مباريات اليوم
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 05:23
الظهر 12:24
العصر 03:37
المغرب 06:03
العشاء 07:25
حالة الطقس
Loading...
اسعار العملات
Loading...

شكرا وزارة الداخلية، ساعة ونصف فقط!

الكاتب: بكر أبو بكر

الفلسطينيون أكثر شعوب الأرض معاناة في الحِلّ والترحال، وكأنهم وُلِدوا مع المعاناة والألم والنحيب، إذ لم يكفهم احتلال استعماري إحلالي يدّعي أكاذيب امتلاك ما ليس له، ويسوّق وجهَه الاحتلالي والعنصري القبيح على أنه ديمقراطية!

ولم يكفهم التشرد واللجوء حتى كانت معاناة استصدار أي ورقة ثبوتية من هوية او بطاقة لجوء او رخصة مركبة أو إقامة في بلد عربي، أو شهادة نفوس (ولادة) أو استصدار جواز سفر (وثيقة سفر) تمثل رحلة شاقة وكأنها رحلة للمريخ حيث يشارف فيها الشخص على الموت.

يصاحب عملية استصدار ورقة ثبوتية للفلسطيني وخاصة جواز السفر (ولربما في جزء من المعاناة هذه ما يحصل للمواطنين العرب أنفسهم في مراحل عدة من التاريخ في القرن العشرين نتمنى أنه تم تجاوزها) طلبات ورقية لا تنتهي معقولة أو غير معقولة مع توقيعات غالبا لالزوم لها من صفوف جُلّاس مكاتب البطالة المقنعة بالمكان المعني، وما يخالطها من استحصال البركات من المراسل، ونظرات الشك والريبة وأحيانًا الازدراء والاحتقار التي تجعل مقدم الطلب يتمنى أن الأرض ابتلعته أو أن أمه لم تلده.

معاناة الفلسطيني في حِلّهِ وترحاله شهدت له بها معظم مطارات العالم ودولها حتى كانت عمليات خطف أو تفجير الطائرات، في مرحلة ثورية منتقدة، وكأنها تعبير عن رفض داخلي مكتوم لهذه المعاناة! فتجلت بالانتقام من ذات جسد الطائرات!

معاناة الفلسطيني مع وثيقته (ذات الشأن العظيم!) أو جوازه، حكاية وأي حكاية فهي تصدر من بلد لا يسمح له بدخولها، مع شروط لا حصر لها مكتوبة إو مفهومة، ترتبط بالتحقيق والتدقيق والعويل والنعيق.

يمُرّ الفلسطيني بمعاملته "المميزة" بمراحل الجفاء والإزدراء والاحتقار اللازمة، وفي الحد الأدنى مطالب إثبات أنه غير مذنب! فالأصل أن يكون متّهما فهو يدخل المكان مُثقلاً بأحاسيس الذنب الذي يظهر في مُحيّاه! ما يجعل كل أجهزة المخابرات والاستخبارات والكشف السري و(الاستغماية) تلاحقه في حركاته وسكناته.

ليس لك أن تنسى دور الانتظار الطويل المعتاد واللازم، حيث أنه لا قيمة للوقت أصلا، وناهيك عن الروائح الفواحة وتدافع الأكتاف والشتائم المُعَمّمة والمُخَصّصة، وقذف الطلب في وجه مقدّمِه، أو إحالة أوراقه "الى المفتي!" أي التحقيق!

مسيرة طويلة يضطر الفلسطيني لخوضها قد تستمر أياما ولربما شهور تضيف لأدوات النضال المعروفة سواء بالمقاومة العسكرية أو السلمية، أداة جديدة هي المقاومة الورقية!

في المقاومة الورقية كنت تتسلح بأطنان من الورق والصور والشهادات والطوابع والتواقيع لتكون جاهزا بها أمام مصيرك! الذي يقرّره موظف لم يشرب قهوته الصباحية أو كوب الشاي أو خرج من بيته بلا إفطار ومازال غاضبا من ليلته السابقة، ويشاء الله أن تكون أنت متعته الوحيدة!

في مقاومتك الورقية لتقرير مصير معاملتك رجاءات وإذلال ومساومات وتحمّل للقهر وممارسة الابتسام القسري في وجه رجال إنفاذ القانون! خاصة حين يشتموك! والا فمصير المعاملة يصبح مجهولا، وربما مصير صاحبها أيضا.

في العام ١٩٩٢ وفي زيارة عمل الى هولنده اصطحبني صديق عزيز الى مركز المدينة التي يقطنها، وقبل أن نصل استأذنني التوقف قليلًا عند مصلحة حكومية فتأخر داخلها لنصف ساعة.

سألته: ماذا فعلت؟

قال: استصدرت جواز سفر جديد؟ أعطيتهم القديم وأخذت الجديد!

لم أفهم جيدا، ما هذه المعادلة الجديدة؟

قلت بحيرة: يعني اليوم استلمته، فمتى قدمت المعاملة؟

قال باسِمًا:اليوم قدمت القديم واستلمت الجديد في وقت انتظارك!

دُهشت حينها، وظلَلتُ مدهوشًا لمدة ٢٧ عامًا حين قدمت معاملة جواز سفري الفلسطيني يوم ٦/١٠/٢٠١٩ وعُدت بعد ساعة ونصف أو أقل، أفطرت فيها حمص وفول وفلافل وصحن بندورة وشطة مع الصديق محمد حنيحن، لأتسلمه بدون انزعاج أو نظرات تشكك أو أكوام من الورق والتواقيع؟

سُرِرتُ ،ماذا بكم مندهشين! ألا يحق للفلسطيني أن يُسَر! رغم القمع الصهيوني وبشاعة مركّبات الاحتلال اليومية وسواد وطأة غشيانهم لأرضنا؟

أظن أنه يحق لي أن أستل من أكوام الحزن والمعاناة تحت الاحتلال قليلا من السرور!

والى ذلك ألا يحق لي أن أشكر! فأقول شكرا وزارة الداخلية الفلسطينية؟

 

 
Loading...