خاص | حياة النازحين بغزة تختزل في البحث عن الماء والغذاء والمأوى
قال مدير شبكة المنظمات الأهلية في غزة د. محمد صالحة، إن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة لا تزال شديدة الصعوبة، رغم مرور ثلاثة أعوام على حرب الإبادة، مؤكداً أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تواصل استهداف المدنيين وفرض قيود واسعة على دخول المساعدات والمستلزمات الأساسية إلى القطاع.
وأوضح صالحة، في حديث من غزة، عبر شبكة رايـــة الإعلامية، أن الفترة الممتدة من أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى أكتوبر/تشرين الأول 2026، والتي أعقبت ما وصف بوقف إطلاق النار، شهدت سقوط أكثر من 1400 شهيد وإصابة أكثر من 5000 آخرين، نتيجة استمرار استهداف مربعات سكنية في مناطق مختلفة من القطاع، ما أدى إلى نزوح قسري متكرر للسكان داخل غزة.
وأشار إلى أن نحو 30% فقط من مساحة القطاع باتت متاحة لسكان غزة، فيما تخضع أكثر من 70% من المساحة لسيطرة الاحتلال، الأمر الذي يضيّق الخيارات أمام النازحين ويجعلهم غير قادرين على العثور على أماكن آمنة أو مساحات كافية لإقامة الخيام.
أزمة مأوى تتفاقم مع اقتراب الشتاء
وقال صالحة إن القيود المفروضة على إدخال مستلزمات الإيواء والخيام تحول دون تلبية الاحتياجات الأساسية للنازحين، مشيراً إلى أن المؤسسات الإنسانية لا تتمكن من الاستجابة إلا لجزء محدود من الاحتياجات.
وأضاف أن أكثر من 75% من الخيام الموجودة في القطاع متهالكة، في وقت يقترب فيه فصل الشتاء، ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية للنازحين الذين يعيشون في ظروف قاسية.
وأكد أن المنظمات الأهلية ووكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية العاملة في غزة تواجه صعوبة كبيرة في توفير مستلزمات الإيواء، نتيجة القيود المفروضة على إدخال المواد اللازمة.
قيود على الأدوية والوقود وقطع الغيار
وأشار صالحة إلى أن الأزمة لا تقتصر على المأوى، بل تمتد إلى الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، إضافة إلى البيوت المعدنية وقطع الغيار والفلاتر الخاصة بالمولدات الكهربائية والمركبات وسيارات الإسعاف.
وأوضح أن نقص قطع الغيار والزيوت والفلاتر أدى إلى تعطل عدد من المولدات الكهربائية التي تعتمد عليها المستشفيات والمخابز ومحطات وآبار المياه.
وقال إن مناطق شمال وشرق قطاع غزة تعاني من أزمة حادة في إمدادات المياه، بسبب تعطل المولدات التي تغذي آبار المياه، ما دفع السكان إلى الاعتماد بصورة أكبر على شاحنات نقل المياه.
وأضاف أن بعض الأسر التي تضم بين ستة وثمانية أفراد تضطر إلى الاعتماد على غالون أو غالونين فقط من المياه يومياً، لتلبية احتياجات الشرب والنظافة والغسيل وسائر الاستخدامات الأساسية.
أزمة تعليمية تطال عشرات الآلاف من الطلبة
وفي الجانب التعليمي، قال صالحة إن أكثر من 40 ألف طالب لم يتمكنوا من تلقي التعليم حتى الآن، نتيجة عدم توفر المساحات التعليمية والمدارس اللازمة.
وأوضح أن المواطنين يضطرون إلى استخدام المدارس كمراكز للإيواء، فيما لا تتوفر مساحات كافية لإنشاء مراكز تعليمية مؤقتة، ما أدى إلى استمرار انقطاع أعداد كبيرة من الطلبة عن التعليم.
وأكد أن الأزمة التعليمية تمثل جانباً آخر من تداعيات الحرب، في ظل الدمار الذي طال المؤسسات التعليمية وصعوبة توفير بيئة آمنة ومناسبة للطلاب.
الاستجابة الإنسانية لا تلبي حجم الاحتياجات
ووصف صالحة الاستجابة الإنسانية في قطاع غزة بأنها "ضعيفة جداً"، في ظل القيود المفروضة على إدخال المستلزمات الضرورية للمؤسسات الإنسانية.
وقال إنه، وفق التفاهمات التي رافقت وقف إطلاق النار، كان من المفترض السماح بإدخال نحو 600 شاحنة يومياً إلى قطاع غزة، إلا أن الأعداد الفعلية، بحسب ما ذكر، تتراوح بين 180 و220 شاحنة يومياً.
