بين حلم العناقيد وليبيا
الكاتب: الدكتور سعيد صبري
بقلم : الدكتور سعيد صبري- مستشار اقتصادي – شريك وممثل لصندوق دعم المشاريع الناشئة- فاستر كابتل –دبي.
أعظم إنجاز في التاريخ ؛ يبدأ أولاً برؤى وأحلام الأفراد كاستجابات متخيلة لرغبات الجماعات، عندما تكون لديهم الإرادة والأدوات اللازمة لتبريرها من خلال ترابط العلم والخبرة ومحددات هدفهم البيئة، ثم دفعهم إلى أفق تحقيقهم.
بالنظر إلى أن رؤية رئيس الوزراء لدولة فلسطينية مستقلة، التي تم الإعلان عنها منذ سنوات عديدة، تسير جنبًا إلى جنب مع تحقيق التطلعات التنموية، فإن هذا العرض يستحق الحضور والثناء، والذي توصف تجربته الطويلة الأمد بأنها مؤسسة ذات خبرة واسعة في بناء وإدارة وتطوير المؤسسات، لديه أيضًا رؤية أنه أطلق أول خطة وطنية طموحة لإنشاء كتلة اقتصادية فلسطينية.
من هذا المنظور ومن ذاك المنظور وبين هذه الرؤى والكلام يحاول رئيس الوزراء د. محمد اشتية مناقشة الجمع بين الثقافة التي نشأت في الحركة الوطنية والنضال من أجل بناء الدولة مع ثقافة ما بعد الحداثة التي تم وضعها في العقود الأخيرة، واستخدامها في محاولة لإكمال الفجوة في العلاقات بين التحرير والتنمية لإنقاذ الوضع في فلسطين، والتنمية الاقتصادية وتأثيرها الاجتماعي يُنظر إليها على أنها مصدر للدخل والفرص الوظيفية، والطريقة الرئيسية لمكافحة الفقر والبطالة، وبالتالي يمكن الوصول إلى الشعار والتحديات التي يواجهها. في إطار تحقيق هذا الهدف، أعلنت الحكومة عن إطلاق استراتيجية العناقيد في القطاعات الاقتصادية، استنادًا إلى مبدأ تحفيز الاستثمارات في قطاع اقتصادي معين داخل منطقة جغرافية معينة، حددت الحكومة مدينتي الخليل ونابلس في تصنيف العناقيد الصناعية، في حين أن مثلت الأغوار ومدن شمال الضفة الغربية تدخل العناقيد الزراعية، وجاءت بيت لحم كعنقود سياحي.
ونرى أن هناك ثلاثة شروط لنجاح استراتيجية العنقودية الاقتصادية، وتتمثل ذلك في:- العامل الأول في توافر الكوادر الماهرة ذات الخبرة اللازمة للعمل في قطاع التنمية، أما العامل الثاني قيجب توافر الإمكانيات اللازمة للتطوير وزيادة القطاع الاقتصادي، والعامل الثالث- والأهم- هو توافر الدعم الحكومي السياسي والمالي والقانوني لتقدم القطاع الاقتصادي.
وفي ظل السعي نحو بناء الاستراتيجية العنقودية الوطنية، نجد انه تم الاتفاق مع الجانب الاسرائيلي على زيادة أعداد العمال الى 200 ألف عامل من الضفة الغربية، والبدء باستقبال عمال من قطاع غزة بواقع 10 آلاف عامل على ان يصل الى 50 ألف عامل قبل نهاية العام الحالي اذا استمر الوضع الأمني مستقرا. ويزيد تنوع تصدير العمالة حيث تم الاتفاق حديثا بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل على استيعاب 3000 مهندس مؤهل بمجال الهاي تك بالسوق الاسرائيلي، هذا من جانب، ومن جانب آخر فمن الواضح انه يوجد اتفاقيات بين وزارة الشؤون المدنية والمنسق الاقليمي لترسيم العمالة الاسرائيلية، تهدف لتمهير العمال غير المهرة واخضاعهم لبرامج تدريب مهني في مجال الحرف وصحة وسلامة مهنية وذلك بفتح مراكز متخصصة على المعابر بين اسرائيل وبين الضفة الغربية، وهذا إن مثّل فإنة يمثل تأطير ممنهج لإضعاف السوق الفلسطيني وتفريغه من الكفاءات تمهيدا لاحكام اسرائيل السيطرة على العمود الفقري للاقتصاد وهو- الانسان- أغلى ما نملك.
