاصيل الزراعية وتجريف الأراضي وإصدار إخطارات عسكرية لاقتلاع أشجار الزيتون، في مناطق يصنفها الاحتلال كمناطق أمنية أو عسكرية.
وأضاف أن بعض عمليات التجريف تبدأ، وفق ما يتابعونه ميدانيا، قبل انتهاء المدد التي يفترض أن تمنح لأصحاب الأراضي للاعتراض أو اتخاذ الإجراءات القانونية، معتبرا أن ذلك يحرم الفلسطينيين حتى من المسارات القانونية المتاحة لهم.
وأشار إلى أن الاستهداف لا يقتصر على موقع واحد، بل يمتد إلى عدد من قرى المحافظة، في ظل تزايد الضغط على الأراضي الزراعية والمناطق المفتوحة.
أم صفا.. قرية محاصرة بالاستيطان
وتطرق الخواجا إلى أوضاع قرية أم صفا، مؤكدا أن العائلة المعروفة باسم أبو صلاح تواجه ظروفا صعبة في ظل محاصرة القرية من عدة جهات.
وقال إن مساحة أراضي القرية تبلغ نحو 4700 دونم، فيما لم يتبق، بحسب وصفه، سوى نحو 100 دونم يمكن الوصول إليها والاستفادة منها، مشيرا إلى بدء أعمال تجريف في المقبرة وحقول مزروعة بأشجار الزيتون.
وأوضح أن الأشجار التي يجري استهدافها زُرعت العام الماضي، وكان بعضها بعمر يزيد على أربع سنوات، في إطار تعزيز صمود الأهالي وتثبيتهم في أراضيهم.
وأكد أن عمليات التجريف بدأت منذ ساعات مبكرة، في وقت تتواصل فيه محاولات التعامل معها من خلال المسارات القانونية والميدانية.
من موقع إلى آخر بعد القرارات القانونية
وأشار الخواجا إلى أن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تمكنت، في إحدى القضايا، من انتزاع قرار قضائي لوقف إجراءات الاحتلال في منطقة غرب نعلين، حيث كانت هناك، بحسب حديثه، إجراءات تمهيدية لإقامة مستعمرة أو بؤرة استيطانية أطلق عليها اسم «زبدة».
وقال إن عمليات التجريف بدأت قبل صدور القرار ومن دون توجيه إنذار لأصحاب الأراضي، وإن صدور القرار القضائي أدى إلى انتقال الإجراءات إلى منطقة أخرى تعرف باسم «الصوانة».
وأضاف أن هذا النمط، بحسب متابعته، يعكس محاولة نقل النشاط من موقع إلى آخر عندما تعترضه إجراءات قانونية، ما يجعل المواجهة بحاجة إلى متابعة ميدانية وقانونية مستمرة.
طريق يعود إلى الواجهة بعد أكثر من عقدين
وفي ما يتعلق بالطريق الالتفافي الذي يربط بين مناطق شمال وغرب رام الله، أوضح الخواجا أن الطريق أقيم منذ عام 1994، وكان يهدف إلى ربط عدد من المستوطنات، بينها دولب وبيت إيل، ضمن شبكة طرق تخدم التجمعات الاستيطانية.
وأضاف أن الجيش الإسرائيلي اتخذ بعد الانتفاضة الثانية قرارا بعدم استخدام الطريق لأسباب وصفها بالأمنية والعسكرية، إلا أن التوسع العمراني الفلسطيني في محيط رام الله، وما نشأ من أحياء وبلدات ومرافق جديدة، جعل إعادة فتح الطريق قضية ذات تداعيات مباشرة على حياة السكان.
وأشار إلى أحياء ومناطق أصبحت قريبة من مسار الطريق، من بينها حي الريحان والحي الدبلوماسي وحي الشرطة ومحيط المستشفى الاستشاري والجامعة الأمريكية، إضافة إلى توسع حي الطيرة باتجاه عين عريك.
ضغط استيطاني لإعادة فتح الطريق
وبحسب الخواجا، فإن جمعيات استيطانية تضغط باتجاه إعادة فتح الطريق، باعتباره مسارا يمكن أن يربط بين الكتل الاستيطانية في المنطقة.
وأشار إلى أن مخططات التوسع الاستيطاني تشمل، وفق قراءته، تعزيز الربط بين مستوطنات وكتل استيطانية في مناطق رام الله ونابلس وجنين، عبر شبكة من الطرق والبؤر الاستيطانية.
وقال إن تحويل مستوطنات مثل دولب وبيت إيل إلى كتل استيطانية أكبر، وربطها بالبؤر المحيطة، يأتي ضمن تصور أوسع لإعادة تنظيم المجال الجغرافي بما يخدم التوسع الاستيطاني.
