أوقات الصلاة
الفجر 4:52 AM
الظهر 11:27 AM
العصر 2:17 PM
المغرب 4:41 PM
العشاء 6:01 PM
حالة الطقس
Loading...
اسعار العملات
Loading...

عن بايدن ومشاريع "الفدرلة"

الكاتب: عبير بشير

الاعتقاد السائد هو أن وجود ترامب في البيت الأبيض، بأميته وبشخصيته المهرجة والاستعراضية والصاخبة، هو الذي تكفل بإحداث الصدمات في الشرق الأوسط: الانسحاب الخشن من الاتفاق النووي، إهداء القدس والجولان لإسرائيل !!! الإعلان عن صفقة القرن، والتطبيع بين إسرائيل ودولٍ في عمق المنظومة العربية.....


وهذا يقودنا إلى سؤال أخطر: هل إدارة جو بايدن، مرشحة لأخذ الشرق الأوسط إلى تحولات أكثر عمقاً وسخونة، لأن ترامب ببساطة مهد لها الطريق!!، ولأن بايدن الفائز في الانتخابات الأميركية، مازال مؤمناً بمشروع الفيدراليات، وبمشروع الأقلمة والفدرلة، !!! وهو ثمرة رؤية بايدن إلى كيانات الشرق الأوسط والأزمات التي تعصف به، مستنداً إلى تجربة زاخرة كرئيس للجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي على مدار سنوات.


 في 2006 كتب بايدن مقالاً مطولاً مع زميلته في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، ليزلي غالوب، مقترحاً ثلاثة تقسيمات فيدرالية قابلة للحياة في العراق، وقد دعا إلى تأسيس ثلاثة أقاليم - كردية وسنيّة وشيعيّة، بحكم ذاتي مع حكومة مركزية في بغداد، وتجمعها مصالح مشتركة في السياسة الخارجية والدفاع، ومداخيل النفط وحماية الحدود، مع إعطاء حوافز للسنة، من أجل الدخول بهذا المشروع.


وذكر حينذاك أن الدستور العراقي يشير إلى هيكلية فيدرالية، وأن العراق كان يسير نحو التقسيم أساساً وربما كخيار أخير. وفي أيلول 2007، صوت مجلس الشيوخ بـ 75 مقابل 23، تأييداً لخطة الفيدرالية العراقية، حيث ذكّر بايدن بنموذج البوسنة كمثال على نجاح فكرة الفيدرالية في تعزيز السلام.


أما عن تصاعد التصفيات الطائفية المرافقة دائماً للمشاريع الفيدرالية، فقد قال عنه بايدن، يومها، في مقاله «إنه يحصل فعلياً، وليس فقط بسبب الفيدرالية»، وهو دعا إلى الإبقاء على قوة صغيرة أميركية، وإنما فاعلة، لمواجهة جيران العراق وردعهم من القيام بأي عمل ضده، كما طالب بعقد مؤتمر إقليمي، تحت رعاية الأمم المتحدة لمساعدة العراق، واحترام حدوده، وصيغة نظامه الفيدرالي، وتشكيل مجموعة للاتصال بجيران العراق، لتشجيعهم على احترام هذه الاتفاقية.


لم يكن العنف قد وصل حداً خطيراً في العراق عندما كتب بايدن مقالته الشهيرة عن التقسيم، كما أن الرئيس السابق، جورج دبليو بوش، كان لا يزال في منتصف ولايته الثانية، والجنود الأميركيون كانوا موجودين على الأرض، إلا أن بايدن الذي شرح في مقالته اقتراح الفيدراليات الثلاث، انطلق من أن بوش لا يملك استراتيجية للربح في العراق، وهدفه الوحيد عدم هزيمة الأميركيين، ليترك هذه المشكلة لمن بعده في الرئاسة. وصف بايدن الواقع العراقي، آنذاك، بقوله «طالما هناك قوات أميركية في العراق، لن ينجح الثوار، ولا الأميركيون، وسيبقى الخطر الأكبر هو العنف بين السنة والشيعة، والشيعة لا يمكنهم قمع انتفاضة سنية، وحكومة العراق لن تستطيع وقف الانحدار، والحل هو بالفدرلة في العراق.


