الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:24 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:25 PM
العشاء 8:49 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

لـسـعـة نـحـلـة

الكاتب: زياد خدّاش

نصي الحادي عشر الذي نشرته في حياتي السابقة بجريدة فلسطين اليافاوية عام ١٩٢٤ وأعيد نشره الآن في جريدة الأيام الفلسطينية برام الله.

سأظل أشكر النحلة، المشهد غير قابل للنسيان، آه يا يدك ووجهك وعينيك، كم كانوا في مرمى عطشي، على أحد مقاعد حديقة الأزبكية في القاهرة، صيف عام 1891 قادتني النحلة إليك، كان ألم اللسعة هو الإشارة، وكان خوفك هو النداء، أكتب إليك من حيفا، قبل قليل كنت أفكّر فيك، أشياء كثيرة حدثت في حياتي في اليومين الماضيين، ولا أتخيّل أنّني لا أروي لك ما يحدث لي، أشعر أنّ هدف حياتي هو أن أروي لك حكاياتي، لا طعم لحكاياتي دون أذنك واتساع مساحة البياض في عينيك، تعيش فلسطين هذه الأيام أياماً عظيمةً، يبهرني هذا الشعب، فبين الأمسية الشعرية والأخرى يرتقي شهداء، يدافعون عن البلاد، استضافني صديقي الحيفاوي كاتب بلدية حيفا رشيد خوري في بيته، فوجئت بشعراء حيفا يطرقون باب صديقي، دخلوا جميعاً مرحبين بي، لا يعرف هؤلاء أنّهم كانوا يرحبون بك أيضاً، فهم لا يعرفون أنّي من تشكيلك، وأنّي دونك محض جثة، وأنّ الهواء الذي أتنفسه هو من عطاياك، وأنّ يدي التي صافحوها هي من صنع أنفاسك، أحبك سلمى يا مريضتي ومريضة العالم، لو كان ذات الرئة رجلاً، لمزقته نفساً نفساً، ابقَيْ على قيد الحياة يا أوتار يدي، كوني على الدوام بصحة وعافية، كوني يدي، يدي التي يحتاجها المعجبون؛ ليصافحوها بحب وحرارة.
دخلتُ حيفا مساء اليوم 9/7/ 1924 بصحبة صديقي الشاعر الموهوب طانيوس أفندي عبده، والدكتور نجار وحضرة السيدة الفاضلة مدام كرمي، وكريمتها اللطيفة ماري، ونجلها ميشيل، كانت ليلة رائعة كنت أنت فيها بكامل التفاصيل.
أكتب إليك في غرفتي ببيت صديقي الحيفاوي الطيب، بعد ساعة تقريباً ستبدأ حفلة تكريمي، في النادي الكاثوليكي، سيترأس حفلة التكريم، العلامة المطران غريغوريوس حجار، سيكون هناك شعراء ومعجبون، كم أحب حب الفلسطينيين لأشعاري، أحب أسئلتهم حول قصائدي: لماذا قررت إشعال ثورتك الشعرية على الأغراض القديمة؟ رومانسيتك العميقة تناسب عصرنا، ثمة امرأة ساحرة تتجول في قصائدك، نكاد نشمها، أحب فضولهم تجاه حياتي الشخصية: هل أنت متزوجٌ يا شاعر القطرين؟ متى ستزور مدينتنا نابلس يا أستاذ؟ هل أنت سوري أم لبناني؟ ما سر حبّك لمصر؟؟
وهم شعب كريم وتلقائي، مرة في زيارة سابقة وأنا اتجوّل في (سوق الشوام) بحيفا تقدم مني شابٌ يبدو من هيأته أنه متعلم:
   - مرحباً يا شاعر القطرين، أنا مصطفى الدبس طالب لغة عربية في كلية المعلمين بالقدس، أحب ما تكتب، أحب اللمسات الوجدانية في أشعارك، وثورتك على اللغة القديمة أعشقها.
 أحببتُ كلام مصطفى، ودهشتُ من كرمه، فقد طلب مني أن أنتظرَ قليلاً، رأيته يمشي تجاه بائع بيض، ويتحدث معه، وجاء لي محملاً بعلبة قماشية فيها ست بيضات.
- كنتُ أرغب في استضافتك في بيتي يا أستاذنا الكبير، لكنّي أنتظر الآن القطار؛ لأعودَ إلى كليتي في القدس.
لم يبقَ أحد في القدس لم أخبره أني رأيت خليل مطران في سوق الشوام بحيفا، وأنّي أهديته ست بيضات، حتى مسعود بائع الصحف في حي المصرارة أخبرته، فابتسم عن أسنان قليلة وهو يقول ساخراً: هل تتوقع أن يأكل الأستاذ البيض مقلياً أم مسلوقاً؟، تندّر أصحابي على عدد البيضات، متسائلين: لماذا ست بيضات وليس عشراً، أما أستاذي إسحاق موسى الحسيني، فقد أحبّ فكرة إهدائي البيض، وقرّر الرد على الساخرين بزيادة ست علامات لي في حصة النحو، لكنّه سألني معاتباً لماذا لم تلح عليه لزيارتنا في الكلية؟
 حبيبتي سلمى: أجلس في القطار الذاهب إلى القاهرة، عائداً من حيفا اللذيذة، معي كتب لشعراء حيفاويين، وست بيضات في علبة قماشية، أفكر فيك، أعرف أنك الآن في المشفى في تلك البلاد البعيدة، تعانين من آلام ذات الرئة، سأذهب فور نزولي من القطار إلى المقعد ذاته في حديقة الأزبكية، أبحث عن أحفاد النحلة الجدّة التي قرصت خدك وقادتني إليك، يا لهذا الحب الذي ينفجر من لسعة نحلة، ومن ألم ودم، سأحكي للنحلات الحفيدات، عن قصة الحب واللسع، سأشكرهن، وربما أعانقهن.
في فراش المرض أستلقي أقرب إلى الجثة مني إلى الحياة، أمامي ممرضة تقرأ لي بتأثر رسائل حبيبي الشاعر، أبكي على كلماته، وأفكّر كيف سيمضي حياته بعدي؟ وأبتسم قليلاً لقصة الست بيضات، منذ الصباح أراقب نحلة تتحرك خلف زجاج نافذتي، وأتحسس خدي ويديه.
 في حديقة الأزبكية بالقاهرة أجلس بانتظار صديقي الروائي المصري وحيد طويلة، جئت إلى القاهرة تلبيةً لدعوة إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب، دورة عام 2022، لتوقيع مجموعتي القصصية (أنف ليلى مراد)، بيدٍ أحمل نسخة من كتابي، وباليد الأخرى أحمل كوب قهوة، في المساء في إحدى قاعات المعرض، كان وحيد يجلسُ قربي متهيئاً لتقديمي للجمهور، فتحت كتابي؛ لأحدد القصص التي سوف أقرؤها، ووسط دهشة وحيد والجمهور ودهشتي كانت نحلة صغيرة جداً تطير من الصفحات رأيناها جميعاً تخرج من القاعة، يسير خلفها طنينها الخافت وقلبي.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...