مشاركة بمسابقة الجمال من بوابة الأسرى
الكاتب: ريما كتانة نزال
ليس معتاداً ضمن ثقافتنا السائدة أن تترشح الشابات الفلسطينيات في مسابقات الجمال الدولية، لكن الفلسطينية لورين امسيح انفردت في قرارها ورشحت نفسها لخوض عملية التنافس على الظفر بتاج ملكة جمال العالم المنظمة حالياً في إندونيسيا، ويبدو أنها الفلسطينية الأولى التي تخوض بشكل مباشر غمار منافسة دولية للجمال، حيث سبقتها فتيات من أصول فلسطينية أو من مناطق فلسطين التاريخية التقدم في إطار مسابقات محلية.
ولا شك أن المجتمع الفلسطيني وبحكم مقاومته الاحتلال انشدَّ تاريخياً لأُطره السياسية والحزبية وإلى قياداته السياسية والحزبية وانجذب وتأثر موضوعياً بها وبمواقفها وممارساتها، وبالتالي شهدت الحقبة السابقة بشكل عام ركوناً مجتمعياً عاماً إلى القيادات السياسية في الرسم والتخطيط لعملية النضال وأشكال الفعل والتأثير الممارسة على الرأي العام، فيما باقي قوى المجتمع اختارت أن تكون في موقع التأييد للقيادات والبُنى السياسية بشكل طوعي والانخراط في التوجه العام من المواقع الخلفية، وارتضت لنفسها أن تتلقى التوجهات والسياسات والتعليمات.
وما يجب لحظُه وإدراكه جيداً أن الواقع اليوم مختلف، وأدوات التأثير في الرأي العام بدت أيضاً مختلفة، لا سيما مع انتشار وشيوع وسائل التواصل الاجتماعي بكل مسمَّياتها، حيث تشهد المرحلة الحالية سماتٍ ومميزات مختلفة عن سماتِ ومعالم المراحل السابقة التي ميَّزت الحالة العامة، ونشهد حالياً تحولاً نوعياً يحمل مواصفاتٍ خاصةً بالحالة النضالية ومرجعياتها، وهذا التغيُّر بات ملحوظاً لكل من يتابع بدقة تفككاً وانفضاضاً مِن وعن أشكالٍ سابقة من التأثير والمشاركة لصالح مبادرات ترتبط بالقضية الوطنية.
لقد بات ملحوظاً أن الفلسطينيين والفلسطينيات كأفراد أخذوا يقررون بأنفسهم ماذا وكيف ينبغي لهم أن يقرروا بشأن مواجهة المحتل إعلامياً وسياسياً وثقافياً، أو في كيفية الانخراط والمشاركة فيما يجري في العالَم ويقدموا أنفسهم وأفكارهم للتأثير على الحدث العام من خلال الفعل به، او من خلال اقتحام المجالات المختلفة من بُنى وأطرٍ يهتم لها العالَم ويراقبها ويتابعها ويتأثر بها، سواء المجالات الثقافية أو الفنية أو الابداعية بكل تنوعاتها وحقولها ومجالاتها، (السينما والمسرح والأزياء والغناء والرقص والمسرح والأزياء والموضة والجمال والشعر والموسيقى..) وتوظيفها بسلاسة للتأثير على الرأي العام وجذبه إلى مربع جديد من أشكال التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية وتظهير تفاصيلها، بعيداً عن لغة الخطابة والبيانات والتقارير والعلاقات الرسمية.
