هل يمكن الوثوق بأمريكا لقيادة سفينة قضية العصر؟
منذ أكثر من ثلاثة عقود وقضية العصر تراوح في مكانها، وتقف على أبواب نفقٍ طويل مظلم لا يمكن مشاهدة نهايته، فتارة تتقدم قليلاً إلى الأمام، وتارة أخرى تتأخر سنوات طويلة إلى الوراء، وكلما خطا المجتمع الدولي خطوة نحو معالجة القضية وأحرز نجاحًا لمكافحتها جاءت بعض الدول، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية لتعيدها إلى نقطة الصفر، وكأنه لم يُنجز شيء بعد سنوات من المفاوضات والاجتماعات الدورية المكثفة والعصيبة.
فسياسة الولايات المتحدة الأمريكية نحو قضية العصر، قضية التغير المناخي، تتأرجح بين مدٍ وجزر، وبين تقدمٍ وتأخر، فتتغير السياسات المناخية حسب أهواء ومواقف الرئيس الأمريكي من جهة، ومصالح الحزب المهيمن الذي يتمتع بالأغلبية في الكونجرس، وبالتحديد في مجلس الشيوخ، أو السينت من جهة أخرى.
فالعالم يواجه أزمات متكررة وحالة من عدم الاستقرار في السياسات والاستراتيجيات المناخية على المستوى الدولي، إضافة إلى عدم القدرة على مواجهة هذه القضية الشائكة والمعقدة بسبب عدم الثبات في سياسات ومواقف الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة الأولى المسؤولة عن التغير المناخي، منذ المؤتمر التاريخي البيئي حول البيئة والتنمية والمعروف بقمة الأرض، والذي حضره لأول مرة قادة ورؤساء حكومات دول العالم في ريو دي جانيرو في البرازيل في الفترة من 3 إلى 14 يونيو 1992, حيث كان من بين المشاركين الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب.
وفي هذه القمة وافقت الدول بالإجماع على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية حول التغير المناخي، وهذه الاتفاقية مهدت الطريق لمعاهدة دولية تُلزم كافة دول العالم بمواجهة تحديات التغير المناخي، وتتعهد بمنع انبعاث الملوثات المتهمة برفع درجة حرارة الأرض، فكانت هذه القمة هي البدء في ولوج التغير المناخي في دوامة جدول أعمال المجتمع الدولي ونقطة دخوله.
وفي هذه القمة لعب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب دور القيادة والزعامة لهذه القضية الدولية المشتركة، حيث أكد بكل وضوح في المؤتمر الصحفي الذي عقد في 13 يونيو 1992 عن إيمانه بأهمية قضايا البيئة بشكلٍ عام، وقضية التغير المناخي بصفةٍ خاص، فتعهد بأن تلعب أمريكا دور الريادة والزعامة في حمايتها، حيث قال: «الولايات المتحدة الأمريكية تعتزم أن تقود العالم لحماية كوكبنا، فحماية البيئة تجعل النمو مستدامًا»، كما دعا بوش الدول الصناعية الى التوقيع على الاتفاقية والبدء في تنفيذها، وقال: «علينا جميعًا ترجمة الكلمات والأقوال إلى خطوات تنفيذية راسخة لحماية الكوكب»، وفي الوقت نفسه بدأ العمل في بيته أولاً، حيث رسم سياسة مناخية عامة لأمريكا، ووضع خطة أولية لمواجهة التغيرات المناخية، تتمثل في رفع فاعلية تشغيل الطاقة، وحماية الغابات، وإنتاج تقنيات حديثة وجديدة منخفضة الانبعاث للكربون، والمحافظة على نظافة الهواء الجوي من خلال التوقيع على اتفاقية الهواء النظيف لعام 1990.
فالبداية للولايات المتحدة الأمريكية حول قضية التغير المناخي كانت قوية وصادقة ونابعة من قناعات الرئيس نفسه، ومخالفًا بذلك سياسات حزبه الجمهوري المعادية تقليديًا لقضية التغير المناخي، وبخاصة لوبي شركات الفحم والنفط. وبالرغم من ذلك فقد نجح بوش في نيل مصادقة الكونجرس على الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي، مما ساعد المجتمع الدولي على اتخاذ خطوات عملية جبارة في الاتجاه الصحيح، حيث بدأت المفاوضات الدولية الشاقة حول اتفاقية ملزمة للتغير المناخي في عام 1993, وانتهت بعد أربع سنوات عصيبة، وبالتحديد في ديسمبر 1997 في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في كيوتو باليابان، حيث وافقت دول العالم على معاهدة مشتركة ملزمة، تَعهدت فيها كل دولة على حِدة من الدول الصناعية على خفض انبعاثاتها من الغازات المعنية برفع درجة حرارة الأرض، وعلى رأسها غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينطلق من احتراق الوقود الأحفوري في السيارات، والطائرات، والمصانع، ومحطات توليد الطاقة.
