خاص | العملة في غزة تتحول إلى سلعة والدفع الإلكتروني يفرض نفسه

2026-10-06 12:48:28

تفاقمت أزمة السيولة النقدية في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب، في ظل تدمير مقار البنوك والمؤسسات المصرفية، وتراجع القدرة على تداول النقد، وانتشار العملات الورقية المتهالكة، بالتزامن مع صعوبات متزايدة في الاعتماد على وسائل الدفع الإلكتروني.

وقال الكاتب والباحث في الشأن الاقتصادي والخبير المالي أحمد أبو قمر، إن القطاع المصرفي في غزة، الذي كان يعد لسنوات من أكثر القطاعات الاقتصادية قوة ومتانة، تعرض منذ الأيام الأولى للحرب لضربة كبيرة، تمثلت في تدمير مقار عدد من البنوك والمؤسسات المصرفية، وتعطيل جانب من أعمالها وقدرتها على أداء وظائفها.

وأوضح أبو قمر في حديث خاص لشبكة رايـــة الإعلامية، أن تراجع دور القطاع المصرفي دفع جزءاً من النشاط الاقتصادي نحو السوق السوداء، وأعطى التجار الكبار، الذين يتحكمون في عمليات توريد السلع والبضائع، نفوذاً أكبر في تحديد العملات التي يقبلون التعامل بها.

وأشار إلى أن هذه التطورات أدت إلى تراجع الثقة في عدد من فئات العملات الورقية، بما فيها العملات القديمة والمتهالكة، وصولاً إلى صعوبات في التعامل حتى مع بعض الأوراق النقدية الجديدة.

"الشيكل الخامل".. أموال موجودة لا يستطيع أصحابها استخدامها

وأوضح أبو قمر أن المشكلة لا تتمثل فقط في نقص السيولة، وإنما في وجود كتلة نقدية لدى المواطنين والتجار تخرج تدريجياً من دائرة التداول بسبب رفض التعامل ببعض فئاتها.

وقال إن هذه الأموال تتحول إلى ما وصفه بـ"الشيكل الخامل"، أي عملة موجودة فعلياً مع المواطن، لكنه لا يستطيع استخدامها في عمليات الشراء بسبب فقدان الثقة بها أو رفض التجار قبولها.

وأشار إلى أن استمرار خروج هذه الكتلة النقدية من التداول يزيد من حالة الركود التي يعاني منها اقتصاد القطاع، الذي يواجه أصلاً انخفاضاً في الدخول وارتفاعاً كبيراً في البطالة وضعفاً في القدرة الشرائية.

وأكد أن الاقتصاد يحتاج إلى السيولة حتى تتمكن الأسواق من استعادة عمليات البيع والشراء، محذراً من أن استمرار تجميد جزء من الأموال المتداولة يزيد من المتاعب الاقتصادية التي يعيشها المواطنون.

لا استبدال للعملات القديمة

وحول إمكانية استبدال العملات الورقية القديمة والمتهالكة، قال أبو قمر إنه لا توجد حالياً عملية فعلية لتبديل العملات في قطاع غزة.

وأوضح أن إسرائيل، بحسب حديثه، لا تسمح بإدخال الكميات المطلوبة من العملات الجديدة أو إخراج العملات القديمة لاستبدالها، ما ترك المواطنين أمام مشكلة متراكمة في النقد المتداول.

وأشار إلى أنه في بداية الحرب جرت محاولات لإخراج العملات الجديدة عبر التجار بهدف تقليل حجم الكاش المتداول، بينما أصبحت العملات القديمة تعاني من فقدان الثقة بها، رغم أنها لا تزال بحوزة المواطنين.

وقال إن المشكلة الأكثر صعوبة تكمن في أن المواطن قد يمتلك أموالاً نقدية، لكنه لا يستطيع استخدامها فعلياً في السوق.

العملة تتحول إلى سلعة

وتطرق أبو قمر إلى ظاهرة جديدة تتمثل في تحول العملة النقدية نفسها إلى سلعة يجري بيعها وشراؤها، نتيجة اتساع الفجوة بين قيمة النقد الورقي وقيمته عند تحويله إلى رصيد إلكتروني.

وأوضح أن المواطن الذي يمتلك نقوداً ورقية قد يضطر إلى دفع عمولة للتاجر أو الوسيط مقابل تحويلها إلى حساب إلكتروني، مشيراً إلى أن هذه العمولات تتراوح، وفق ما ذكر، بين 3% و10% بالنسبة إلى بعض الأوراق النقدية الجديدة.

وبذلك، فإن مبلغاً نقدياً قيمته 1000 شيكل قد يخسر صاحبه ما يصل إلى 100 شيكل عند تحويله إلى رصيد إلكتروني.

