بـريـد جـنـوبـي
الكاتب: حسن البطل
1- ألفة الملح للملح!
بحر غزة ليس بحرياً تماماً، أو لأنّ الملح في دمي الأحمر أكثر كثافة من ملحه البحري الأزرق. يطفو الخشب في الماء، وملح دمي لا يطفو في ملح هذا البحر. دمي له كثافة خشب «الماهوغني» الإفريقي يتداخل لوناه الذهبي والأسود.. فلا يطفو. كانت قطعة الخشب قناعاً وثنياً وزاداً طوطمياً لعودة خرافية. انتهاك الخرافة إثم جميل.
بحر حيفا بحري، فألقيت بجسمي في أمواجه الزرقاء، كان الملح في أزرقه البحري أكثف من الملح في دمي. طفوت. خمس سنوات أوسلوية لم تجعل ملح بحر غزة في كثافة ملح بحر حيفا.. في دمي عطش خمسين عاماً للبحر الفلسطيني. بحر لوط للعذاب، وبحر حيفا لعذاب آخر.
إذا دخل العائد أرض البلاد من بوابتها الشرقية ناداه بحر حيفا.. وللنداء في دمي شوق كعويل النائحات. البرّ هو البرّ، ولبر فلسطين أن يرتدي ثوباً فوق الثوب، والأزرق للأزرق، وملح دمي فرس عنيدة لن يَرِدَ ماء هذا البحر الغزي.. إلا إذا وَرَدت بحر حيفا قبلاً.
القهوة هي قهوتي حقاً على ساحل بحر غزة، لكن البحر هو بحري على شاطئ الطنطورة.. تليق الجعة الذهبية بطقس نزال الأزرق البحري. ملحي يطفو على ملحه.
تثاقلت خمس سنوات تثاقلت عليّ.. حتى انتهزت فرصة ترويض الملح في دمي ليطفو على سطح الملح الأزرق في بحر حيفا.. ومن ثم، نزلت بحر غزة خشباً يطفو على الماء. لم يبق قناع خشب «الماهوغني» قناعاً.. غير أن تميمة العودة البحرية صارت محفوظات مثل بيت شعر للمتنبي، مثل إلقاء تلقائي كما تتلو آية الكرسي.
2 - ألفة المطار؟
من ألفة البحر العصية.. حتى روضتها، إلى ألفة المطار العصيّ. قلت لكم: (نبشوا في أعمدتي السالفة) أن لدى المنفي الفلسطيني داء سميته «إيربورت فوبيا» أو (رهاب المطار).
مثل «برج الجزيرة» المصري القاهري، يبدو مطار غزة معمارياً. برج طريح الأرض. مطار شبه مسحور لولا زخرفاته الجميلة، مقصف فارغ، طائرتان مضحكتان تطيران صباحاً ومع مغرب الشمس تعودان قبل أن تصاب عيون المطار بالعشى الليلي. مطار يخلو من أجهزة الملاحة الليلية. معلم سياحي.. فلنشرب القهوة المعتادة في مقصف فارغ، ولقهوة المقصف أن تخلو من مذاق الوقت العصبي.
«وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافر».. وجواز السفر ليس في جيبي، ولا تذكرة السفر. أنت زائر لا تودّع أحداً ولا تستقبل أحداً.. ولا يستقبلك أحد. مطار المنفى مثل نمر وحشي في القفص الصدري.. ومطار غزة قط أليف.
صار لدينا مطار، ومن على مدرجاته طار من قلبي خوف قديم يسمى «رهاب المطارات».
3 - المستشفى «قصر مسحور»
أهذا مستشفى، أم هو «قصر مسحور»؟ أعلام ترفرف في باحته: علم أزرق بحري مرصع بنجوم ذهبية، وعلم العالم الأزرق السماوي، حيث يدان من نبات أبيض تبتهلان لبرّ القارات الست البيضاء.. ويتوسطهما علمنا كرنفالي الألوان. الأخضر لون عشب لا يطؤه مريض عليل يتوكأ سليماً معافى، والشجر الوارف لا يلقي ظل الرحمة على من يأتيه موجوعاً، أو تصعد روحه السماء!
هذا هو «المستشفى الأوروبي» قصر مسحور لم يمت فيه أحد بعد، ولم يكش الأطباء ذباب الموت عن وجه أحد. في الجوار مدرسة التمريض أشبه بدير راهبات الرحمة، اللواتي ينتظرن حمولة من قوافل تنوس بين حافتَي أول الحياة وآخر الموت.
نفقات البناء 25 مليون دولار (وأكثر) ونفقة تشغيل القصر المسحور 21 مليوناً (وأقل)، النتيجة: لدينا فخر مستشفيات فلسطين من حيث المبنى، ولدينا «قصر مسحور».
أكره المستشفيات (من يحبها؟) والبنوك (من لا يضطر إلى معاشرتها) والمحاكم (ارتكبت كل المعاصي التي يحاسب الله عليها، ولم أقترف ذنباً بحق قانون الإنسان).
بحر غزة ليس بحراً، ومطار غزة الذي ينام في الغسق ليس مطاراً.. والمستشفى الأوروبي لا ينشل الميت من موت مؤجل، ولا تلد الحبالى في أرجائه.. هذا ليس مشفى. وأنا السائح إلى بحر يشبه البحر، ومطار يتشبه بالمطارات والمتوجس من مستشفى يرسلك إلى تحت الثرى.
مدينة غزة ترتدي جاكيتاً رمادياً (عمارات فوق قمباز رملي حواكير أبراجها).. وهذه المرة كان لا بد من رفح لأنها المطار، والمستشفى، وبوابة العبور الجنوبية.. وأقصى البلاد جنوباً.
وفي طريق العودة شمالاً يرددون قصة يونس الذي أحب سهيلة.. وقالوا لي: لا تحكي القصة، سوف يغضب عليك سكان «بني سهيلة» غضبة مضرية، سألت: هل سهيلة سهل صغير أخضر. قالوا: كانت سهيلة امرأة تعشق يونس. اليهود أولاد أمهاتهم.. ونحن الفلسطينيين أبناء آبائنا. العشق لا يختلف.. لكن قصص العشق لا تتفق قصة فيه مع أخرى.