وأوضح أن إعادة فتح نحو 11 كيلومترا من الطريق ستحتاج، بحسب تقديرات عسكرية سابقة أشار إليها، إلى انتشار أمني وعسكري دائم، بما في ذلك نقاط عسكرية وتأمين مستمر للطريق.
خلاف حول «الأمن» وفتح الطرق
ويرى الخواجا أن هناك اختلافا بين الرؤية العسكرية والأمنية المتعلقة باستخدام الطريق وبين الرؤية التي يتبناها وزراء إسرائيليون وجماعات استيطانية بشأن توسيع الاستيطان.
وقال إن بعض الداعمين للتوسع الاستيطاني يطرحون معادلة تقوم على أن زيادة عدد المستوطنين ستؤدي إلى توفير الأمن لهم، بينما سبق للجيش، بحسب حديثه، أن اتخذ قرارات تتعلق بإغلاق طرق أو عدم استخدامها لأسباب أمنية.
وأضاف أن هذا التوجه يتقاطع، وفق تقديره، مع سياسات أوسع لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وفرض واقع جغرافي جديد من خلال الطرق والبوابات والبؤر الاستيطانية.
تحذير من تحويل الضفة إلى «كنتونات»
وحذر الخواجا من أن استمرار هذه الإجراءات قد يؤدي إلى مزيد من تقطيع أوصال المناطق الفلسطينية وتحويل المدن والقرى والمخيمات إلى مناطق منفصلة.
وأشار إلى أن شبكة الطرق الاستيطانية والبوابات العسكرية والجدار، من وجهة نظره، تعمل ضمن منظومة واحدة تؤثر في حركة الفلسطينيين ووصولهم إلى أراضيهم ومرافقهم.
وقال إن مناطق شمال غرب القدس تواجه نموذجا مشابها، حيث تحيط المستوطنات والقرى والجدار بعدد من التجمعات الفلسطينية، ما أدى إلى عزل أراض عن أصحابها وفرض قيود إضافية على الحركة.
كما حذر من إجراءات إغلاق محتملة في محيط النبي صموئيل وبيتين وأحياء أخرى، معتبرا أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى مزيد من العزل الجغرافي والاجتماعي.
الخواجا: المطلوب تعزيز الصمود وليس الاكتفاء بالتصريحات
وفي الجانب الفلسطيني، قال الخواجا إن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تعمل على عدة مسارات لمواجهة هذه الإجراءات، في مقدمتها المسار القانوني، من خلال تبني قضايا المواطنين بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والشركاء المحليين.
وأشار إلى البدء بتفعيل لجان الحماية في عدد من المواقع، معتبرا أن التجارب التي شهدتها قرى مثل المغير وأبو فلاح وكفر مالك وسنجل وأم صفا، إلى جانب قرى أخرى، يمكن أن تشكل نماذج لتعزيز الصمود الشعبي.
ودعا إلى تحويل هذه التجارب إلى استراتيجية وطنية متكاملة، مؤكدا أهمية وجود المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والقوى السياسية إلى جانب المواطنين في مواجهة الاعتداءات والاستيطان.
وقال إن المسؤولين السياسيين، برأيه، يجب ألا يكتفوا بالتصريحات الإعلامية، بل أن يكونوا حاضرين في الميدان وفي جهود حماية المواطنين والأراضي.
مخاوف من تداعيات الطريق على رام الله والبيرة
ويبرز ملف الطريق الالتفافي باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، نظرا لقربه من أحياء سكنية ومرافق تعليمية وصحية في رام الله والبيرة.
وأشار التقرير إلى أن الطريق يقسم أجزاء من المدينتين ومحيطهما، فيما تقع مدارس وجامعات ومستشفيات وأحياء سكنية بالقرب منه، ومن بينها حي السلامية في مدينة البيرة.
ولفت إلى افتتاح مدرسة جديدة في حي السلامية قبل نحو أسبوع، على مسافة تقدر بنحو 200 متر فقط من الطريق، الأمر الذي يعزز المخاوف بشأن أي إجراءات مستقبلية تتعلق بإعادة فتحه أو تأمينه عسكريا.
ويخشى الأهالي من أن يؤدي ذلك إلى فرض بوابات وحواجز وقيود جديدة على حركة المواطنين، فضلا عن زيادة الاحتكاك في المناطق المحاذية للطريق.
وتختتم هذه التطورات بصورة أوسع لمشهد الاستيطان في محافظة رام الله والبيرة، حيث تتداخل عمليات التجريف واقتلاع الأشجار ومحاولات إقامة البؤر مع مخططات الطرق والربط بين المستوطنات، في وقت يؤكد فيه الأهالي والمؤسسات الفلسطينية أن حماية الأرض تتطلب تحركا ميدانيا وقانونيا متواصلا، لا الاكتفاء بالمواقف والتصريحات.