الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:14 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:31 PM
العشاء 8:57 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

«هابرماس» ينتصر لقيم الديمقراطية والحرية

الكاتب: مهند عبد الحميد

في واقعنا الفلسطيني اعتدنا على النوع السلبي من الصدمة، بالأمس فوجئ كثيرون بنوع ثان من صدمة فيها فرح وفيها ما يؤكد بأن العدالة لم تمت. نوع ايجابي من الصدمة قليل الحدوث. بالأمس (الأحد) بينما كنت منهمكاً في كتابة مقال عن تأجيل الانتخابات الفلسطينية، صدمني ايجاباً موقف الفيلسوف الالماني هابرماس وهو ما سيطر على اهتمامي منذ سماعه وحتى الآن، وهو يعتذر عن قبول جائزة الشيخ زايد الإماراتية بقيمة مليون درهم إماراتي - ما يعادل 771.780 دولار اميركي-. الصدم الإيجابي جاء عندما انتصر الفيلسوف وهو بعمر 91 عاماً لقيم الحرية والانسان التي تتعرض للتخريب والتدمير من قبل عالم التوحش ورموزه البشعة. قال هابرماس :» أعلنت عن استعدادي لقبول جائزة الشيخ زايد للكتاب لهذا العام، كان هذا قرارًا خاطئًا، وأنا أصححه الآن». ويوضح سبب ذلك بالقول: لم يكن واضحاً لدي بشكل كافٍ الصلة الوثيقة للغاية بين المؤسسة التي تمنح هذه الجائزة في أبو ظبي، والنظام السياسي هناك».
وكانت مجلة «دير شبيغل» انتقدت قبول هابرماس للجائزة بالقول: إن قبول واحد من أهم الفلاسفة الألمان لجائزة دولة تشتهر بالقمع وتنعدم فيها الحياة الديمقراطية لهو مؤشر يثير الإحباط. مستندة الى تقرير مركز الأبحاث الأميركي فريدوم هاوس، الذي يسجل سنوياً حالة التحول الديمقراطي في العالم، وقد رصد تراجع دولة الإمارات العربية المتحدة إلى الوراء بدلاً من إحراز أي تقدم، حيث حصلت الإمارات على 17 نقطة فقط من أصل 100، في حين حصلت إيران على 16 نقطة وروسيا على 20 نقطة فقط. وتساءلت المجلة الألمانية: ماذا ستكون ردود الفعل إذا قبل ممثل بارز للحياة الفكرية الألمانية بالجائزة؟، ويرى مقال المجلة، أن  السؤال الحاسم الذي طرحته جائزة الشيخ زايد للكتاب هو: من يخدم من؟ هل يمكن أن يتحول هابرماس إلى أداة دعاية إماراتية، يتم تدريبها على إخفاء وحشية نظام الحكم وراء ستار دخان من المفردات السامية والتألق الثقافي؟
كم كان دور الصحافة مهماً وهو يكشف الحقيقة استناداً لمعطيات غير قابلة للتجاهل، ومن خلال قراءة نقدية أزالت المساحيق وكشفت عن القبح المستتر خلفها. الصحافة كشفت المستور والفيلسوف بقامة هابرماس السامقة اعترف بسوء تقديره، وتراجع عن موقفه الخاطئ بتواضع مدهش منتصراً لحقوق الانسان وللحرية، موقف هابرماس والصحافة الحرة قلب معادلة اللعب على الجبهة الثقافية رأساً على عقب، ذلك الموقف الذي كشف تسويق أهداف نبيلة، «كالحب والتسامح والحوار بين الأمم والشعوب»، في الوقت الذي يتم فيه إخفاء وحشية نظام الحكم» داخلياً بانعدام الحياة الديمقراطية، ووحشية نظام الحكم خارجياً ( حرب اليمن والتحالف البشع مع اسرائيل التي تحتل وتنهب وتقمع شعباً آخر وتمارس الابارتهايد ضده).
