ليلة القبض على فاطمة
الكاتب: طارق طوقان
يوم عرض هذا الفيلم المصري العربي على شاشات العرض في الثمانينات من القرن الماضي تفاعلنا معه كمشاهدين وكعرب، ودمعت أعيننا لرؤية فاطمة تتعرض للاساءة والإهانة على يد اخيها الذي نال شرفا لا يستحقه حين نسبت اليه فاطمة ما قامت به من شجاعة وخير وبطولة، وما حل بها من ظلم حين ادخلت الى مستشفى الامراض العقلية نتيجة اتهامات شقيقها وتلفيقاته وعلاقاته المشبوهة مع المسؤولين، وتفاعلنا مع قضيتها طول فترة القصة الى أن جاءت النهاية الحتمية بانتصار الحق على الباطل، وحصلت فاطمة على حقها وتم رمي شقيقها وراء قضبان السجن.
واليوم نرى فاطمة في كل مدينة عربية شخصا ومدينة وقضية، نرى فاطمة في بيروت الجريحة والتي لا زالت تئن من الام انفجار المرفأ، والذي لم يكن لينفجر لولا سنوات الظلم والظلام التي مرت، ونرى فاطمة في الخرطوم التي تغرق في مياه النيل ولا تقوى على حمل اطفالها الى بر الأمان والسلامة حيث انهكتها سنوات الظلم والظلام، ونرى فاطمة في بغداد التي اجتاحها المغول والفرنجة والظلام والظلم مرة ثانية وثالثة ورابعة، ونراها في طرابلس ليبيا التي اصبحت رهينة لكل أجندات العالم وجنت ثمار عقود من الظلم والظلام دمارا وخرابا في الانسان قبل البنيان.
القائمة تطول وتطول وفاطمة اليوم تتألم وتتوجع في كل مدينة عربية وفي كل حاضرة مشرقية، في دمشق وفي صنعاء وفي تونس وفي مشرق الارض العربية ومغربها، ظلمها شقيقها واخوتها ولم ولن يسعفها زيارات الماكرون وابتساماتهم الصفراء وكلمات تعاطفهم الجوفاء ولا احتضانهم او قبلاتهم التي تشبه شمشمة الضبع قبل هجومه على فريسته.
فاطمة العربية ظلمت يوم ظلمت فاطمة المقدسية، فاطمة العربية ظلمت يوم منحت اخيها شرفا لا يعرفه ولم يصنه واعطته ما لا يستحق، فاطمة العربية ظلمت يوم سكتت ويوم رأت شقيقها يرتع ويسرح في الفساد وملكته امرها، فاطمة دخلت في الجب مع يوسف يوم وثقت باخوتها وذهبت معهم حيث يريدون. فاطمة كما المسيح ابن مريم دعت اخوتها الى العشاء وهي تعلم ان من بينهم خائنا.
فاطمة العربية ارخت سدائل شعرها واطمأنت لأشقائها الرماة الذين تركوا الجبل وركضوا وراء الغنائم، ولم تكن فاطمة في بالهم او في تفكيرهم. فما قلقوا ليلة القبض على فاطمة وما رف لهم جفن يوم سمعوا صرخاتها ولا استغاثاتها.
قصة فاطمة طالت واستحكمت حلقاتها ولا بد لها من خاتمة ونهاية سعيدة، وفاطمة كانت عبر التاريخ اقوى من اشقائها ومن شقائها، فربها دوما ارحم بها ويرسل لها رزقا، ويكتب لها ان أولادها لا يتركوها ولا يظلموها بل يعيدون لم ضفائرها ويمسحون عن وجهها دموع القهر ويقبلون اثار الحزن والهم على وجهها ويمسحون شعرها بزيت زيتون كتبت له القداسة، فيعود وجهها مشرقا وضاءا يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار.

