أوقات الصلاة
الفجر 4:28 AM
الظهر 12:45 PM
العصر 4:25 PM
المغرب 7:37 PM
العشاء 9:01 PM
حالة الطقس
Loading...
اسعار العملات
Loading...

في انتظار معجزة

بقلم: عبد الحليم قنديل.

في العراق نهران، دجلة والفرات، كاد ماؤهما يجف بسبب السدود التركية، لكن نهر الدم العراقي لا يغيض أبدا، بل يفيض دائما على دورات متسارعة، فبعد ثلاثة شهور لا تزيد على توقف موقوت لموجات الاغتيالات السياسية، وقد توالت وذهبت بالمئات من قادة انتفاضة أكتوبر 2019، التي راح ضحيتها نحو ثلاثين ألفا من الشهداء والجرحى والمعاقين، ثم هدأت جبراً مع تداعيات وطوارئ وإغلاقات جائحة كورونا، مع أمل واهن بعد تشكيل حكومة مصطفى الكاظمي، التي وعدت بالقصاص لدم الشهداء، لكن الاغتيالات عادت من جديد، وضربت هذه المرة واحدا من أشد المتفائلين بحكومة الكاظمي، وأنهت حياة المحلل الأمني المعروف هشام الهاشمي، على بعد أمتار من منزله في قلب بغداد، وتماما كما نص تهديد، أخير قيل إن الهاشمي تلقاه على هاتفه الجوال، توعده بالقتل العاجل في منزله.

وبالطبع، فلا أحد يتوقع أن يكون الهاشمي آخر المغتالين غدرا في العراق، ولا آخر الذين تقيد قضايا قتلهم ضد مجهولين، حتى لو برّ الكاظمي بوعده، واعتقل المتهمين بالقتل، فسوف تنتهي القصة غالبا إلى إجراءات صورية، ويكتفي الكاظمي بشراء حياته، فلا شيء صار حقيقيا في العراق اليوم، فالحكومة افتراضية، والجيش افتراضي، والشرطة والقضاء إلى آخره، والحقيقة التي تبقى صادمة صامدة حتى إشعار لا يجيء، هي تحول العراق إلى ملعب مفتوح للقتلة، وتلك مأساة متصلة متفاقمة منذ الاحتلال والغزو الأمريكي للعراق في إبريل 2003، فلا دولة ولا وعاء حافظ للعراقيين، والاحتلال الأمريكي تبعته الهيمنة المسلحة والاقتصادية والاجتماعية والدينية الإيرانية، في ما ضاع العراقيون بين شقي الرحى، انفصل شمال العراق الكردي بصورة عملية تامة، وتحت خط الفصل، لم يعد من تعريف للعراقي كعراقي، فهذا سني وهذا شيعي، وهذا عربي وذاك كردي، أو مسيحي أو تركماني أو أيزيدي، أو من عبدة النار، وتحت كل طائفة تفريعاتها، وفي كل عشيرة سنتها وشيعتها، ولم يعد يجمع بين العراقيين سوى حد القتل، إضافة إلى الفقر والتشريد والهوان، في بلد كان الأغنى بموارده الطبيعية المائية والبترولية في المنطقة كلها، لكن لا أحد يرحمك من القتل، حتى لو كنت فقيرا ومهانا ومحروما من نعمة الشعور بهوية وطنية جامعة، والفرصة الوحيدة عندك لتوقي القتل، هي أن تكون قاتلا أو مستعدا للقتل، أو أن تكون عندك رخصة حماية من عصابة قتلة، وما أكثر جماعات القتل في العراق، فقد ولغوا جميعا في الدم العراقي، وحولوا أنهار الدم إلى بحار ومحيطات بلا شواطئ، ملايين العراقيين هربوا من المقتلة الكبرى إلى خارج حدود العراق، وملايين العراقيين الأكثر عجزوا عن الهروب، واعتصرتهم المحنة الدموية، وبكل أسلحة القتل قديمها وحديثها، بحد السكين، أو بطلقة رصاص، أو بالكاتيوشا أو بصواريخ «كروز».

قوات الاحتلال قتلت مئات الآلاف بل الملايين، وحروب الأعراق والطوائف قتلت أكثر، جماعات القتل (الشيعي) الصفوي طردت وشرّدت وقتلت لحساب الهيمنة الإيرانية، وجماعات القتل (السني) على طريقة «القاعدة» و»داعش» وأخواتها، زايدت في بورصة القتل إلى أقصى حد، ولم تعف أحدا، لا سنيا ولا شيعيا، من مصائر التدمير والسبي والاغتصاب وقطع الرقاب، وكلهم يصيحون (الله أكبر) لحظة القتل، وفي نشوة إيمانية مزورة ملتاثة، وتحت رايات (لا إله إلا الله) و(آل البيت) و(يا حسين)، أو غيرها من السرديات المتوحشة باسم الإسلام، بينما لا علاقة لهم جميعا لا بالإسلام ولا بالإنسانية من أصله، وبما قد يذكرك بمقولات قديمة لعالم الاجتماع العراقي الشهير علي الوردي، كان الوردي يبحث عن أصل القسوة في التكوين العراقي، وكان يركز على اختلاط معاني البداوة والتحضر، وظواهر الأصوات الزاعقة بالمبادئ والمثل العليا، التي تضادها حقائق التعصب والقتل باسم الطائفة والدين، بينما قد يكون القاتل في الغالب «ملحدا» بسيرة حياته وسلوكه اليومي.