وقال أبو قمر إن هذه الظاهرة تختلف عن الوضع الذي كان سائداً في بداية الحرب، عندما كان المواطن يبحث عن الكاش بأي ثمن، وكانت عمولات الحصول على النقد قد وصلت، وفق حديثه، إلى نحو 50% في بعض الحالات.

أما اليوم، فقد انعكس الاتجاه، وأصبح الدفع الإلكتروني أكثر قبولاً لدى التجار، بينما يواجه المواطن الذي بحوزته النقد الورقي صعوبة في استخدامه، ويضطر أحياناً إلى دفع جزء من قيمته لتحويله إلى رصيد إلكتروني.

أزمة "الفكة" تضغط على الأسواق

وأشار أبو قمر إلى أن مشكلة الفئات النقدية الصغيرة تمثل جانباً مهماً من أزمة السيولة.

وأوضح أن بعض الفئات التي كانت تواجه صعوبات في التداول في السابق أصبحت أكثر ندرة، فيما أدى فقدان الثقة ببعض الأوراق النقدية، ومنها ورقة الـ20 شيكلاً، إلى زيادة الضغط على العملات المعدنية والفئات الصغيرة.

وقال إن ورقة الـ20 شيكلاً هي من أكثر الفئات الورقية تداولاً وانتقالاً بين أيدي المواطنين، وبالتالي فهي أكثر عرضة للتلف، ما أدى إلى تراجع قبولها في بعض التعاملات حتى عندما تكون جديدة.

وأضاف أن المشكلة وصلت في بعض الحالات إلى تداول الفكة بقيمة مختلفة عن قيمتها الاسمية، مشيراً إلى أن 70 شيكلاً من الفئات الصغيرة قد يجري استبدالها بمبلغ 100 شيكل من الأوراق النقدية.

وأكد أن هذه الممارسات تعكس حجم الخلل في سوق النقد، وتؤكد أن العملة نفسها أصبحت عرضة للمضاربة والبيع والشراء.

الدفع الإلكتروني.. حل جزئي فرضته الحرب

وفي المقابل، قال أبو قمر إن التوجه نحو الدفع الإلكتروني ساهم خلال الأشهر الأخيرة في حل جزء من أزمة الفكة والسيولة، خصوصاً من خلال المحافظ الإلكترونية.

وأشار إلى استخدام خدمات الدفع الإلكتروني مثل "جوال باي" و"بال باي" بصورة متزايدة في المعاملات اليومية البسيطة، مثل دفع أجور المواصلات وشراء الخبز والاحتياجات الأساسية من الأسواق.

وأوضح أن هذه المحافظ أصبحت بديلاً عملياً عن الفكة في بعض المعاملات، لكنها لا تزال تواجه مشكلات تتعلق بالحدود القصوى للتحويلات وبعض القيود التقنية والإجرائية.

وأكد أن الانتقال إلى الدفع الإلكتروني خلال سنوات الحرب جاء بصورة اضطرارية وسريعة، ولذلك من الطبيعي أن ترافقه تحديات تحتاج إلى معالجة تدريجية.

كبار السن والفئات غير القادرة على التعامل الرقمي

وحذر أبو قمر من أن الاعتماد المتزايد على الدفع الإلكتروني لا يمكن أن يكون بديلاً كاملاً عن النقد، نظراً لوجود فئات واسعة من المواطنين لا تمتلك القدرة أو المعرفة الكافية لاستخدام الخدمات الرقمية.

وأوضح أن كبار السن، على وجه الخصوص، يواجهون صعوبات في التعامل مع المحافظ الإلكترونية والهواتف الذكية، فيما لا يمتلك بعض المواطنين أصلاً حسابات بنكية أو حسابات رقمية.

وأضاف أن هناك أيضاً مشكلة مرتبطة بالبنية التحتية التكنولوجية، في ظل ضعف الإنترنت وانقطاع الكهرباء وصعوبة شحن الهواتف، ما يحد من إمكانية الاعتماد الكامل على الدفع الإلكتروني.

نقص الهواتف الذكية يعيق التحول الرقمي

وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن مشكلة التحول الرقمي ترتبط كذلك بنقص الأجهزة الإلكترونية والهواتف في قطاع غزة.

وقال إن إدخال الهواتف والأجهزة الإلكترونية والحواسيب يواجه قيوداً، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار الأجهزة المتوفرة في السوق.

وأوضح أن الهاتف الذي كان يباع قبل الحرب بنحو 500 شيكل قد يصل سعره حالياً إلى نحو 4000 شيكل، وفق ما ذكر، وغالباً ما تكون الأجهزة المتوفرة مستعملة، في ظل صعوبة دخول أجهزة جديدة إلى القطاع.

