الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:40 AM
الظهر 12:38 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:16 PM
العشاء 8:36 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

كعب أخيل

الكاتب: عبير بشير

كانت الناصرية لحظة مغايرة في تاريخ الثورات العالمية، وبدا التأثير الناصري عميقاً وملهماً لقوى اليسار.

كان السر وراء ذلك في قوة «النموذج الإنساني» الذي صنعته الناصرية، وثورة يوليو.
فقد لامس عبد الناصر عمق الكبرياء المصرية الجريحة ومعها كل البلدان المقهورة، حينما أعلن تأميم قناة السويس، متحدياً أعتى الإمبراطوريات في عصره، لأنه كان يدرك بحس عبقري، أن هذه الخطوة هي الترجمة الفعلية لشعار «التحرر الكامل»، وهي من النوع الوجودي الذي يعيد تأسيس الكينونة الحضارية، وقد وضع تأميم القناة مصر في قلب التفاعلات الدولية والإقليمية، وأدى إلى توقيف موجة الاستعمار وتدشين موجة التحرير في التاريخ السياسي العالمي.
ولا توجد ثورة فى التاريخ بلا إنجازات عظيمة، وأخطاء عظيمة أيضا، وقد كانت ثورة يوليو، بنت عصرها وتحدياته، لذا فإن مشروعها حسبما يرى الكاتب عبد الله السناوي فى كتابه «كعب أخيل « «إرث عبد الناصر»، كأي مشروع آخر، يتعين أن يجرى عليه التصحيح والتصويب بالنقد والإضافة، حتى يكتسب جدارته فى الانتساب إلى المستقبل.
ويقول السناوي عن كتاب كعب أخيل بأنه: «محاولة لإعادة قراءة التجربة الناصرية مشروعاً ونظاماً وإرثاً وصراعاً، امتدَّ عبر العقود، قراءة وليست تأريخاً، رؤية لمستقبل وليست تحليقاً في ماضٍ».
ويضيف المؤلف: «بالوثائق والشهادات وبعضها شبه مجهول، حاولت بناء رؤية جديدة في عصر جديد لأهم تجربة عربية في التاريخ الحديث، وأكثرها إثارة للجدل كأنه نظرة في المرآة لقوتها وتجاعيدها.
لقد أضاف عبد الناصر إلى الوطنية المصرية آخر رقائقها وأصلب طبقاتها، وقاد مشروعاً تحديثياً شاملاً.
ورغم أن المشروع الناصري التحديثي، لم يقترب من الأفق الديمقراطي، ولم ينفتح أبداً على الأحزاب الوطنية التقليدية بفعل الشك العميق بينهما، غير أنه تبنى أكثر مطالب الحركة الوطنية نبلاً، مثل الإصلاح الزراعي، وبناء السد العالي الذي حمى مصر من الجفاف والفيضان، وأضاف ملايين الفدادين إلى الرقعة الزراعية، وبناء جيش وطني مهني، وإنشاء الصناعات الثقيلة على نطاق واسع، والمستشفيات والمدارس، وفرض التعليم النظامي المجاني.
لقد أطلق عبد الناصر أوسع عملية هندسة اجتماعية نقلت أغلبية المصريين من هامش الحياة إلى متنها.
كان عبد الناصر متأثراً إلى حد كبير بالقومية المصرية، التي اعتنقها السياسي مصطفى كامل والشاعر أحمد شوقي، وقد تأثر ناصر بشدة برواية «عودة الروح» للكاتب المصري توفيق الحكيم، التي قال فيها إن الشعب المصري كان فقط بحاجة إلى «الإنسان الذي سيمثل جميع مشاعرهم ورغباتهم، والذي سيكون بالنسبة لهم رمزاً لهدفهم».
وكانت هذه الرواية هي مصدر إلهام لعبد الناصر لإطلاق ثورة 1952، والمشروع الناصري الهائل.
ولكن كيف حدث أن المشروع الناصري الهائل، سقط بسهولة في أعقاب وفاة عبد الناصر؟
هذا السؤال المفتاحي هو الذي طرحه السناوي في مقدمة كتابه «كعب أخيل»، وهذا ما حاول المؤلف الإجابة عنه بموضوعية، حيث ذهب الكاتب إلى أن مشروع ناصر الواسع قد تمت تصفيته بوساطة نظامه السياسي الضيق، وهي إجابة يمكن اعتبارها صادمة لمن اعتاد على الأجوبة التقليدية، وعلى هذا الأساس جعل السناوي من كشف التناقض ما بين النظام والمشروع محوراً أساسياً لكتابه، الذي يعيد قراءة التجربة الناصرية.
