قراءة أولية للقوائم المرشحة للانتخابات المحلية
الكاتب: ريما كتانة نزال
تختلف الانتخابات المحلية في مرحلتها الثانية في المناطق المصنفة (أ) و(ب) عن سابقتها الخاصة بالمناطق المصنفة (ج)، لعوامل عدة أبرزها: أنها ستشمل المدن الرئيسة. ومعلوم أن المدن تعد تجمعات مؤثرة من حيث الوزن السكاني والإداري والسياسي قياساً بالمناطق الريفية، وبالتالي فإن مستوى التنافس ما بين الكتل سيتخذ منحًى مختلفاً بعض الشيء عمّا اتخذه في الأرياف، والذي اتسم بنوع من الرتابة غلب عليه الطابع العائلي العشائري، وبعض الملامح السياسية هنا وهناك.
ومن الناحية التقنية هناك عدد من الإشكالات المترتبة عن المرحلة الأولى، ومنها أن جميع المناطق المصنفة (أ) و(ب) لم تشارك في الانتخابات، ما سيجعل الانتخابات تعقد في سبع وثلاثين هيئة محلية، علاوة على انتخاب ست وثلاثين هيئة محلية من المناطق المصنفة (ج)، وبالنتيجة سيكون أمام لجنة الانتخابات تنظيم مرحلة انتخابية جديدة لمعالجة انتخاب الهيئات المستنكفة عن المرحلتين على الأقل.
لن نختلف كثيراً حول بروز الطابع السياسي للانتخابات التي ستجري في آذار القادم بشكل عام، ولكننا قد نختلف حول درجة ونوعية ومدى قدرة القوى السياسية على الإمساك بزمام الأمور، والسيطرة على تشكيل القوائم بما يؤمن وضعها قواعد وحدود التدخل العائلي والمساومة حول موقع مرشحيهم حتى من أبناء التنظيمات في القوائم، ما يجعل بناء القوائم يخضع للمصالح العائلية واستنزافها الأحزاب، أو يكون لها وزن وتأثير لا يمكن التقليل منه، كاشفاً عن عملية التحولات والانزياحات الجارية على الخارطة التنظيمية التي تمس موقع القوى والفصائل السياسية.
وبإطلالة سريعة يمكن الاستنتاج من خلال القوائم المعلنة أن هناك تراجعاً وانكفاء للقوى السياسية بشكل واضح؛ من خلال تسجيل وإطلاق أكثر من ثلثَي القوائم المرشحة وبنسبة 68% على نفسها صفة القوائم المستقلة، والتي بلغ عددها مائة وثمانٍ وسبعين قائمة من عدد القوائم الإجمالي البالغ مائتين وتسع وخمسين قائمة في ثلاث وسبعين هيئة محلية، بينما لم يتجاوز عدد القوائم المصنفة بالقوائم الائتلافية عشر قوائم، في حين بلغ عدد القوائم الحزبية 71 قائمة وبنسبة 26% فقط، منهم 60 قائمة مشكّلة من قبل حركة «فتح»، آخذين بالاعتبار أن 17 قائمة تنتسب إلى حركة «فتح» تتنافس مع بعضها البعض في عدد من الهيئات المحلية، في ظاهرة قديمة جديدة لكنها تعبر بشكل أوضح عن نفسها.
الوقوف أمام القوائم المستقلة موضوع يجدر الاهتمام به والبحث عن معانيه المحددة، خاصة في المدن الكبيرة، مع استيعاب وقوف الضرورات الأمنية كأحد المبررات الموضوعية خلف إخفاء بعض القوائم هويتها الحزبية أو الائتلافية في الغالب. لكن ينبغي عدم إخفاء حقيقة التراجع العام للأحزاب السياسية وضمور شعبيتها، ونشوء فجوات من الثقة البينية مع المجتمع، ما جعلها عاجزة عن بناء قوائم انتخابية تشكل فيها النواة الصلبة، خاصة أن بعض القوى السياسية لم تقدم قائمة واحدة في أي هيئة محلية بما فيها المرحلة الانتخابية الخاصة بالمناطق المصنفة (ج)، ما يضع علامات استفهام من النوع الوجودي.
ومن زاوية القراءة النسوية للقوائم، حيث كانت التوقعات تذهب باتجاه رفع المشاركة النسوية وفرض وجود نسوي أفضل في المدن عن القرى، لكن على ما يبدو أن تلك التوقعات كانت مغرقة في التفاؤل؛ إذ تشير القراءات الأولية إلى التجانس في موقع المرأة في القوائم الانتخابية المرشحة، بنسبة تواجد تقل قليلاً عن 27% بعدد 687 مرشحة، مع التنويه إلى أن ارتفاع النسبة في القوائم المرشحة لا يعني تجسيدها أن الارتفاع الطفيف لا يكاد يُذكر مقارنة بالمرحلة في المناطق المصنفة (ج). لكن لا بد من ملاحظة ترؤس ثماني نساء لقوائم انتخابية في بعض المدن الكبيرة مثل رام الله ونابلس وبيت لحم ويعبد وطولكرم وبيت أمّر، وعدم التغافل عن الحضور الاحتجاجي النسوي من خلال تشكيل القوائم النسوية كأحد الظواهر المستمرة المرافقة لجميع الانتخابات المحلية بوجود قائمة «بيت أمّر للجميع» مقتحمة المشهد الانتخابي بتسع نساء تقول الكثير عن استمرار التمييز والتهميش!
ينتظر وينظر الجميع إلى نتائج الانتخابات القادمة مع نهاية آذار القادم بنوع من التوجس الحذر، فقد يعيد الماضي نفسه وحدوث ما يُخشى عقباه بإقدام الحكومة على تأجيل الانتخابات للسبب ذاته الذي دفع إلى تأجيل بلا حدود للانتخابات التشريعية الثالثة أيار 2021، التي ساهمت بقوة في تظهير التغيير الحاصل على الخارطة التنظيمية والانزياحات الجارية، رغم أن ما يقف حائلاً دون الإقدام على التأجيل ما زال ممثلاً بالموقف الدولي الضاغط على إجراء الانتخابات بقوة، دون استبعاد بعض التدخلات الأمنية المتوقعة.
ما يهم المواطن الفلسطيني في الدرجة الأولى، سواء أكان من سكان القرى أو المدن، هو وجود هيئات محلية منتخبة كفؤة مهنياً وإدارياً، وقادرة على تلبية احتياجات المواطنين في تلك التجمعات بطريقة فعالة ولائقة، أما الأوزان السياسية للقوى والفصائل فلا أعتقد أن هذا الأمر يلقى الكثير من الاهتمام من قبل المواطنين، وذلك لسببين رئيسين برأيي: الأول أن تلك الهيئات هي هيئات خدماتية إدارية تنموية وليست سياسية بالدرجة الأولى. وثانياً أن علاقات الفصائل السياسية مع الجمهور باتت تواجه إشكالات جدية سواء على المستوى العام، أو على مستوى وجودها التمثيلي في الهيئات المحلية، فزيادة وزنها أو تراجعه سيان بالنسبة للمواطن العادي الذي يكترث أكثر لمصالحه الممهورة في تخصص تلك الهيئات ووظائفها الرئيسة، والخدمات التي تقدمها وجودتها.