وما يجب التنويهُ إليه أن ما سبق ذكرُه من آليات وطرائق عمل حداثية ومستحدثة لا يعني بتاتاً الاستغناء عن الأحزاب والفصائل السياسية، أو الاستغناء عن العمل القيادي الرسمي في التخطيط الاستراتيجي، بل يعني الانتباهَ إلى التغيير الحاصل في الواقع على المستوى العام من جهة ولأسباب ذاتية لها علاقة بقصور الأداء (المنظم) وما رافقه من فشل وتوَهان وتفكُّك في نقل الرواية الفلسطينية، عوضاً عن الفجوات بين المجتمع وأحزابه وبناه الرسمية، وهو ما أفسح المجال لمبادرات فردية من أبناء وبنات فلسطين للانخراط بوعي وعمق في الفعل والتأثير العالمي، من خلال أنشطة وعروض سياسية وثقافية وفنية تحمل رسالةً وطنية وتفضح وتُعرّي الاحتلال وتدعو للمساءلة والمحاسبة على أفعاله العنصرية.
وما يجب قولُه هنا أنني كقناعة وطنية وثقافية لا أروّج لمسابقات الجَمال بل ربما لا أستسيغها؛ انطلاقاً من موقف مبدئي ونسوي، حيث تندرج مسابقات الجمال في تسليع وتشييء النساء عبر توظيف أجسادهن في الدعاية والإعلانات التجارية، ضمن سياسات استهلاكية رأسمالية لجني الأرباح، إلّا أنه لا بد من الانتباه إلى ما يسترعي الانتباهَ والتقدير أن الفلسطينية لورين امسيح أظهرت نفسَها كحاملة فكرة ورسالة ذات مضامين إنسانية ووطنية بوعي واعتداد بذاتها وفلسطينيتها، ونأَتْ بنفسها بعيداً عن الدُمى المتحركة، محوِّلةً مشاركتَها الى آلية تُظهِّر الواقع الفلسطيني المرير تحت الاحتلال؛ لجهة سياسات الاعتقال وممارساته العنصرية عبر ارتدائها الملابسَ المخصصة للأسرى الفلسطينيين عوضاً عن ارتداء الزيّ الوطني، في خطوة واعية وشجاعة في إدانة وفضح الاحتلال وعنصريته وقمعه حريةَ الرأي والتعبير أمام المتابعين، مُجيَّرةً مشاركتَها لنقل معاناة الأسرى البواسل في السجون الاسرائيلية وفتح النقاش حول ما يتعرض له شعبها من تنكيل وتعذيب على يد الاحتلال.
خُلاصة القول إن العالَم يتغير ونحن يجب ان نتغير معه، اذا ما اردنا ان نواكبَ حركة التقدم الاجتماعي والمعرفي وان نُبقي قضيتنا تحت الأضواء، حيث أصبح للناس اهتمامات متنوعة وخاصة، وبالتالي تشكل مشاركةُ لورين في المسابقة لفتة مميزة، وسيكون لها نتائج إعلامية مهمة، خاصة لقطاع الشباب الذي له اهتمامات ثقافية وفنية مختلفة وغير نمطية، بما فيها متابعة المشاهير وآرائهم وانحيازاتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية، وخلال معركة سيف القدس العام الفائت ظهرت مبادرات من فلسطينيات وفلسطينيين غير منخرطين في السياسة بمعناها وبُعدها التنظيمي الحزبي، انطلقوا من شعورهم وانتمائهم الوطني في تعبيرات فنية وإعلامية وثقافية كان لها بالغ الأثر في تنوير الرأي العام العالمي وكشف همجية الاحتلال وعنصريته البغيضة، وهذا هو الدرس الأهم بنظري كيف نوسع دائرة الاشتباك بكل الوسائل الممكنة مع المحتل من أجل تعريته وعزله عن المنظومة الإنسانية، وقناعتي ان امسيح وقفَت في ذات الدائرة ومساحة الاشتباك مع المحتل بعيداً عن أي جدل أو خلاف هنا أو هناك، كما وقفت عارضاتُ الأزياء ذوات الأصول الفلسطينية جيجي وبيلا حديد مع أصلانيتهن باعتزاز ملموس، الأمر الذي أدى بالاحتلال إلى اتهامهن باللاسامية، فلمَ لا نفتح المواجهة على جميع الجبهات..؟!