 لم يكن هابرماس المبدع الأول الذي يرفض جوائز دول وحكومات ومؤسسات رسمية، فقد سبقه في الرفض برنارد شو عندما رفض جائزة نوبل في العام 1925. والفيلسوف جان بول سارتر رفض جائزة نوبل ايضا في العام 1964 والفنان مارلون براندو رفض جائزة واحتفال الأوسكار في العام 1973 احتجاجاً على انتهاك حقوق الهنود الحمر، والأديب المصري صنع الله ابراهيم رفض جائزة الدولة في العام 2003 احتجاجا على القمع والفساد وعدم طرد السفير الاسرائيلي من القاهرة اثناء الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية في العام 2002، كذلك انسحب من الترشيح للبوكر العربية الممولة من دولة الإمارات وجوائز اخرى، عدد من الأدباء أبرزهم الكاتبة الإماراتية ظبية خميس والشاعر المغربي صلاح بوسريف، في أعقاب إبرام اتفاق التتبيع والتطبيع بين دولة الإمارات ودولة الاحتلال الإسرائيلي.  
إن رفض جائزة الشيخ زايد من قبل هابرماس، خلق حالة من الجدل في أوساط النخب الثقافية والأدبية، البعض تحمس لرفضه الجائزة في لحظة حرجة من الاستقطاب لمصلحة دول التطبيع العربي، وهؤلاء على حق، فالشعب الفلسطيني بأمس الحاجة لمواقف مناهضة للتطبيع والقمع والهيمنة ولاستخدام الثقافة والمثقفين لتجميل علاقات التبعية الجديدة. والبعض عَلِقَ عند مواقف هابرماس المؤيدة والمبررة لإسرائيل - حاولت استخراجها من غوغل- ولم أُفلح – لكنني عرفت انه من أهم علماء الاجتماع والفلسفة في عالمنا المعاصر، وهو من منظري مدرسة فرانكفورت اليسارية النقدية، وصاحب نظرية العقل التواصلي، وذو اهتمام شديد بحرية الإنسان، ومن المدافعين عن مشروع الحداثة والتنوير، ويدعو الى مجتمع حر. وله نظرية في المعرفة تربط بين المعرفة وبين المصلحة المشتركة، مصلحة الانعتاق والتحرر، ونظام أخلاقي يعتمد معايير عقلانية. ولما كان هابرماس نموذجاً للمثقف الديناميكي الذي يتفاعل مع حركة المجتمع والتاريخ، ويطور مواقفه ويتراجع عن كل ما يعتقد انه خطأ او غير مقنع، فإن مواقفه الخاطئة من اسرائيل ومشروعها قابلة للنقاش. بل إن رفضه لجائزة الشيخ زايد استناداً لحيثيات لها علاقة بالحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، تجعل من تراجعه عن مواقفه الخاطئة أمراً ممكناً.  
ما يمكن قوله إن موقف هابرماس سحب البساط من تحت إقدام مثقفين وأكاديميين وفنانين عرب وفلسطينيين قاموا بتأمين الغطاء لأنظمة البترودولار والغاز دولار وأنظمة وقوى ممانعة مستبدة منذ زمن بعيد. واعاد طرح دور المثقف والمبدع راهناً وبأثر رجعي في حقول السياسة والديمقراطية والحقوق والحريات. أعاد طرح الازدواجية والجمع بين موقفين على طرفي نقيض، في غياب المثقف الناقد او المثقف التبريري وصاحب المعايير المزدوجة. يستحضرني هنا إعادة طرح قبول الروائي والناقد الفلسطيني إميل حبيبي جائزة إسرائيل للأدب في العام 1992. هل كان ذلك مبرراً أم غير مبرر. اعرف ان للراحل المبدع فلسفة تقف خلف قبوله يمكن اختصارها بتحول الثقافة والهوية الوطنية الفلسطينية الى أمر واقع، وانتقال إسرائيل من موقف إنكارها المطلق الى الاعتراف بها كحقيقة. لكن ذلك لا يختصر المسألة، فهناك جوانب اخرى تتلخص بأسئلة من نوع : لماذا تقبل إسرائيل بذلك وهي في موقع المهيمن والمنتصر بقيادة معسكر اليمين القومي والديني؟ ولماذا تعترف بالإبداع الفلسطيني لكنها لا تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ولا بأبسط حقوقه الوطنية؟ أعتقد ان الروائي إميل حبيبي كان سيرفض الجائزة راهناً لو بقي على قيد الحياة.

Loading...