فالولايات المتحدة الأمريكية وقعت على بروتوكول كيوتو في عهد الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون، ثم عند دخول الجمهوري جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض أرجع عقارب الساعة إلى الوراء، فلم يوافق على البروتوكول، ورفض التصديق عليه، فأرجع المجتمع الدولي إلى المربع الأول والنقطة التي بدأ منها وهي عام 1992 مع قمة الأرض، حيث قام من جديد بمفاوضات ماراثونية دولية استغرقت عشرين عامًا، وبعد مخاضٍ عسيرٍ وشديد وضع مولودًا غير مكتمل النمو في ديسمبر 2015 في باريس.
وهنا أعاد التاريخ نفسه، فقد وقَّعت أمريكا عندما كان الديمقراطي أوباما يسكن في البيت الأبيض على هذه المعاهدة، ولكن بعد تربع ترامب الجمهوري على عرش البيت الأبيض، توعد أثناء حملاته الانتخابية الرأسية بالخروج من اتفاقية باريس، فكان دائمًا معاديًا لسياسات التغير المناخي، ويعتبر القضية كلها «خدعة» ولا دور للإنسان في وقوعها، ولذلك أعلن ترامب في الأول من يونيو 2017 إعلانه المخيب لآمال الدول والشعوب عن انسحابه من اتفاقية باريس المتعلقة بمواجهة التغير المناخي وارتفاع سخونة الأرض، والتي تمخضت عن مفاوضات دولية كلفت الكثير من الجهد والمال والوقت، ووقعت عليها 195 دولة.
والآن مع بداية عهدٍ أمريكي جديد بزعامة جو بايدن، يترقب العالم كله من جديد مصير قضية العصر، فهل ستراوح في مكانها، أم أنها ستسير قدمًا إلى الأمام؟
في الحقيقة فإنني أرى أن التغير المناخي في زمن بايدن سيكون أوفر حظًا في المضي قدمًا نحو الأمام ونحو اتخاذ خطوات عملية تتجه نحو خفض انبعاث الملوثات المتهمة برفع درجة حرارة الأرض لعدة أسباب منها:
أولاً: جو بايدن كان نائبًا للرئيس في عهد أوباما الذي كان له اليد الطولى في هندسة اتفاقية باريس المناخية، ولذلك فسياساته المناخية لن تحيد كثيرًا ولن تنحرف عن سياسات أوباما في قضية التغير المناخي.
ثانيًا: منذ انتخابه رئيسًا وضع قضية العصر في مقدمة أولوياته وفي الصفحة الأولى من جدول أعماله، حيث كلَّف جون كيري وزير الخارجية الأسبق في 24 نوفمبر بمتابعة ملف التغير المناخي، كما أنه وعد على أن يركب قطار باريس للتغير المناخي في أول يوم لتنصيبه رئيسًا.
وبالرغم من ذلك فإن المشكلة في أمريكا لا تكمن فقط في سياسات ومواقف الرئيس الأمريكي نفسه، فالقرار ليس دائمًا بيده، فهناك الكونجرس الذي يصادق في نهاية المطاف على الاتفاقيات الدولية، والحزبان الديمقراطي والجمهوري اللذان لا ثالث لهما في السياسة الأمريكية هما اللذان يرفضان، أو يمنحان الثقة والموافقة على هذه الاتفاقيات، سواء أكانت متعلقة بالتغير المناخي أو غيرها، وحتى يومنا هذا لم تتضح الصورة بالنسبة للحزب الذي سيهيمن على الكونجرس.
وبناءً عليه لا يمكن الوثوق في أمريكا على المدى البعيد لقيادة دفة سفينة التغير المناخي، فتقلباتها السياسية كثيرة وغير متوقعة.
- عن أخبار الخليج

