احدى وعشرين سنه الثابت على الثوابت
الكاتب: ابراهيم الحافي
قبل ٢١ عاما ، وتحديدا بعد مرور اربعين يوما على إغتيالك يا قدوتنا ، رسمت إبنتي ( صابرين ) بريشة طفولتها البريئة رسومات طفولية ترجمت من خلالها مشاعرها بفقدانك واستشهادك برصاص الاحتلال الغادر وعنونت رسوماتها بعبارة تحمل عنفوان وشموخ الطفل الفلسطيني ( إحنا على محنا ) !!!!!
كبرت صابرين وحققت حلمها بأن تكون محامية دفاع عن المقهورين والمظلومين وتزوجت واصبحت أم ، تلك الطفله التي ولدت وهي البكر عندي ونحن في سجن ( انصار 3 ) في النقب الصحراوي كيتساعوت كما كان يسمويه الاحتلال الغيض ولا زلنا من بعدكم أيها الشهداء شعب الله ( الصابرين ) ، لكن يا حبيبي يا ثابت ( إحنا مش إحنا ) ، فهل خاب ظن صابرين فينا يا ترى ؟؟؟!!!
أبا أحمد ، يا بوصلتنا وقدوتنا نحو الصبر والرجولة والثبات ، يا قدوتنا وشعلتنا المتقدة لا تطفئها عثرات الليل ولا الزلات ولا مكائد المتآمرين ، يا فكرنا ونهجنا ومسيرة نضالنا المرصوفة بالآهات والأنات والتضحيات !!! مضت شهور وسنوات ولا زالت زرقة عينيك تشع لنا نور الحياة ، خصلات شعرك الناعم الأشقر تغزل لنا جدائل الصبر والصمود ، ضحكاتك وأغانيك العراقية التي ما زلت اسمعها وتعملت حب العراق والاغنيه العراقيه منك (( مالي شغل بالسوق مرات اشوفك )) وهمساتك الرقيقة حاضرة أمامنا بشموخ وثبات ، في كل ركن نراك وعند كل مفترق نلتقيك ، في أفراحنا وأتراحنا وجلسات نقاشنا التنظيمي نستحضرك ونناجيك !!!
٢١ عاما ، كأنها الأمس وكأن الأحد الدامي لا يريد أن يدمل ذلك الجرح الغائر الذي غرسه رحيلك في صدور محبيك ، نحن وزوجاتنا وابناؤنا وبناتنا وكم كبير من محيطنا الأسري مغروسون حتى النخاع في ماضيك !!!
ذكرياتك حاضرنا وسيرتك النقية هي المحفز الكبير لنا كي نواصل المسير !!! (ثابت ثابت) لم يمت ، الدكتور ثابت عنوان عظيم وتاريخ كبير ، فكره جامع ونهجه ناجع ، وحد الغني مع الفقير وجمع النقابي مع الوزير وزاوج بين العلماني والشيوعي والجهادي ، فرض تواضعه الوطني على كل المسميات والرتب والمناصب ، وأعتلى صهوة المجد بنقاء وطهاره !!!من ارسلني رسولا لك ؟؟؟
في الثمانينات وانا شاب يافع ومن الحركة الطلابيه الفلسطينيه من عرفني عليك ؟؟؟ وكان لي الشرف العظيم في اللقاء بك انه القائد الوطني الكبير الشهيد المرحوم فيصل الحسيني ابو العبد ورغم اننا ابناء مدينة واحده ومحيط جغرافي واحد الا ان قيادة الارض المحتله وعنوانها قادة فتح في الداخل الفلسطيني وانت واحدا منهم ، كانت تضم في جنباتها ومظلتها كل المناضلين وكل ابناء الحركه فلاحين معلمين مزارعين وعمال وطلاب واطباء ومنهدسين ومحامين ومرآه ورجال اعمال ، كانت شموليتكم في صهر كل الشرفاء في بوتقة نضاليه واحده وفي خندق المواجهه ، كان حضورك مطمئنا ، ومشجعا ، ومحفزنا ، ومريحا ، ليس لابناء فتح لوحدهم بل حتى لكل ابناء فصائل منظمة التحرير الفلسطينيه ، لانك كنت صمام الامان للجميع ، وكنت تستوعب الجميع والكبير القائد بيننا جميعا ، هكذا انت وهكذا استشهدت وهل ننسى جنازتك وحين شيعناك لمثواك الاخير ، خرج اهل مدينتك الابيه الشامخه طولكرم من كل فج عميق ومن كل المحافظات والجوار شيبا وشبانا نساء ورجال اطفال وزهرات ليودعوا جسدك الطاهر ويلقوا عليك السلام والتحيه ، وفي جنازتك المهيبه التي ارعبت اعدائك وقاتليك انزل الله مطرا وبردا طيلة مسيرتنا بنعشك المسجى عليه جسدك الذي كان ينزف منه دمك الاحمر القاني مكان رصاصاتهم الغادره في كل انحاء جسدك غسلتك السماء بالبرد والماء والثلج ، والله في يومها امطرت الدنيا بطريقة مختلفه كان رب العزة يقول لنا وللناس ولشعبك انك شهيد وشهيد الله وهؤلاء هم احبائي ، فالتعظوا يا اولي الالباب.
٢١ عاما ، والوجع لا زال يضنينا وفقدك يا (أبا أحمد ) فاقم الغصة في قلوبنا وأدمى مآقينا ، لا نعرف كيف أمضينا تلك السنين مذ رحيلك ؟؟!! تهنا بدونك !!! تراجعنا بعد رحيلك !!! ضعفنا وتفرقنا !!! ما عدنا كما تعودت علينا أن نكون !!! تغيرنا وسيطر علينا الخمول والسكون !!! مشتتين وكأننا في غيبوبة : أين كنا والى أين وصلنا وماذا نريد أن نكون ؟؟!!!
أبا أحمد يا قائدي ، كل الأشياء تغيرت ، النفوس تغيرت ، المباديء والأخلاق والمواقف جميعها تغيرت !!! لم نعد كما كنا ، تغيرنا يا معلمي !! تغيرنا يا قدوتي ، نعم تغيرنا ولا حول لنا ، لم نعد كما عهدتنا !!!! نحن اليوم نقتات على فتات سيرتكم ( أنتم الأكرم منا ) نتباهي بذكريات البطولة التي جمعتنا بكم ، نتفاخر بأسمائكم ونغرس في عقول الاحفاد والاجيال مآثركم ، قناعتنا الراسخة أنكم صمام الأمان لحياة الاجيال القادمة وأن سيرتكم هي ضمانتهم الوطنية وهوية نصرهم الحتمي .
ونقول لك والله اننا ما زلنا على العهد رغم الظلم الذي احل بناء في ذكراك ايها الشهيد الأنيق ، أسترد الذاكرة وأمر بعنفوان على كل محطة ومرحلة عملت فيها معك ، ادقق كثيرا في مجريات الايام والشهور اخرج البوم صوري التي انت تزينها ، لأتنفس عبق الرجولة والشهامة وأقف شامخا كشجر التين والزيتون لا تنحني لي هامة ولا تلين لي قصبه ، فأنا إبن الثابت وأخ الثابت وصديق الثابت ورفيق درب الثابت ، أنا الثابت على الثوابت فكرا ونهجا وإنتماءا ..
نم قرير العين يا حبيبي فكما ينام العشب بين مفاصل صخرة ولدنا رفيقين معا ، ولدنا حبيبين معا .
رحمك الله ورحم الله كل شهداء فلسطين