لاستكمال الحلقات العنقودية، ستضيف الحكومة بندًا جديدًا لصادرات العمالة يتمثل بتوقيع اتفاقية مع الحكومة الليبية لتوظيف 10,000 موظف وعامل في السوق الليبي. هذه الفرص متاحة للعاملين والخريجين في قطاع غزة بحسب وزير العمل الفلسطيني. والسؤال الذي نطرحه في هذا السياق، ماذا يوجد في ليبيا لنا؟ هل ظروفك المعيشية والعمل أفضل؟ هل سيتحول الوضع من أمطار الشتاء القاسية التي يعيشها أبناء شعبنا في الضفة الغربية وغزة إلى حرارة الصيف القاسية، وسننقل المعاناة إلى ليبيا، حيث الظروف المعيشية التي يعاني منها الشعب الليبي صعبة.
اين نحن من كل الخطابات والاستراتيجيات التى اعلنت بالسابق، والتى أسست نظريا لمرحلة جديدة بالخطابات، فأين تلك الأراضي الزراعية التى تم استصلاحها في الاغوار والشمال الفلسطيني، وكم من الاراضى الوقف التى تم استغلالها وما زلنا نناقش باجتماعات ومؤتمرات ولجان مشتركة دمج الطلاب في التدريب المهني وتأسيس جامعات ومراكز متحصصة لذلك في كافة المراحل الدراسية العليا والجامعية لملائمة متطلبات سوق العمل. الوقت يداهمنا، ونحن مكاننا بل متأخرين عن غيرنا.
ومتى ستطلق هذا النموذج التنموي الحكومة وتبني المؤسسات اللازمة لتأسيسه، مثل مراكز البحث العلمي ومؤسسات التدريب المهني لإعداد الموارد البشرية واستكمال خطط التجمعات المحتلة لماذا لا يتم تجهيز كل النموذج التنموي بما يتطلبة السوق الاقليمي بدل من الموافقة عل السماح بفتح مراكز تدريب حدودية . أقلها السعي إلى الاندماج مع التجمعات الصناعية المتجاورة جغرافياً مقابل توفير بيئة مستقرة وعدم وضع أي صعوبة.
ما يجعل هذا السؤال محوريًا هو العثور على إجابة تسمح لنا بتنفيذ خيار التطوير هذا كمتطلب موضوعي لمخرجاته، ومن خلال زيادة إمكانية ومتطلبات طرح العوامل الذاتية لجعلها حقيقة واقعة من خلال الطرق المتاحة الموجودة في الخدمات أو تقوم بإنشاء هياكل جديدة تعكس التكتلات أو التكتلات المرغوبة ويتم توزيعها بشكل طبيعي عبر قطاعات مختلفة من الاقتصاد.
إن غياب السيادة على الاقتصاد السياسي والسياسة الاقتصادية والنقدية، والسيادة الجغرافية المفقودة والتى تمثل الواقع الموضوعي الاكثر ضرورة والتي هي روح التنمية العنقودية، لأنها تقوم على الجغرافيا الاقتصادية؛ نتحدث هنا عن شعار يطالب بالمرور الإجباري للتحرر الوطني الذي يؤدي إلى السيطرة على الموارد مثل الجغرافيا والثروة الطبيعية، وتدفق الناس والبضائع ورؤوس الأموال دون معوقات الاحتلال، فأين نحن من التخطيط العنقودي؟
وعليه فإنني أوصي الحكومة الفلسطينية:-
اولا: الأولوية الاولى- وهي أولوية مطلقة لها الأسبقية على أي جهد نضال وطني أو تنموي، وتتجلى في سد فجوة الثقة المميتة بين الجمهور الفلسطيني، وبين مراكز المساءلة السياسية والحكومية، وصولاً إلى المجتمع المدني.
ثانيا: أن تعيد النظر في الهيكل المالي (الموازنة العامة) لزيادة حصة النفقات تحت بند الموازنة التطويرية، وتقليل نفقات الموازنة التشغيلية التي تستحوذ الرواتب والأجور.
ثالثا: بدل من تصدير الانسان يجب العمل على تعزيز الانسان على الارض الفلسطينية، وتصدير المنتج الوطني والاستفادة من الاتفاقات التجارية والاعفاءات الجمركية على الدول الاوروبية والامريكية وتطوير المنتج الوطني الفلسطيني.
لنسعَ، ولنجعلْ عقولنا شعلة متقدة من الحماس والتميز، ومن المؤكد أننا سنجد فكرة ملهمة تحلق بنا عالياً.