وعبر أربعة عشر فصلاً، يتتبع عبدالله السناوي، تاريخ وملامح تجربة جمال عبدالناصر ومشروعه الذي لم يكن في يوم خارجا عن سياق ما نادت به الحركة الوطنية المصرية، وكيف كانت قوته تكمن في حقيقة الأمر في مشروعه العريض، لا في ثغرات نظامه القاتلة، تلك الثغرات التي حرص عبد الناصر في سنواته الأخيرة على مراجعة أخطائها، وسجل تلك المراجعات في محاضر رسمية، وبخاصة ما يتعلق منها بالأخطاء التي أفضت إلى هزيمة حزيران، ودعا خلالها إلى المجتمع المفتوح ودولة المؤسسات.
ويطرح السناوي العديد من التساؤلات حول إلى أي حد يتحمَل عبد الناصر مسؤولية ما انتهت إليه تجربته، وما تبناه من آليات حكم ناقضت مشروعه؟.
وبنص ما قاله ناصر قبل الهزيمة بـشهر:
«الأزمة لم تعد أزمة أشخاص إنما هي أزمة نظام
، والحزب الواحد بغير معارضة قد أثبت أن عيوبه أكثر من أي شيء آخر، كانت هناك مؤامرات على ثورة يوليو لإجهاض مشروعها.. وما كانت لتمر لولا الثغرات الداخلية في بنية النظام المقفول».
وبنص كلامه، الذي دونه محمد حسنين هيكل على ورق واحتفظ به في مجموعة أوراقه: «إن النظام على النحو القائم الآن يترك مصير البلد لرجل واحد، وهذه مخاطرة بالمستقبل».
غير أن التناقض كان فادحاً بين اتساع مشروع عبد الناصر وضيق النظام. وبالنسبة للكاتب السناوي، أن أي نظر في تاريخ رجل ثورة «يوليو»، فهو شخصية تراجيدية، كأنه صورة حديثة من «أخيل» البطل الملحمي في التراجيديا الإغريقية، قوته في مشروعه، أو مناعة جسده من ضربات السهام والرماح، وضعفه في نظامه، أو انكشاف كعبه لأي ضربات تصل إليه.
ولم يكن عبد الناصر صريع هزيمة حزيران ولكنه كان جريحها،
وبنظر تراجيدى فهو «أخيل جريحاً» لا «أخيل صريعاً».
وفي ظن عبد الله السناوي، يلخص المشير عبدالحكيم عامر «كعب أخيل» الأول، فهو صديقه الأقرب، بل هو توأمه الإنساني وسنده في حسم صراعات السلطة، حتى أصبح هو نفسه عنوانا رئيسا على خلل بنية النظام وتصدعه من داخله.
ويمثل الرئيس الأسبق أنور السادات «كعب أخيل» الثاني، لم يكن له دور جوهري في سنوات «يوليو»، وعاش فى ظل المناصب، وعندما وصل إلى سدة الرئاسة، انقلب على مشروع يوليو.
وقرب الهزيمة العسكرية في (١٩٦٧) حذرت أعمال مسرحية عديدة من مخاطر وشيكة، توشك أن تدهم بطلها، كانت الستينيات ذروة مجد المسرح المصرى، ورغم انتساب أهم مؤلفيه ومخرجيه لثورة «يوليو»، فإنه مارس درجة عالية من نقد المرحلة، محذراً مما تخبئه الأيام. فقد حذر المؤلف المسرحي سعد الدين وهبة من أن هناك من يضع العسل في أذن الحاكم.
وانطوت مسرحية «الفتى مهران» لـعبدالرحمن الشرقاوي على دعوة صريحة للحاكم بألا يُرسل جيشه إلى «السند»، بينما العدو رابض على حدوده الشرقية، قاصداً اليمن.
وبالنسبة لعبد الله السناوي، كان التخلص من عبدالناصر على رأس الأولويات في إدارة الرئيس الأميركي ليندون جونسون بعد أن تخلصت من زعامات كبيرة للتحرر الوطني في العالم الثالث واحدا إثر الآخر مثل «سوكارنو» فى إندونيسيا و«كوامي نكروما» في غانا.
كان الوصف الأميركى لعدوان ١٩٦٧ بذاته دالا على أهدافه: «اصطياد الديك الرومي»، الذي يتيه بقيادته لحركات التحرر المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل.
وقد جرت عملية الاصطياد من بين ثغرات نظامه بقدر التآمر الخارجي على مشروع جمال عبد الناصر.

Loading...