وقد لا تكون القصة في الشخصية العراقية، وازدواجها الحاد على ما ذهب إليه الوردي، ولا في النفاق القاتل المعتق، الذي ينسبه البعض لأقوال وعظات من سيرة الإمام الجليل علي بن أبى طالب، رضي الله عنه، وتجاربه المريرة القاسية مع أهل الكوفة، أو ما جرى من بعده في مقتلة الإمام الحسين، ودموية الحجاج بن يوسف الثقفي، من فوق منابر المساجد، فقد كان العراق لآلاف السنين تعبيرا جغرافيا لا سياسيا، وكانت حاضرته (بغداد) واسطة العقد في أعظم مراحل ترقي الحضارة الإسلامية، في الفقه والعلم والتصوف والفلسفة والفن والموسيقى والغناء، كما في الشعر العربي، الذي يظل المتنبي (العراقي) أميره وملكه المتوج على مرّ العصور، وإن كان مقتل المتنبي في ذاته إشارة دالة على المصير الدموي المتكرر، وقد راحت بغداد الحضارة الإسلامية العربية ضحية الاجتياح المغولي، وضحية مكائد القصور والأعاجم، إلى أن ذوت خلافة العباسيين بالضمور العائلي والتآكل والموات الطويل، وإلى أن دخلنا في عصور العثمانيين المترعة بالتخلف، وظل العراق معنى جغرافيا لا حقيقة سياسية، وإلى أن تكوّن العراق الحديث الذي نعرفه منذ نحو مئة سنة، وعلى مراحل ثلاث، ملكية استعمارية، فجمهورية ديكتاتورية، فاحتلالية إفنائية متصلة إلى اليوم، وكان تكوين العراق السياسي هجينا مختلطا، وشبيها بلقاء الخناجر و(الغدارات) المختزنة تاريخيا في النفوس، وبغير عمود فقري ناظم متسق متجانس في طبيعته، وأقرب إلى «بواقي الفساتين» الإثنية والطائفية، فالفستان الكردي (التركي والإيراني) ممتد في رأس العراق، والفستان السني ممتد من نواحى الشام والجزيرة العربية، والفستان الشيعي ممتد من إيران، بتشيعها الصفوي الغالب، المخالف في تكوينه للتشيع العلوي العربي بطبع نشأته، وتكوين مختلط خطر من هذا النوع، يحتاج إلى أفران صهر، قد تكون بلغت ذروة حرارتها الخانقة في عهد صدام حسين بالذات، استنادا إلى كون (العروبة) هي القاسم المشترك الأعظم في الاختلاط العراقي، وفي تطوير لذات الفكرة التي نشأ بها العراق كتكوين سياسي، إذ جرى استقدام ملك عربي من خارج العراق، وقبل به العراقيون العرب من السنة والشيعة، وبحكم رخو نسبيا تحت سيطرة الاستعمار البريطاني.

ورغم الانتقال في ما بعد من الرخاوة الملكية إلى الاستبداد الجمهوري، والانتقال إلى حكم العراق بعراقيين، إلا أن خيط الدم لم يغب أبدا، فيندر أن تجد حاكما للعراق مات على سريره، وحتى صدام حسين، الذي صعد إلى السلطة بانقلاب عسكري أيديولوجي، بدا كأنه يطارد أقدار اغتياله، فقد كان محكوما عليه بالإعدام قبل أن يصل إلى الحكم، ثم انتهى إلى قدره المكتوب على المشنقة بعد الاحتلال الأمريكي، وقد لايصح أن ينكر أحد دموية حكم صدام، فقد كان الرجل قوميا عربيا بامتياز، لكنه كان عراقيا مطبوعا بطبع حوادث بلده وتاريخه ودولته، كان بدويا ومتحضرا في الوقت نفسه، مندفعا وشجاعا وقليل الاكتراث، حتى على حبل المشنقة، لكن الحساب الدموي لصدام على وطأته، يظل محدودا لو قورن بما جرى بعد شنقه واحتلال العراق، ربما لأن حكم صدام كان المتعهد الوحيد لأحكام القتل في زمانه، وكان القتل من نصيب معارضيه غالبا، أما ما جرى من بعده، فكان شيئا آخر تماما، فقد تكاثر المتعهدون بالقتل، وصاروا جهات وعصابات بالآلاف، ودونما فرصة نجاة محققة لطرف بذاته، إلا بقدر ما لديه من سلاح، يدفع به الخطر عن نفسه وأهله، وهذا هو المعنى الذي قصدناه بتعبير «الاحتلال الإفنائي» الحاضر في العراق، فقد ذهبت الدولة الحارسة إلى قبرها، بقرارات الاحتلال، حل الجيش، واجتثاث حزب البعث، وتهجير وتقتيل كوادر الاحتراف في إدارة جهاز الدولة، وإحلال الخراب الشامل، والتحول إلى معاني دولة صورية وافتراضية تماما، والابتلاء بفساد وتوحش جماعات اليمين الديني، وحروب الطرد والفرز الطائفي الهمجي، وتنصيب حكومات الدمى الأمريكية والإيرانية على التوازي أو بالتتابع، وتسييد مليارديرات النهب المحمية بعصابات السلاح المنفلت، وجعل العراق حلالا للأطيار من كل جنس، إلا للعراقيين الوطنيين، وجعل الساحة العراقية «عناوين بريد» لصدامات الآخرين، وهكذا دخل العراق كتكوين سياسي وطني جامع إلى مرحلة الإفناء شبه الكلي، التي لا عاصم منها سوى بمعجزات وثورات غضب كاسح للاحتلالين، توالت على طريقها انتفاضات الناس، بفوائض حنين مضاعف إلى العراق الذي كان عزيزا مقتدرا، وصار مغدورا غارقا في دمه، كما الإمام الحسين، لا يطلب سوى التشيع للعراق لا التشيع عليه، فالعراق اليوم في أمس الاحتياج لعراقيين يشبهون ألمه.

Loading...