ولم يمض وقت طويل، حتى أصبح جو بايدن نائبا للرئيس باراك أوباما، وكان لافتاً حينها موقفه، باعتبار أن سورية يمكن أن تحكم تحت نوع من الفيدرالية الإدارية، معتبراً أن هذا لا يعني أنها دولة غير كاملة السيادة، وإن هذا يختلف عن تقسيم البلاد إلى مناطق ذات حكم ذاتي. ومع فوز بايدن بالرئاسة أخذ الأكراد يطمحون في استعادة الزخم لإقامة إقليم كردي في الشمال السوري، معتقدين بأن الرجل سيعود إلى مشروعه القديم.
وفي الآونة الاخيرة، وحتى قبل فوز بايدن وكمالا هاريس، ارتفعت رايات الفيدرالية بعناوين مختلفة عند المسيحيين، في لبنان، بسبب النظام المركزي الهجين الذي يُشعر المسيحيين بأنهم مطوقون من طوائف اخرى، حيث تظن القوى والاحزاب المسيحية بمعظمها أن طروحات المؤتمر التأسيسي الذي يريده الشيعة في لبنان، من شأنه إدخال تعديلات جوهرية على النظام السياسي في لبنان، وأخذه نحو المثالثة، وفي ظل الانقسام اللبناني الحاد حيال السياستين الدفاعية والخارجية، يرى المسيحيون بأن الحل هو الذهاب إلى التقسيم المشرعن، أي ما يعرف باللامركزية الإدارية التي أكد عليها اتفاق الطائف.


وعلى أرض الواقع، تتجه تطورات الأحداث، والأزمات المفتوحة في اليمن، ليبيا، نحو الفدرلة.


ففي اليمن لم تكن المبادرة الخليجية مجرد اتفاق سياسي، وإنما وثيقة تحول تاريخية ترعى مصالح وكلاء الأطراف المتصارعة في اليمن، وشكلت الفيدرالية نواتها الرئيسة، على عكس الاندماجية التي قام عليها اليمن في عام 1990.


ونصت مخرجات الحوار الوطني، برعاية المبادرة الخليجية، على تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم، ولكن الحوثيين سارعوا إلى رفض المشروع، لأنه أبعدهم عن البحر وموانئه، ورفضه الجنوبيون، لأنه يقسم الجنوب إلى أقاليم.


وفي وقت لاحق، جرى الحديث عن مبادرة دولية، لتقسيم اليمن إلى ثلاثة أقاليم: واحد للحوثيين في الشمال وعاصمته صنعاء، والثاني للمجلس الانتقالي وعاصمته عدن، وثالث في حضرموت.


وبات من المتوقع بأن إدارة بايدن المقبلة، سيكون لها اليد الطولى في ترجيح هذا التوجه الذي محوره الفدرلة والأقلمة، التي يؤمن بها بايدن.
وليس بعيداً عن الفدرلة في ظل إدارة بايدن، الوضع في ليبيا؛ فبعد مغامرة الجنرال حفتر العسكرية الفاشلة في الغرب الليبي، والتدخل التركي في الأزمة في ليبيا، واضطرار الأطراف المتنازعة إلى العودة إلى المسار التفاوضي، أصبحت الدعوة إلى تقسيم ليبيا إلى ثلاثة أقاليم، تزخر بها  منصات قوى «الإسلام السياسي» في ليبيا، وهو ربما انعكاس أوضح لما ستجري عليه الأمور في ليبيا على الأرض، بعدما يتم استنزاف القوى المتصارعة، ووكلائهم.


طبعاً ليست الفدرلة مشكلة فى حد ذاتها، وهناك نماذج دولية عديدة ناجحة لدول فيدرالية استطاعت أن تحفر لنفسها مركزاً متقدماً بين الأمم، وأن تتبوأ موقعاً متقدماً من حيث المكانة والتأثير والفاعلية سواء على الصعيد الدولي أو في محيطها الإقليمي ومجالها الحيوي.
أما في عالمنا العربي، فكشفت مقدمات وأحداث السنوات الماضية، أن الفيدرالية لم تكن مدخلاً لتعميم التنمية، أو تطوير الإدارة، أو توسيع المشاركة السياسية، وتحقيق العدالة الاجتماعية... بل كانت تكثيفاً لتعدد الأجندات وتضارب المصالح الخارجية، وهي وصفة لتفتيت الدول، وتشتيت الشعوب.

Loading...