وأكد أن ارتفاع أسعار الهواتف يشكل عبئاً إضافياً على المواطنين الذين يعانون أصلاً من تدهور قدرتهم الشرائية.

البنوك عادت بشكل محدود

وحول وضع القطاع المصرفي، قال أبو قمر إن بعض فروع البنوك عادت إلى العمل في مناطق محدودة، لكن هذه العودة لا تزال، وفق وصفه، شكلية أو جزئية.

وأوضح أن عدداً من الفروع لا يستطيع تنفيذ عمليات السحب والإيداع بصورة طبيعية، كما أن هناك صعوبات في جمع الأموال النقدية القديمة وإخراجها من القطاع لاستبدالها.

وأشار إلى أن تدمير المقار المصرفية، ومشكلات التنسيق والأمن، والقيود على نقل الأموال، كلها عوامل تعيق عودة العمل المصرفي إلى طبيعته.

ولفت إلى أن شمال قطاع غزة لا يزال يفتقر إلى فروع مصرفية عاملة، فيما تواجه مناطق أخرى أوضاعاً مصرفية محدودة، ما يؤدي إلى تكدس المواطنين أمام الفروع القليلة العاملة.

وأكد أن عودة البنوك، حتى الآن، لا تزال بعيدة عن المستوى المطلوب لتلبية الاحتياجات المصرفية للسكان.

خدمات إلكترونية توسع دائرة المستفيدين

وأشار أبو قمر إلى أن بعض الخدمات الإلكترونية ساعدت في توسيع دائرة المستفيدين من الدفع الرقمي.

وأوضح أن خدمة التحويل عبر أنظمة مرتبطة بالحسابات البنكية تتيح حتى لمن يمتلك هاتفاً عادياً، وليس هاتفاً ذكياً، إجراء بعض عمليات التحويل.

وقال إن هذه الخطوة ساهمت في توسيع نطاق التعاملات الإلكترونية، بعد أن كان استخدام الدفع الرقمي مقتصراً بصورة أكبر على أصحاب الهواتف الذكية.

وأكد أن تطوير هذه الخدمات يمكن أن يساعد في تجاوز بعض العقبات، لكنه لا يلغي الحاجة إلى وجود النقد الورقي إلى جانب الدفع الإلكتروني.

"لا يمكن إلغاء الكاش"

وشدد أبو قمر على أن الدفع الإلكتروني يمكن أن يكون جزءاً من الحل، لكنه لا يستطيع إلغاء التعامل النقدي بشكل كامل.

وقال إن الاعتماد على الدفع الإلكتروني مطلوب ومفيد، لكن الإبقاء على الكاش يظل ضرورياً، خصوصاً في ظل الظروف الخاصة التي يعيشها قطاع غزة، وضعف البنية التكنولوجية، وعدم قدرة جميع المواطنين على استخدام الوسائل الرقمية.

وأكد أن الحل لا يكمن في إلغاء إحدى الطريقتين لصالح الأخرى، وإنما في تطوير نظام يسمح بالتعامل النقدي والإلكتروني معاً، بما يلبي احتياجات مختلف الفئات.

غزة تبتكر حلولاً تحت ضغط الأزمة

وفي ختام حديثه، رأى أبو قمر أن الظروف الاستثنائية التي يعيشها سكان غزة دفعتهم إلى ابتكار حلول عملية للتعامل مع الأزمات اليومية.

وأشار إلى أن هذا الأمر لا يقتصر على القطاع المالي، بل يشمل مختلف جوانب الحياة، مستشهداً بقدرة المواطنين على إيجاد بدائل لمواد البناء والإيواء التي يصعب إدخالها إلى القطاع.

وقال إن منع إدخال بعض المواد الخام ومستلزمات الإيواء دفع المواطنين إلى إعادة استخدام المواد المتوفرة لديهم، حتى إن الشوادر المتهالكة أصبحت تُستخدم في صناعة الحقائب وغيرها من الاحتياجات.

وأكد أن هذه التجارب تعكس قدرة المجتمع الغزي على التكيف والابتكار في مواجهة الظروف القاسية، مشدداً في الوقت ذاته على أن هذه الحلول لا ينبغي أن تكون بديلاً عن توفير الاحتياجات الأساسية ورفع القيود التي تعيق وصولها.

وختم أبو قمر بالتأكيد على أن الدفع الإلكتروني يمثل خطوة مهمة في مواجهة أزمة السيولة، لكنه لا يمكن أن يحل جميع المشكلات، وأن معالجة أزمة النقد تتطلب إعادة بناء القطاع المصرفي، وإدخال العملات اللازمة، وتوفير البنية التكنولوجية، وضمان قدرة جميع المواطنين على الوصول إلى الخدمات المالية.