وأضاف أن ذلك يعني دخول نحو ثلث الاحتياجات اليومية المقدرة، فيما لا تمثل المساعدات الإنسانية سوى جزء من هذه الشاحنات.
وأوضح أنه من بين نحو 200 شاحنة يُسمح بدخولها في بعض الأيام، قد لا يتجاوز عدد الشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية 30 إلى 50 شاحنة، بينما يذهب الجزء الأكبر إلى القطاع الخاص.
90% من سكان غزة يعتمدون على المساعدات
وأشار صالحة إلى أن نحو 90% من سكان قطاع غزة يعتمدون بصورة أساسية على المساعدات الإنسانية، في ظل تراجع القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية.
وقال إن نسبة البطالة تتجاوز 85%، ما أدى إلى تراجع حاد في القدرة الشرائية لدى المواطنين، وجعل المساعدات الإنسانية مصدراً أساسياً لتوفير الغذاء والاحتياجات اليومية.
وأضاف أن عدم انتظام وصول المساعدات بالكميات المطلوبة يفاقم معاناة السكان، ويجعل تأمين الاحتياجات الأساسية تحدياً يومياً لمئات الآلاف من الأسر.
الحرب أعادت ترتيب أولويات الحياة اليومية
وحول تأثير الحرب في نمط حياة المواطنين، قال صالحة إن الحرب أعادت ترتيب أولويات الإنسان في غزة بصورة جذرية.
وأوضح أن المواطن كان قبل الحرب يمتلك منزلاً ومكان عمل وحياة يومية مستقرة، بينما أصبح هدفه الأساسي اليوم هو توفير الحد الأدنى من المياه والغذاء لعائلته.
وأشار إلى أن المواطن يبدأ يومه، في بعض الحالات، منذ الساعة السادسة صباحاً بالوقوف أمام شاحنات المياه لتعبئة ما يحتاجه، ثم ينتقل إلى التكايا أو المطابخ الشعبية للحصول على الطعام لأطفاله وأسرته.
وأضاف أن المواطنين وأفراد أسرهم يتناوبون على الوقوف أمام نقاط توزيع المياه والتكايا والمطابخ الشعبية، مشيراً إلى أن تأمين المياه والطعام قد يستنزف أربع أو خمس ساعات يومياً من حياة المواطن.
وقال إن المواطن في غزة بات يقضي ساعات طويلة من يومه في محاولة تأمين وجبة واحدة ومياه الشرب لأسرته، بدلاً من ممارسة حياته الطبيعية أو العمل والتعليم.
"ليست حالة اعتياد.. بل آليات دفاع وتكيف"
ورداً على سؤال حول ما إذا كان الفلسطيني في غزة قد اعتاد نمط الحياة الجديد الذي فرضته الحرب، رفض صالحة وصف الأمر بالاعتياد.
وقال إن ما يحدث هو ما يمكن تسميته "آليات دفاع أو آليات تكيف" ابتكرها المواطن الغزي لمواجهة ظروف استثنائية وقاسية، مؤكداً أن هذه الظروف ليست طبيعية ولا يرغب السكان في أن تتحول إلى نمط حياة دائم.
وأشار إلى تجربته الشخصية في العمل الإنساني، موضحاً أنه أمضى نحو 600 يوم في شمال قطاع غزة خلال فترة عمله مديراً لمستشفى العودة، وعاش خلال تلك الفترة ظروفاً قاسية، بما فيها الاكتفاء أحياناً بأقل من وجبة يومية بسيطة.
وأوضح صالحة أن العاملين في المجال الإنساني اضطروا إلى التكيف مع نقص الغذاء حتى يتمكنوا من مواصلة تقديم الخدمات للسكان، مشيراً إلى مرور أيام عديدة شهدت ظروفاً شبيهة بالمجاعة.
وأكد أن المواطن الغزي يحاول من خلال هذه الآليات توفير الحد الأدنى من احتياجات الحياة والبقاء على قيد الحياة، لكنه شدد على أن هذه الآليات لا تعني أن السكان اعتادوا المعاناة أو قبلوا بها.
وختم صالحة بالتأكيد على ضرورة استمرار الضغط من أجل توفير جميع الاحتياجات الأساسية لسكان قطاع غزة، قائلاً إن الفلسطينيين لا يمكنهم الاستمرار في العيش بهذا الوضع بصورة كاملة ومستدامة، وإن المطلوب هو توفير مقومات الحياة الكريمة والآمنة لهم.


