المسألة ليست فيروساً
الكاتب: عبدالفتاح علي
تكلفة الهلع مرتفعة، بينما تكلفة النسيان أكثر ارتفاعاً، هكذا هى حال الدنيا، وهكذا الدنيا حتى قيام الساعة، الحياة تتوقف عن النبض، والشوارع تخلو من المارة، والملاعب تفتقد الجماهير، والأسواق يضربها الركود، والمطارات قد تغلق أبوابها، حتى دور العبادة لن تجد من يصلى فيها إذا استمر الغباء يحكم، وتجار الهلع يكسبون.
الصين أعلنت سيطرتها على فيروس كورونا المستجد، فى حين أن إيطاليا فرضت حظراً على شعبها، وأغلقت أجواءها، وعزلت شمالها عن جنوبها، ثم تخرج أصوات كل يوم تعنف حكوماتها: لماذا لا تنشرون الهلع؟
كل حكومات العالم فى ورطة، فلا صوت يعلو فوق صوت الهلع، البعض يطالب بنشر الخوف بحسن نية، لكن الكثيرين تتربع سوء النية على جباههم، فمن لم يغتنِ من الهلع يأمل فى اقتناص ما يمكن اقتناصه، حتى ولو على تلال الجثث الناجمة عن التدافع الإلكترونى.
فى المقابل، يهب البعض على طريق التهوين، حاملين شعار النسيان نعمة، فبعضهم يطالب بالاختلاط، لأنه فيروس ضعيف، والبعض ينصح بتناول الكركم لأنه فيروس هزيل، فى حين يضحك البعض ويعتبرونه فيروساً لطيفاً مستأنساً وجب مصاحبته بل واقتناؤه فى المنزل.
وما بين المهول والمهون تزرع الفوضى، وتعم الاضطرابات، ليندفع العالم دفعاً نحو كارثة جديدة، سندفع نحن العرب جزءاً ليس باليسير من الفاتورة الدولية، ليهبط سعر برميل النفط إلى أقل من 42 دولاراً، وتقل أسعار الغاز الطبيعى لما دون الـ2٫91 دولار للمليون وحدة حرارية، وينخفض معدل النمو ويزداد العجز بموازنات الدول.
ذاكرة البشرية القريبة تعى جيداً معنى الأزمات العالمية، عندما هبط سعر النفط إلى أقل من 27 دولاراً للبرميل فى 2016، أو عندما ضرب الركود الكبير فى 2008 الاقتصاد العالمى ففقد 45 بالمائة من قيمته، أو عندما تحولت النمور الآسيوية إلى أرانب بين ليلة وضحاها فى 1997، أو عندما استيقظ العالم صباح التاسع عشر من أكتوبر 1987 على خسارة اقتصاد هونج كونج 45.8 بالمائة من قيمته، و41.8 بالمائة من قيمة الاقتصاد الأسترالى، و60% من قيمة الاقتصاد البريطانى، وعندما خسر مؤشر ناسداك 97 مليار دولار بسبب حرب أكتوبر المجيدة 1973، التى أفاقت العالم من غفوة طالت، واعتقاد خاطئ، بأن المصريين يمكن أن يتقبلوا ضياع أرضهم بسهولة.
الذاكرة البشرية القريبة تعى جيداً أن دورة الاقتصاد العالمى تحتاج إلى انتعاشة كل فترة من الزمن، قد تكون حرباً لها تأثير مدوٍ، أو فضيحة لها مردود كارثى، أو ضربة تحت الحزام لها أثر عميق، وعندما لا ينفع كل هذا، قد يتطلب الإنعاش فيروساً كامناً.
عام 1944 وقعت اتفاقية عُرفت بـ«بريتون وودز» نصّبت الدولار سيداً على العالمين، وتحت أقدامه تركع بقية عملات العالم، ومن وقتها صار الدولار صعباً، رغم أنه فى سوق الورق لا يساوى جناح بعوضة، حتى بعد صدمة نيكسون.
لماذا لا يساوى جناح بعوضة (ورقياً)؟ لأن قرار طباعته لا يخضع سوى لقرار البنك الفيدرالى الأمريكى، بالاتفاق مع الكبار، من الممكن أن يخسر العالم كله، إلا هم، فهم فقط من يحدد من سيكسب ماذا، أو من سيخسر ماذا.
ما علاقة كل هذا بفيروس كورونا؟
هى اللعبة التى صنعها الكبار، ووضعوا قواعدها، وحددوا أطرافها، وهم فقط من سيقررون من يمنح فيعيش، ومن يمنع فيموت.
المسألة ليست فيروساً، المسألة أن الدورة التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية تحتم أن يلعب العالم لعبة جديدة.
الذاكرة البشرية القريبة منها والبعيدة تسجل كيف دخل العالم أكثر من مرة اللعبة لفرض التوازن فى الكون، كانت اسمها فيروس إيبولا ما بين 2014 - 2016، بعد أن كان اسمها فيروس إنفلونزا الخنازير (2009 - 2010) الذى ولد من رحم لعبة اسمها فيروس كورونا الأول (2002 - 2003) قبلها لعبة اسمها إنفلونزا هونج كونج (1968 - 1970) قبلها لعبة الإنفلونزا الإسبانية (1918 - 1919) قبلها لعبة وباء الكوليرا (1817 - 1823) قبلها لعبة الجدرى (القرنان 15 و17) قبلها لعبة الطاعون الأسود (1347 - 1351م) قبلها لعبة طاعون جستنيان (541 - 750م).
كلها ألعاب مجبرة هى البشرية أن تخوضها، تحت أسماء مختلفة، فليس مهماً اسم اللعبة، المهم فقط تاريخها والأحداث المهمة والحاسمة التى صاحبتها.

